خبر
أخبار ملهلبة

هي (أو "عائشة") | هنري رايدر هاجارد | (10) بعد أربعة أيّام


فتاة تصرخ وتبكي ترتدي تاج

(10) بعد أربعة أيّام

 

 

وانقضت أربعة أيّامٍ دون حادثٍ يُذكَر، بيْد اننا أننا أُفِدنا ببعض المعلومات عن هذا الشعب الغريب من "أوستين" صديقة "ليو" والتي لم تكن تفارقه لحظةً واحدة، قالت "أوستين" أنها لا تعرف أصل قوْمها، وأن هناك أماكن مبنيّةٌ وأعمدةٌ تُسَمَّى "خوري" بجوار المكان الذي تعيش فيه "هي"، ويقول العارفون أن هذه الأبنية كانت منازل فيما مضى يقطنها شعبٌ تناسلت منه "أُمّة حجر"، ثم أضافت "أوستين" بأن أحداً لا يجرؤ على الدنو من هذه الخرائب لأنها مسكونةٌ بالأشباح والشياطين، وأنها سمعت أن هُناك خرائب أخرى في أنحاءٍ مختلفةٍ من البلاد، وأنه ليست لدى قومها قوانين يسيرون بمُقتضاها، وإنما يتَّبِعون عاداتٍ لايستطيعون نقضها، ومَن نقضها قُتِلَ بأمر "أب" القبيلة، فسألتها:

-       وكيف يُقتَل؟

فابتسمت الفتاة ثم أجابت:

-       سوف ترى ذات يوْم.

واستطردت بعد هُنيْهة:

-       إن لنا ملكةً اسمها "هي" .. وهي لا تظهر إلّا قليلاً .. وربما كان ذلك مرةً كل عاميْن أو ثلاثة عندما تأتي لمحاكمة بعض المجرمين .. فإذا ما أتت التفَّت بوشاحٍ كبيرٍ فلا يستطيع أحدٌ أن يرى وجهها .. وخدمها خُرْسٌ بُكْم .. ولذا لا يستطيعون أن يقصّوا من أخبارها شيئاً .. ولو أن الشائع أنها ذات جمالٍ رائعٍ فتّان .. ويُقال أنها خالدةٌ لا تموت ولا تمرض ولا تصيبها الشيخوخة والوهن .. كما أنها ساحرةٌ عظيمة وتتحكّم بسحرها وسُلطتها في كل شيء .. وفي اعتقادي أن الملكة ليست خالدةً كما يُشيعون عنها .. أغلب ظنّي أنها تختار لنفسها زوْجاً مجهولاً من حينٍ إلى آخر .. فإذا وضعت ابناً فإنها تقتل هذا الولد مع أبيه .. أمّا لو وضعت ابنة فهي تقتل الزوْج فقط وتُخفي أمره تماماً .. فإذا ما كبرت الابنة تولَّت الحُـكم بعد موْت أمّها ، وتقوم الملكة الابنة بدفن الملكة الأُم في الكهوف الكبرى دون أن يدري أحدٌ من العوام بذلك فتظهر أمامهم وكأنها نفس الملكة "هي" الواحدة الخالدة التي تتعاقب عليها الأجيال وهي لا تزال في أوْج شبابها وصحّتها وسُلطانها .. بيْد أن هذه الظنون مجرَّد استنتاجـات .. فلا أحدٌ يعرف الحقيقة .. وكل ما أعلمه أن لهذه الملكة نفوذاً مُطلَقاً .. وأن الموْت من نصيب مَن يعارضها.

فسألتُ "أوستين" عن مساحة بلادها وعدد سُكّانها فأجابت:

-       توجَد عشر قبائل كهذه .. منها القبيلة الكُبرى التي تحكمها الملكة .. وتسكن جميع القبائل المغاور والكهوف في أماكن مرتفعةٍ عن المستنقعات .. ولا يُمكِن الوصول إليها إلّا بطُرُقٍ سِرّيّة .. وكثيراً ما تشتبك القبائل مع بعضها البعض في حروبٍ وحشيّة .. ولكنهم سرعان ما يكفّون عنها حين تُرسِل "هي" أمرها بذلك.

كانت هذه المعلومات سبباً في اضطرابنا، وذلك لأنها تتَّفِق مع الكتابة القديمة المسطَّرة على قطعة الخزف، على أنني لم أشَأ التسليم على طول الخط، ورُحت أُسَفِّه آراء "ليو" في هذا الموْضوع مُكابرةً مني وعناداً.

حلَّت الليْلة الرابعة لسفر "بلال" فوقع لنا حـادثٌ غريب، إذ بينا كنا جالسين حوْل النار - ومعنا "أوستين" داخل الكهف قُبيْل ذهابنا إلى مضاجعنا - نهضت الفتاة فجأةً من مكانها، ثم وضعت يدها على شعر "ليو" الذهبي، ورمته بنظرةٍ ساحرةٍ تُفصِح عمّا يعتمل بين جنبيْها من وَجْدٍ وهيام، ثم شرعت تُغني بصوْتٍ يُشبِه تغريد البُلبُل، فأنشدت قطعةً غراميّةً ضمَّنتها حُبّها ومدح حبيبها، وتنبّأت فيها بأن "هي" ستنتزعه منها وتقتلها.

وكَفَّت الفتاة عن الغناء فجأة، وحدقت في الظـل الكثيف أمامها، وسرعان ما بدا الذُعر في عيْنيْها كأنما رأت شبحاً مُخيفاً، ورفعت يدها عن رأس "ليو" وأشارت أمامها، فحوَّلنا أبصارنا إلى حيث تُشير، ولكننا لم نرَ شيئاً، وترنَّحت الفتاة ثم سقطت فاقدةً الوعي.

واضطرب "ليو" وبدا الحُزن على وجهه، أمّا أنا فكاد الخوْف يسحق قلبي من هوْل الموْقِف، بيْد أن "أوستین" أفاقت بعد قليل، ثم جلست وهي تنتفض قليلاً، فقال لها "ليو":

-       ماذا تقصدين بأُغنيتك هذه؟!

فتكلَّفت الضحك، ثم أجابت:

-       لا أعني شيئاً یاعزیزي .. فتلك عادة قوْمي في الغناء.

ورمقت "ليو" بنظرةٍ رقيقةٍ لم أرَ مثلها في عيْني امرأةٍ من قبل، ثم أخذت رأسه بين يديْها وقبّلته فوْق جبينه، وقالت:

-       أرجو أن تُفكِّر فيَّ إذا ما ابتعدت عنك .. أو إذا مددت يدك أثناء الليْل ولم تجدني .. لأنني أحبّك حُبّاً قويّاً صادقاً .. ولو أنني لا أستحق أن أكون جاريةً عندك .. دعنا نرتشف الآن من مناهل الحُب الصافية .. فلا يوجد في القبور حبٌّ ولا غرام .. ولا تقبيلٌ ولا عناقٌ بعد الموْت .. إن اليوْم يوْمنا .. فلمَن يكون الغد؟!

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent