أيُّهما أكبر: الواحد أم الثلاثة؟!
بعثَ السُلطان
البويهي الفارسي "عضد الدوْلة فنا خِسرو" وزيره وقاضيه الداهية
"أبا بكر الباقِلّاني" رسولاً إلى ملك الروم الذي أراد أن يذل ويهين
القاضي أمام الجميع فأمر بعمل حاجزٍ من قضبان الحديد به فتحةُ بابٍ صغيرٍ مُنخفِض
يُشرِف على بهو القصر بحيث لا يستطيع القاضي أن يمر منه ويلتقي بالملك دون أن يضطر
لأن يخفض رأسه وينحني راكعاً وهو داخلٌ على الملك وحاشيته، وفطن القاضي الذكي إلى
تلك الحيلة فأدار ظهره للباب وحنى ظهره ودخل على الملك وهو يمشي إلى الوراء ودخل
في حضرة الملك بظهره حتى اقترب من الملك وصار بين يديْه فاستقام ورفع رأسه واستدار
حينئذٍ ليواجه الملك وهامته مرفوعةٌ وسط غضب الملك واندهاش الحاشية من جُرأة ذلك القاضي
وفِطنته وحُسن تصرّفه.
وعلى مأدُبة الطعام
التي أقامها الملك على شرف الرسول القاضي جلسَ "الباقِلّاني" بمواجهة
كبير الرُهبان وقال له بصوْتٍ عالٍ بحيث يسمعه جميع الحاضرين:
- كيفَ حالُك وحال أهلِك وزوْجتِك
وأوْلادك؟
فغضبَ الراهب غضباً
شديداً وردَّ عليه بحِدّة:
- مَهْ! .. ألا تعلم بأنني وباقي الراهبين
والراهبات مُنزّهون عن ملذّات الدُنيا وشهواتها ونترفّع عن الزواج والإنجاب ونعلو
فوْق تلك الصغائر البشريّة الزائلة؟
فقال القاضي وهو يتصنّع
الدهشة ويتكلّف الحيرة:
- سُبحان الله والله أكبر! .. أتتنزّهون
وتترفّعون وتعلون وأنتم تتّهمون الله رب العالمين بـ"مريَم" وتدّعون أن
له ولداً منها؟!!!
- على الأقل ليس لنا أُمٌّ زانيةٌ كـ"عائشة".
- أيُّها الغافل: لقد تزوّجت
"عائشة" من الرسول ولم تُنجِب قط .. أمّا "مريَم" فقد أنجبت
دون أن تتزوّج .. فأي الطاهرتيْن – اللتيْن برّأهما الله – أوْلى بتُهمة الزِنا؟!
- ألم يكن رسولكم "محمّد" يغزو
ويُقاتِل في مقدِّمة جيْشه وينتصر ويُهزم؟! .. كيف لنبيٍّ أن يُهزَم ولا ينصُره
ربُّه الذي أرسله؟! .. يا للسُخرية! .. أيُعقَلُ هذا؟!
- أمرٌ عجيبٌ حقّاً! .. ولكن الأعجب
منه: أإلهٌ يُعذَّبُ ويُصلَب؟!!!
فبُهِتَ الذي كفر.
