خبر
أخبار ملهلبة

الخيميائي | باولو كويلو | الجزء الثاني



الجزء الثاني

 

 

انصرف الراعي وهو يشعُر بالإحباط عازماً على ألّا يصدِّق الأحلام بعد ذلك أبـداً، وتذكَّر أن عليه أن يفعل كثيراً من الأشياء: الذهاب ليبحث عمّا يأكله واستبدال كتابه بكتابٍ آخر أكبر حجماً والجلوس على دِكّةٍ خشبيّةٍ في ساحة الميْدان لكي يتذوَّق بحـريّتـه النبيذ الجديد الذي اشـتـراه.

كـان يـوْمـاً حـاراً والنبيذ - فقط – هو القادر - بأعجوبةٍ لا تفسير لها شأن كثيرٍ من الأعاجيب الموجودة في الحياة - أن يُذهِب عنه الحر قليلاً، وكانت ماشيته في مدخل المدينة في حظيرة صديقٍ تعرَّف عليه أخيـراً، كان قد حظى بمعرفة كثيرين في هذه النواحي وهذا هو سبب حبه للترحال حيث ينجح الإنسان دائماً في عقد صداقاتٍ جديدة دون أن يتحتَّم عليه البقاء مع هؤلاء الأصدقاء على مر الأيام، فعندما يرى المرء نفس الأشخاص مراراً وتكراراً - كما كانت الحال في المدرسة الدينيّة - فإنه يعتبرهم جزءاً من حياته وحينها يبدأون بالتدخُّل في شؤونه مُحاوِلين تغيير حياته نفسها، فإذا لم يُصبِح المرء على نحو ما يشتهون أن يرونه فإنهم يستاءون منه، لأن الناس جميعهاً يعتقدون أنهم يعرفون بالضبط كيف ينبغي لنا أن نعيش بل يظنّون أنهم يعرفون صالحنا أكثر من أنفسنا، بالرغم من أن أحـداً منهم لا يعرف قط كيف ينبغي له أن يعيـش هـو حـيـاته شخصيّاً، مثلهم في ذلك مـثـل مرأةٍ حالمة تجهل تـفـسيـر ما تراه من أحـلام.

قرَّر أن ينتظر حتى تميل الشمس قليلاً قبل أن يرجع إلى الريف مع غنمه، ثم بعد ثلاثة أيّامٍ سيرى ابنة التاجر من جديد، وبدأ يقرأ ذلك الكتاب الضخم الذي حصل عليه من كاهن "تاریفا"، وبدأ يُباشِر الصفحة الأولى منه التي تحكي عن جنازةٍ لدفن ميّت، ولاحظ أن أسماء شخصيّات الكتاب كانت مُعقَّدةً جِدّاً، وقرر أنه إذا ما قُدِّر له أن يؤلِّف كتاباً فسيُقدِّم الشخصيّات واحدةً بعد الأخرى لكي يُجنِّب القُرّاء حِفظ أسمائها دفعةً واحدة.

وعنـدما بدأ يُركِّز قليلاً في قراءته - وكانت مسـليّـةً حـقّـاً لأن مشهد الدفن بالرواية كان يجــري أثناء هطول الثلج ممّا أعطاه إحـسـاسـاً بالانتعاش وهو في قيظ الشمس الملتهبة - جاء عجـوزٌ جلس إلى جواره وشرع في الحديث معه.

سأله العجوز مُشيراً إلى المارّة في الميدان:

-       ماذا يفعل هؤلاء الناس؟

أجاب الراعي "سنتياجو" بجفاءٍ ولا مبالاة:

-       إنهم يعملون.

واكتفى بهذا الرد المُقتضَب وأخذ يتظاهر بأنه مستغرقٌ في القراءة، أمّا في الحقيقة فقد كان يحلُم بأنه سيجز صوف شیاهه بعد ثلاثة أيّامٍ أمام ابنة التاجر، وسيتاح لها أن ترى أيضاً أنه يستطيع أن يفعل أشياءً تُثير الإعجاب، وقد كان يتخيَّل هذا المشهد عشرات المرّات ودائماً ما كان يرى الفتاة - في خياله – وهي مبهورةٌ به عندما يشرح لها أنه ينبغي جَز صوف الغنم من المُؤخِّرة إلى المُقدِّمة، كما حاول أيضاً أن يسترجع بعض القِصص الجيّدة لكي يحكيها لها وهو يجز الصوف، كانت معظمها قِصصاً قرأها في الكُتُب ولكنه سيقُصَّها كما لو كان قد عاشها بنفسه، فهي بالتأكيد لن تعرف الفرق قط مادامت لا تعرف قراءة الكتب، ولكن العجوز كان لحوحاً، قال إنه جائعٌ وظمآنٌ وطلب جرعةً من النبيذ، قدَّم له الفتى زُجاجته عسى أن يتركه وشأنه، ولكن العجوز كان مُصمِّماً على أن يُثرثِر، فسأل الراعي عن الكتاب الذي يقرؤه، وفكَّر الراعي أن يتصرَّف بفظاظةٍ وأن يُغيِّر مقعده، غير أن أباه كان قد علَّمه أن يحـتـرم كبار السن، ومن ثَمَّ فقد قدَّم الكتاب للعـجـوز لسببيْن: أولهما أنه كان من المُتعذَّر عليه تماماً أن ينطق العنوان وثانيهما أنه إذا كان العـجـوز يجهل القراءة فسيكون عليه هو أن يُغيِّر المقعد لكي يتجنَّب الشعور بالمهانة.

تفحَّص العجوز الكتاب من جميع جوانبه كما لو كان أُعجوبةً وهو يقول:

-       هه .. هذا كتابٌ مُهِمٌّ ولكنه مُمِلٌّ للغاية.

أصابت الشاب دهشةٌ حقيقيّة، إذن فهذا العجوز يعرف القراءة هو أيضاً وقد سبقت له قراءة هذا الكتاب، وإذا ما كان بالفعل كتاباً مُمِلّاً كما يقول فمازال هناك وقتٌ لأن يستبدل به كتاباً آخر، وواصل العجوز حديثه:

-       هو كتابٌ يتكلَّم عن الأشياء نفسها التي تكاد تتكلَّم عنها كل الكُتُب الأُخرى .. أي عن عجـز البشر أن يختاروا مصائرهم بأنفسهم .. وفي النهاية يحاول أن يُقنِعك بأكبر كِذبةٍ في العالم.

سأله الشاب مدهوشاً:

-       وما هي إذن أكبر كِذبةٍ في العالَم؟

-       هي أننا في لحظةٍ مُعيَّنةٍ من عمرنا نفقد السيطرة على حياتنا ومن ثَمَّ يتحكَّم فيها القَدَر .. تلك هي أكبر كِذبةٍ في العالَم.

-       بالنسبة لي لم تجرِ الأمور هكذا .. أُريد لي أن أكون قِسّاً .. ولكنني قرَّرتُ بنفسي أن أُصبِح راعياً.

-       هذا أفضل .. لأنك تُحِب الترحال.

قال "سانتياجو" لنفسه:

-       لقد قرأ الرجل أفكارى.

وفي أثناء ذلك راح العجوز يتصفَّح الكِتاب الضخم دون أن تبدر منه أي نيّةٍ على إعادته، ولاحظ الراعي أن الرجل يرتدي ثياباً عجيبة، كانت تبدو عليه هيْئة العربي، ولم يكن ذلك أمراً غريباً في المنطقة لأن "تاريفا" على مبعدة بِضع ساعاتٍ من "أفريقيا"، ولم يكن على المرء إلّا أن يعبر المضيق في مركبٍ صغيرة، وكثيراً جداً ما ظهر في المدينة أشخاصٌ من العرب جاءوا لشراء حاجياتهم ورآهـم وهم يُصلّون بطريقةٍ خاصّةٍ جدّاً عِدّة مرّاتٍ في اليوْم.

سأل "سنتياجو" العجوز:

-       من أين أنت؟

-       من أماكن كثيرة.

-       لا يُمكِن لإنسانٍ أن يكون من أماكن كثيرة .. أنا راعٍ ويُمكِنني أن أكون في أماكن كثيرة .. ولكني أُنتمي إلى مكانٍ واحد .. من بلدةٍ قريبةٍ مُجاوِرةٍ لقصرٍ قديمٍ جِدّاً .. فهناك وُلِدت.

-       إذن فلنقل إني وُلِدتُ في "سالم".  

ولم يكن الراعي يعرف أين توجـد "سـالم" هذه، ولكنه لم يُرِد أن يطرح أسئلةً لكي لا يفضحه جهله، فظل يرقُب الميْدان هُنيْهةً والناس يروحون ويجيئون ويبدو عليهم أنهم مشغولون تماماً، وأخيراً وجَّه سؤاله بحثاً عن أي علامةٍ دالّة:

-       وكيف الحال في "سالم"؟

-       كما هو .. مثلما كان دائماً وأبداً.

ولم تكُن في الإجابة أي إشارةٍ على مكان "سالم"، ولكنه بات يعرف على الأقل أن "سالم" ليست في "الأندلس" وإلّا لكان سمع بها، فاستطرد "سنتياجو":

-       وماذا تفعل أنت في "سالم"؟

ولأوَّل مرّةٍ أطلق العجوز ضحكةً مُجلجِلةً وهو يقول:

-       ما الذي أفعله في "سالم"؟!! .. إنني ملك "سالم" .. يا له من سؤال!!

كثيراً ما يتفوَّه الناس بأقوالٍ بلهاء، ولعلّه من الأفضل أحياناً أن يعيش المرء مع الشياه الخرساء وأن يقنع بالبحث عن الغذاء والماء، أو يحيا مع الكتب التي تحكي قِصصاً خُرافيّةً عندما يرغب المرء في الاستماع إليها، أمّا عندما يتكلَّم مع الناس فهم يقولون أحياناً ما لا تستطيع أن ترد عليه فتعجز عن الحوار معهم.

قال العجوز:

-       اسمي "ملكي صادق" .. كم لديك من الغنم؟

-       ما يكفي.

وبدا أن العجوز يود أن يعرف عن حياة الراعي أكثر ممّا ينبغي، فاستكمل حديثه:  

-       إذن فلدينا مُشكِلة .. فأنا لا أستطيع أن أساعدك ما دُمتَ تعتقد أن لديك ما يكفي من الغنم.

بدأ الفتى يشعر بنوْعٍ من الحنق فهو لم يطلب أي مُساعَدة، بل إن العجوز هو الذي طلب منه نبيذاً وهو الذي أراد أن يُثرثِر وأبدى اهتماما بكتابه، فقال "سنتياجو":

-       أعطِني هذا الكتاب .. يجب أن أذهب لآخُذ غنمي وأواصل طريقي.

-       أعطِني واحداً من كل عشرةٍ وسأُعلِّمك ما ينبغي أن تفعله لكي تصل إلى الكنز المخبوء.

عندها تذكَّر الشاب حُلمه، وفجأةً اتضح له كل شيء فالمرأة العجوز لم تأخذ منه أجراً ولكن هذا الشيْخ - ولعلَّه يكون زوْجها - سينجح في أن يبتز منه أجراً أكبر بكثير في مُقابِل معلوماتٍ كاذبة، لا بُد أن يكون غجريّاً هو أيضاً.

ولكن قبل أن ينطق بحرفٍ واحدٍ انحنى الشيْخ والتقط غُصناً جافّاً وبدأ يكتب على الرَمل الذي يكسو أرض الميْدان، وفي اللحظة التي انحنى فيها لمع شيءٌ على صدره ببريقٍ كاد يعشي عيْنيْ الشاب، غير أن الشيْخ بادر بحركةٍ فائقة السُرعة بالنسبة لسِنّه إلى إحكام معطفه حوْل جسمه، حينها تلاشی انبهار عيْنيْ الشاب واستطاع أن يرى بوضوحٍ تام ما كان يكتبه الشيخ.

قرأ على رمل الميْدان الرئيس لتلك المدينة الصغيرة اسم والده ووالدته وقرأ قِصّة حياته حتى تلك اللحظة بما في ذلك ألعاب طفولته والليالي الباردة في المدرسة الدينيّة، قرأ أشياءً لم يقُصَّها على إنسانٍ قط، مثل تلك المرّة التي اختلس فيها سلاح والده لكي يصطاد بمفرده، ومثل تجربته الجنسيّة الأولى مع نفسه.

قال الشيْخ:

-       أنا ملك "سالم".

فسأله الشاب وهو في ضيقٍ وحيرةٍ كبيرتيْن:

-       ولماذا يتحدَّث ملكٌ إلى راعٍ؟

-       هناك عِدّة أسبابٍ لذلك .. ولكن فلنقل أهمـهـا .. وهو أنك تمكَّنتَ من أن تُحقِّق أسطورتك الشخصيّة.....  

ولم يكن الشاب يعرف ما هي تلك "الأسطورة الشخصيّة"، ولكن الشيْخ استطرد موضِّحاً:   

-       هي ما تمنيْتَ دائماً أن تفعله .. كلٌّ مِنّا يعرف في مستهل شبابه ما هي أسطورته الشخصيّة .. ففي تلك المرحلة من العُمر يكون كل شيءٍ واضحاً وكل شيءٍ مُمكنِاً .. ولا يخشى الإنسان من أن يحلُم بأن يسعى وراء كل ما يشتهي أن يفعله في الحياة .. ولكن مع مرور الوقت تبدأ قوّةٌ غامِضةٌ في محاولة إثبات استحالة تحقيق اسطورته الشخصيّة.

لم يجد الراعي فيما قاله الشيْخ معنىً مُهمّاً، ولكنه أراد أن يعرف ما هي تلك "القوى الغامضة" التي افترضها الشيْخ فربما تنبهر بها ابنة التاجر عندما يُحدِّثها في ذلك، واسترسل العجوز مرّةً أُخرى:

-       هي قـوى تبـدو سيّئةً .. ولكنها في الواقع تُعلِّمك كـيـف تُحـقِّق أسطورتك الشخصيّة .. فهي التي تشـحـذ روحك وإرادتك .. لأن هناك حقيقةً كُبرى في هذا العالم تقول: "أيّاً كُنتَ ومهما كان ما تفعله فإنك عندما ترغب في شيءٍ بشِدّةٍ وإخلاص فإن تلك الرغبة تولد من روح الكون" .. تلك هي رسالتك على الأرض.

-       حتى ولوْ كان الإنسان يرغب فقط في التَرحـال أو في أن يتزوَّج من ابنة تاجر نسيج؟

-       أو في أن يبحث عن كَنز .. إن روح الكون تتغذّى من سعادة البشر .. أو تتغذّى من تعاستهم .. أو أحياناً من الحسد والغيرة .. والالتزام الوحيد للإنسان هو أن يُحقِّق أسطورته الشخصيّة الخاصّة .. كل الأشياء هي شيءٌ واحـد .. وعندما ترغب في شيءٍ ما فإن الكوْن كُلّه يُطاوِعك على تحقيق رغبتك.

لزما الصمت وراحـا يُراقِبان الميْدان والمارّة، وبعد هُنيْهةٍ قطع الشيْخ الصمت فكان أوَّل مَن تكلَّم:

-       لماذا تحتفظ بغنمك؟

-       لأني أُحب التَرحال.

فأشار الشيْخ "ملكي" بيده إلى بائعٍ للذُرة المُحمَّرة (الفيشار) يقف في ركنٍ من الميْدان أمام عربة يده الحمراء وقال:

-       هذا الرجل أيضاً أراد دائماً أن يجوب العالَم عندما كان طفلاً .. ولكنه فضَّل أن يشترى عربة يدٍ صغيرةٍ ليبيع الفيشار ويجمع الأموال على مدار الأعوام حتى إذا أمسى عجوزاً يجد ما يكفي لأن يقضي شهراً في "أفريقيا" .. إنه لم يفهم قط أن هناك الفرصة دوْماً لأن يفعل الإنسان ما يحلُم به.

فكَّر الفتى بصوْتٍ عالٍ:

-       كان بوسعه أن يختار مهنة الرعي.

-       كثيراً ما فكَّر في بالطبع .. ولكن باعـة الفـيشـار شخصيّاتٌ أرقى من الرُعاة .. باعة الفيشـار يملكون سقفاً فوْق رؤوسهم أمّا الرُعاة فينامون في العَـراء .. والنـاس يُفضِّلون تزويج بناتهـم لبـاعـة الفـيـشـار على تزويجـهن للرُعاة.

شعر الشاب بانقباضٍ في قلبه حين تذكَّر ابنة التاجر في تلك اللحظة، فمن المُؤكَّد أن هناك بائعاً للفيشار في المدينة التي تعيش فيها الفتاة، وقطع تفكيره مواصلة الشيْخ لحديثه:  

-       وفي النهاية فإن رأي الناس في باعة الفـيـشـار وفي الرُعاة يصبح بالنسبة لهم أهم من تحقيق أسطورتهم الشخصيّة.

وتحوَّل الشيْخ للكتاب ففتحه وأخذ يتسلّى بقراءة إحدى صفحاته، فانتظر الشاب لحظةً ثم قاطعه بالطريقة نفسها التي قاطعه بها فقال:

-       لماذا تقول لي هذه الأشياء؟

-       لأنـك تحـاول أن تعيش أسطورتك الشخصيّة .. ولأنك توشِك أن تتخلّى عنها.

-       وهل لم تجد أمامك غير هذه اللحظة وتظهر لي فيها؟

-       لستُ بهذا الشكل تماماً ولكني لا أتخلَّف أبداً عن الظهور في شكل فكرةٍ جيّدةٍ لأحل المشاكل .. وأحياناً ما أظهر في اللحظة المُناسِبة لأجعل الحل أكثر سهولة .. ولكن غالبيّة الناس لا يُلاحِظون ذلك.

وحكى الشيْخ "ملكي صادق" للراعي "سنتياجو" ما جرى في الأسبوع الفائِت عندما ظهر على شكل حجرٍ لأحـد المُنقِّبين عن الأحجار الكريمة، فقد كان الرجل قد هجر كل شيءٍ ليبحث عن الزُمُرُّد، وظل يعمل خمس سنواتٍ بأكملها على ضفاف أحـد الأنهار، حيث كسر تسعمائة وتسعة وتسعين ألفاً وتسعمائة وتسعة وتسعين (999,999) حَـجَـراً مُـحـاوِلاً البحث عن زُمُرُّدةٍ واحدةٍ دون جدوى، عندئذٍ فكَّر في أن يتخلّى عن حُلمه ويتوقَّف عن العمل ولم يكن ينقُصه سوى حَجَرٍ واحدٍ فقط ليُكمِل المليون أو ليعثر على زُمُرُّدته، وبما أنه كـان رجـلاً مُخلِصاً بشِدّةٍ لأسطورته الشخصيّة فقد قرَّر الشيْخ أن يتدخَّل عند تلك اللحظة الحاسِمة، فحوَّل نفسه إلى حَجَرٍ تدحرج حتى وصل عند قدمي ذلك المُنقِّب، لكن المُنقِّب تملَّكه الغيْظ وامتلأ بمشاعر الإحباط بسبب ضياع خمس سنين راحت سُدى فاجتاحته عاصفةٌ من الغضب وتناول الحَجَر وقذف به بعيداً بعنفٍ شديد، فاصطدم الحَجَر بصخرةٍ وتحطَّم عليها فانفلق وتفتَّت فانكشف قلبه عن أجمل زُمُرُّدةٍ في العالم.

قال الشيْخ وفي عيْنيْه نوْعٌ من الأسى والمرارة:

-       إن الناس يُدرِكون في سِنٍّ مُبكِّرةٍ جداً مُبرِّر وجـودهـم في الحياة .. وربما كان هذا بالذات هو السبب في أنهم يتخلّون عن أسطورتهم الشخصيّة مُبكِّراً أيضاً .. ولكن هذا هو حال الدُنيا.

عندئذٍ تذكَّر الشاب أيضاً أن نقطة البِداية في هذا الحوار كانت هي الكنز المخبوء، وقال الشيْخ دون أن ينتظر تعليقاً من الشاب:

-       إن مـا يكشف عن الكنوز هو السيول الجارِفة .. وهي نفس السيول التي تُخفيها أيضاً .. فإذا أردتَ أن تعرف المزيد عن كَنزك فلابد أن تهِبني عُشر قطيعك من الخراف.

فأجابه "سنتياجو" بسؤال:

-       ألا ينفع أن أُعطيك عُشر الكَنز؟

بدا الإحباط في وجه الشيْخ وهو يقول:

-       لو وعدتَ بما لا تملكه بعد فستفقِد الرغبة في الحصول عليه.

فأخبره الراعي بأنه قد وعد الغجريّة بعُشر الكَنز، فتنهَّد الشيْخ وعقَّب:

-       الغجر ماكرون .. وعلى كل حال فمن المُهِم أن تتعلَّم أن لكل شيءٍ في الحياة ثمناً .. وذلك هو ما يحاول فُرسان النور أن يُعلِّموه للناس.

ثم أعاد الشيْخ الكتاب إلى الشاب وقال:

-       غداً في مثل هذه الساعة تأتيني بعُشر قطيعك وسأدلّك كيف تنجح في العثور على الكَنز المخبوء .. هيا .. عِمْتَ مساءً.

قالها ثم أختفى عبر واحدةٍ من زوايا ساحة الميْدان.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent