خبر
أخبار ملهلبة

كنوز الملك سليمان (5) | قصص عالمية



كنوز الملك سليمان (5) | قصص عالمية



وأخذ الظلام يزداد ويزداد .. وازداد بالتالي هلع الفتيات وخوفهن من هذا الظلام الزاحف .. واستولى عليهن نوع من الجنون، فأخذن يجرين نحو البوابة وهن يصرخن صرخات مرعبة .. وهرب الملك وحراسه .. وهربت "جاجول" ودخلوا جميعاً إلى كوخ الملك طلباً للحماية .. وقلت للرؤساء الذين كانوا يقفون مشدوهين من هول الموقف: والآن أيها الرؤساء .. إذا كنتم قد اقتنعتم بالعلامة السحرية .. فهيّا بنا نذهب جميعاً إلى المكان الذي حددناه واتفقنا عليه بالأمس!

وقبل أن نصل إلى بوابة الخروج، كان القمر قد اختفى كلية، وخل ظلام دامس .. وتلمسنا طريقنا في هذا الظلام، وكل منا يمسك بيد الآخر .. وصحبنا معنا الفتاة الجميلة البريئة ..

وصلنا إلى التل الهلالي الشكل الذي تجمّع عنده كل الجنود التابعين "لإنفادوس" وللرؤساء الستة .. وكان الكسوف قد انتهى وعاد القمر ينشر نوره على ساحة المعركة المرتقبة .. كان الجنود متناثرين في السهل وعلى سفوح التل من الجانبين .. وكانت حرابهم ورماحهم تلمع وتتلألأ في ضوء المقر .. وكانت رياح الليل الرطبة تحرك الريش الذي كان يزين رؤوسهم .. وتساءل "السير هنري" قائلاً: ترى .. مَن مِن هؤلاء الجنود سيظل حياً حتى مثل هذا الوقت من مساء الغد ..؟!

هززت رأسي ولم أحر جواباً .. غداً ستكون المعركة .. وسيسقط الآلاف والآلاف .. وربما سنسقط نحن أيضاً ونموت .. ولكن الشيء المؤكد الذي سيبقى دائماً .. هو أن الشمس ستسطع على هذا المكان في كل نهار .. وستبعث الرياح بالأعشاب وسيقان الشجر .. وستظل هذه الأرض الواسعة كما كانت قبل أن نوجد .. وكما ستكون بعد أن ننتهي وينسانا الزمن..

إن الإنسان يولد ويعيش ويموت ويدفن في الأرض ويتلاشى ويُنسى اسمه .. ولكن الهواء الذي دخل إلى رئتيه وخرج منهما سيظل باقياً، يهب مع النسيم ومع الرياح .. وستظل الكلمات التي نطق بها تدور وتدور كالموجات، يتردد صداها في فضاء لا نهائي تملأه الكواكب والنجوم.

ومع تباشير الفجر ونور الصباح .. بدأ الجنود ينتظمون في المواقع المحددة لهم .. وكانت الخطة هي أن نطبق على جيش "توالا" من الأمام ومن الجهتين اليمنى واليسرى .. تماماً كحركة الكماشة .. وكان "أجنوسي" و "إنفادوس" و "سير هنري" واقفين على رأس جيش "الرماديين".. ووقف "الكابتن جود" على رأس الجيش المتمركز في الجهة اليمنى .. ووقفت أنا على رأس جيش الجهة اليسرى .. وانتظرنا وصول جيش "توالا" الذي خرج من مدينة "لوو" وبدأ يزحف في طابور طويل مثل طوابير النمل.

كانت معركة حاسمة لم تستغرق وقتاً طويلاً .. فقد أطبقنا على جيش "توالا" من الجهات الثلاث .. فتشتت جنوده هاربين وهم يصيحون ويصرخون يجّرون أذيال الخيبة والهزيمة .. واتجه الفارون منهم، ومعهم "توالا" إلى مدينة "لوو" .. وكان من المحتم علينا أن نتتبعهم إلى هناك.

وزحف جيشنا إلى مدينة "لوو" وفي مقدمته "أجنوسي" وعندما وصلنا إلى أول بوابة من بوابات المدينة، رأينا بعض جنودنا وقد سبقونا إلى احتلالها .. ووقف هؤلاء يؤدون التحية الملكية "لأجنوسي" .. وأخبرنا قائد هؤلاء الجنود أن "توالا" قد لجأ إلى كوخه الملكي، وأنه مستعد للتسليم والاعتراف بالهزيمة.

وأعلن "أجنوسي" وعداً ملكياً بأنه سيعفو عن كل من يلقي سلاحه .. وأرسل رسله لإعلان هذا العفو في كافة أرجاء المدينة .. ودخلنا من البوابة الرئيسية .. وتقدمت طوابيرنا المنتصرة وسط طابورين من جنود "توالا" المهزومين .. كانوا منكسي الرؤوس .. وألقوا برماحهم وحرابهم ودروعهم تحت أقدامهم .. وتوجهنا فوراً إلى الكوخ الملكي.

وأمام بوابة الكوخ، جلس شخصان ينتظران مصيرهما المحتوم .. أحدهما كان الملك "توالا" .. وثانيهما الساحرة العجوز "جاجول" .. كان "توالا" يجلس حزيناً منكس الرأس، وقد ألقى درعه وبلطته الحربية على الأرض تحت قدميه .. ولم يكن هناك جندي واحد من حّراسه أو من جلاديه .. بل ولم تكن هناك زوجة واحدة من زوجاته العديدات تشاركه همومه ومصيره التعس .. إنه يتعلم الآن الدرس الذي يعلّمه القَدَرُ للناس .. فعندما يعلو قَدْرُ الإنسان ولو ظلماً، فإن العديد من الناس يحيطون به ويلتفون حوله .. أما عندما يسقط الإنسان فإن الجميع ينفضون من حوله، ويبتعدون عنه تاركين إياه ليواجه مصيره وحده.

قال "توالا" في صوت لا يخلو من الحقد والغضب: تحية لك أيها الملك "أجنوسي" .. إني أطالبك بحقي باعتباري من البيت الملكي .. وهو أن أموت وأنا أحارب .. فأنت تعلم أن تقاليدنا الملكية في "كوكوانا" تمنع الحكم على الملك بعقوبة الإعدام .. وأن أي شخص من البيت المالك له حق اختيار أي شخص يحاربه وينازله في قتال مشهود .. فإذا قَتَل هذا الشخص يحل محله شخص آخر .. وهكذا .. إلى أن يتمكن أحد هؤلاء الأشخاص في النهاية من قبل الأمير أو الملك .. وأنا من حقي أن أختار هذا الرجل الأبيض الذي قبل ابني "سكراجا" .. (وأشار إلى سير هنري).

ولكن "أجنوسي" رفض هذا الاختيار .. وطلب منه أن يختار أي رجل آخر من شعب "كوكوانا" إلا أن "السير هنري" تقدم بشجاعة وقال: إذا كان "توالا" يريد أن يقتلني .. فأنا أريد أن أقتله!

وبدأت مبارزة وحشية استعملت فيها البلط والسكاكين .. أصيب فيها "السير هنري" ببعض الجراح .. ولكنها انتهت بمصرع "توالا"

كان "الكابتن جود" قد أصيب في قدمه أثناء المعركة الحربية إصابة بالغة .. وقد حملناه هو و "سير هنري" إلى داخل الكوخ الملكي الذي كان مخصصاً من قبل للملك "توالا" .. وخلال أيام قليلة اندملت جراح "السير هنري" بينما ازدادت وطأة المرض على "الكابتن جود" .. بالرغم من العناية الفائقة التي بذلتها الفتاة الجميلة "فولاتا" في تمريضه .. وفي كل يوم يمر كانت حالة الكابتن تزداد سوءاً حتى أصبحنا نعتقد أنه سيموت خلال ساعات قليلة .. ولكن "فولاتا" وحدها كانت متفائلة .. وتقول دائماً وبإصرار وثقة: سيشفى .. وسيعيش ..!

وبالفعل بدأت صحته تتحسن ببطء إلى أن تم الشفاء، وكانت فرحة "فولاتا" بشفائه عارمة لا توصف.

وبعد ذلك قام "أجنوسي" بزيارتنا .. وكان قد علَّق على جبهته الماسة الملكية الضخمة التي كانت تزين من قبل جبهة "توالا" .. وقد استقبلناه استقبال الملوك .. ولكنه قال لنا بصدق: نعم .. لقد أصبحت ملكاً .. ولكن ذلك كان بفضل عونكم ومساعدتكم أيها الرجال الشجعان البواسل .. وأنا أعرف أنكم تريدون الذهاب إلى حيث يوجد كنز الأحجار الثمينة .. ولذلك فقد أبقيت الساحرة "جاجول" حية ولم أقتلها، لأنها وحدها التي تعرف سر الوصول إلى الكنز .. وقد عرفت من بعض الأهالي كبار السن أن هناك في الجبل قاعة تسمى "قاعة الموتى" وفيها غرفة سرية تحتوي على هذا الكنز من الأحجار الثمينة .. وقد سمعت قصة تقول أنه منذ سنين وسنين .. استطاع رجل أبيض أن يعبر الصحراء ويجتاز الجبال .. وأرشدته إحدى الساحرات وكان اسمها "جاجول" إلى تلك الغرفة السرية .. ورأى الرجل الأبيض جميع الكنوز والثروات المخبوءة في تلك الغرفة .. وقد اعترفت لي الساحرة العجوز "جاجول" بأنها تعرف سر ذلك الرجل الأبيض، حين اضطر إلى الفرار من تلك الغرفة لينجو بحياته .. وأنا أعتقد أن هذا الرجل الأبيض هو نفسه الذي شاهدنا جثته مجمدة في الكهف البارد حين كنا في طريقنا إلى هذه البلاد .. ولذلك فسوف أرسل معكم الساحرة "جاجول" لترشدكم إلى تلك الغرفة السرية .. وأرجو أن تأخذوا حذركم منها بصفة دائمة .. فهي امرأة شريرة كما تعرفون .. وسوف أرسل معكم أيضاً عمي "إنفادوس" ليكون في حراستكم ..

وفي صباح اليوم التالي بدأنا رحلتنا الغامضة .. وكانت مجموعتنا تتكون منا نحن الثلاثة .. والفتاة "فولاتا" .. و "إنفادوس" .. و "جاجول" التي كانت محمولة في هودج يحمله بعض الخدم .. وتحت غطاء هذا الهودج كنا نسمع صوتها الحاد الكريه وهي تتمتم ببعض الشتائم.

وسار موكبنا في طريق سليمان حتى وصلنا إلى سفح الجبل الأوسط .. وبدأنا نتسلق بصعوبة على سطح الجبل المائل الذي كان مليئاً بأعشاب وشجيرات كثيفة .. ووصلنا إلى حائط صخري مرتفع .. وهناك نزلت "جاجول" من هودجها وتقدمتنا وهي تتعكز على عصا في يدها، وتمسك في يدها الأخرى مصباحاً صغيراً .. وكانت توجه لنا بين حين وآخر نظرات حادة ملؤها الحقد والشر .. وبخطى وئيدة وصلت إلى باب ضيق وقالت لنا: أدخلوا ورائي .. هل ستحضر معنا يا "إنفادوس"؟ .. فأجاب بأنه لن يدخل، وإنما سيبقى في هذا المكان في انتظار عودتنا، وحذرها من ألاعيبها الشريرة وإلا سيكون مصيرها القتل فوراً.

وأراد "كابتن جود" أن يجنب الفتاة "فولانا" متاعب ومخاوف المغامرة فطلب منها أن تبقى .. ولكنها حملت السلة التي نحتفظ فيها ببعض الطعام والماء وقالت له برقة: يا سيدي .. سأحمل هذه السلة وأذهب معك إلى حيث تذهب.

ودخلت "جاجول" من الباب الضيق، ودخلنا خلفها .. سارت بنا في ممرات ضيقة تبدو محفورة في بطن الجبل .. ثم دخلت بنا إلى قاعة واسعة عالية السقف يتسلل إليها خيط من ضوء الشمس ينفذ من ثقب صغير في أعلاها .. وبواسطة هذا الشعاع الضئيل من الضوء الخافت، شاهدنا في جوانب تلك القاعة ما يشبه الأعمدة والأبراج العملاقة، وكانت كلها تبدو كما لو كانت مصنوعة من الثلج .. ولكنها في حقيقة الأمر عبارة عن تكوينات طبيعية نتجت من تساقط قطرات المياه من أعلى السقف .. وكل قطرة منها كانت تحتوي على أملاح معينة تتحول بمرور الزمن إلى مادة شفافة تشبه الثلج .. وبمرور مئات وآلاف السنين تكونت هذه الأشكال التي تشبه الأعمدة والأبراج الضخمة .. وهي أشكال في غاية الجمال والروعة.

ثم سرنا عبر ممرات ضيقة ومظلمة .. إلى أن وصلنا إلى مدخل قاعة واسعة أخرى .. ولكنها كانت مرعبة ومخيفة .. ولا أنكر هنا أن ما شاهدته في تلك القاعة قد خلع قلبي رعباً .. ورأيت "السير هنري" وقد أخرج منديله ليجفف حبات العرق الباردة التي تدفقت فجأة من جبهته .. ورأيت "الكابتن جود" وهو يتمتم بشتائمه ولعناته .. أما "فولاتا" فقد تعلقت برقبة الكابتن وأخذت تبكي من شدة خوفها .. "جاجول" وحدها هي التي أخذت تضحك ضحكات هستيرية كما لو كان قد أصابها مس من جنون مفاجئ.

كانت هناك مائدة حجرية ضخمة .. وعلى رأسها كان يجلس "الموت" نفسه! .. كان هناك هيكل بشع على شكل الهيكل العظمي للإنسان، يزيد ارتفاعه على خمسة أمتار، ويمسك بعظام أصابع يده اليمنى رمحاً طويلاً ضخماً أبيض اللون .. وكانت طريقة إمساكه بهذا الرمح، تجعله يبدو وكأنه يصوبه نحو صدر كل من يدخل الغرفة!

وحول جانبي المائدة الحجرية، رأينا مجموعة من الهياكل البيضاء الجالسة في سكون الموت .. وكانت تلك الهياكل عبارة عن جثث الملوك القدامى .. ورأينا من بينها جثة الملك "توالا" تجلس عارية تماماً .. وكانت تلك هي الطريقة التي ابتدعها قدماء أهالي "كوكوانا" لحفظ جثث الملوك الذين اعتلوا عرش بلادهم!

**************

وقفت الساحرة العجوز "جاجول" أمام تمثال الموت، وأخذت تهذي بكلمات غامضة .. ثم التفتت إلينا وقالت: ما دمتم لم تخافوا من قاعة الموتى، فسوف أقودكم إلى غرفة الكنوز .. ستدخلون إليها من هنا .. ونظرنا إلى حيث أشارت فلم نجد سوى حائط صخري أملس .. وفجأة .. رأينا صخرة ضخمة من صخور هذا الحائط وهي ترتفع وحدها إلى أعلى .. وظلت ترتفع ببطء عجيب حتى اختفت تماماً داخل الصخرة الضخمة التي كانت فوقها .. ورأينا في مكان الصخرة المختفية ثقباً كبيراً وراءه ظلام حالك ..

ها هو إذن المدخل إلى كنوز الملك سليمان .. ووقفنا أمام هذا المدخل مشدوهين ومنفعلين غاية الانفعال، لدرجة أني أحسست وكأن أطرافي ترتعش بشدة .. ماذا يا ترى سنجد بداخل تلك الغرفة؟ .. ربما تكون خالية وتنتهي كل تلك المغامرات والجهود التي عانيناها إلى لا شيء .. وربما يكون "جوزيه دي سيلفستر" على حق في كل ما قاله في وثيقته المكتوبة بدمه .. إذا كان الأمر كذلك، فسوف نحصل على ثروات طائلة تجعلنا أغنى أغنياء العالم .. دقيقة واحدة وسيتضح كل شيء.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent