خبر
أخبار ملهلبة

هي (أو "عائشة") | هنري رايدر هاجارد | (26) خطّة "عائشة"


هولي يتحدث مع جوب الذي يشعر بقرب دنو أجله

 

(26) خطّة "عائشة"

 

 

ما كدتُ أُفضي إلى "جوب" بمصرع "أوستين" في صباح اليوْم التالي وما كان من سيْطرة "عائشة" على "ليو" والمشهد المُروِّع الذي رأيناه في القبر حتى اضطربت أوْصاله وغاض الدم في وجنتيْه، ثم قال:

-       إن هذه البلاد موْطن الشياطين يا سيّدي .. وهذه المرأة هي زعيمتهم بلا منازع .. ولا أظنّها ستسمح لشابٍّ جمیلٍ کسیّدي "لیو" بالإفلات من قبضتها.

فقلت:

-       هذا جائز .. ولكنها أنقذت حياته على كل حال.

فأطرق "جوب" قليلاً وقال:

-       لقد رأيْتُ أبي في المنام .. وخاطبني بلهجةٍ تنطوي على الرزانة التي تشف عن الرِضى .. وقال لي: "لقد حان الوقت يا جوب، لم أتوقَّع أن آتي وأبحث عنك في مثل هذا المكان الموحِش بين خرائب خور ومغاورها".

فقلتُ ضاحكاً:

-       هي مُجرَّد أقوالٍ یا "جوب".

-       نعم يا سيّدي .. ومع ذلك فإنني أشعر بأن نهایتي قد قَرُبَت.

-       لا أظنّك تعني ذلك حقّاً .. لأنك رأيْتَ أباك في الحُـلُم .. إذ لو كان يؤَوَّل كل حُلُمٍ يُرى فيه الأب بمعنى الموْت فماذا يصيب المرء إذا رأى حماته یا "جوب"؟!

-       لا ريْب أنك تسخر مني يا سيّدي .. إنك لا تعرف أبی .. فلو كان شخصاً آخر الذي رأيْتُ لمَا اهتممت كثيراً .. إن والدي لم يأتِ إلى هُنـا لمجرَّد التفرُّج على المكان .. لا يا سيّدي .. إنه جاء لمهمَّةٍ أخطر .. وصحيح أن الموْت نهاية كل حي ولكن من المؤلم أن يمـوت الإنسان في مغارةٍ كهذه.

-       صه أيّها الأحمق .. هذه مُجرَّد أحلام جوْفاء.

ولكنه أصر على رأيه وتشـبَّت به حتی أغضبني، فصحتُ به:

-       ألا كُف عن هذه الثرثرة .. واغرب عن وجهي .. اذهب وأعِد الطعام.

فانصرف وهو مضطرب الفِكْر شارد اللُب، وبعد هُنيْهـةٍ عاد "جوب" بالطعام، وكان معه "ليو" فشعرتُ بشيءٍ من الاطمئنان عند رؤيتهما، وذهبتْ عني وَساوِسي.

وإذ فرغنا من تناول غدائنا أقبل "بلالٌ" وأنبـأنا أن "هي" تريد مقابلتنا في التو.

واستقبلتنا "عائشةٌ" في مقصورتها، ورفعت القنـاع عن وجهها، ثم أمرت "ليو" أن يعانقها، فانصاع للأمر وعانقها بشِدّةٍ وشغفٍ أكثر ممّا تسمح به قواعد اللياقة والمجاملة، ووضعت "عائشةٌ" يدها البيْضاء على رأس "ليو"، ورنت إليه بنظرةٍ تفيض حُبّاً وهياماً، ثم قالت:

-       أتدري یا "کالیكراتس" متى يكون كلٌ مِنّا للآخر؟ .. لن يكون ذلك قبل أن تُصبِح مثلي صلباً قاسياً لا تُؤثِّر فيك صروف الدهر وبلاياه .. وسـوف لا تكون كُفئاً لي حتى تتغيَّر .. لأن كليْنا يختلف الآن عن صاحبه .. فغداً سنغادر هذا المكان قبل غروب الشمس بساعة .. وسنقف في الليْلة المُقبِلة - إذا لم أضل الطريق - في مكان الحياة .. حيث تدخل أنت النار وتخرج ذا بهاءٍ لم يُخلَع على رجـلٍ قبلك .. وإذ ذاك يمكنك يا "كاليكراتس" أن تدعوني زوْجةً وأن أدعوك زوْجاً.

فتمتم "ليو" ببضع كلماتٍ رداً على هذه الأقوال الغريبة، فضحكت "عائشـةٌ" لما تولّاه من حـيرةٍ وارتباك، واستطردت:

-       وأنت يا "هولي" سأمنحك هذه النعمة جزاءً لك لأنك أدخلت السرور على قلبي.

فأجبتُ بلهجةٍ تنطوي على الاحترام:

-       شُكراً لك يا "عائشة" .. ولكن إذا كان هناك مكانٌ كالذي تتحدَّثين عنه وإذا كانت في هذا المكان الغريب قوةٌ تسيْطر على الموْت وتُبعِـده عنّا فاعلمي أنني لا أسعى إلى هذه الغاية .. فإن الحياة عِبءٌ ثقيلٌ باهظ الثمن .. ونحن لا نستطيع احتمال تكاليفها المُرهِقة إبّان أعمارنا المحدودة .. فما بالكِ حين تصبح تلك الأعمار أجيالاً طويلة؟!! .. نعم .. ما أشق الموْت على النفوس .. لأن أجسامنا الرقيقة تجفل من مُجرَّد التفكير في الدود الذي سينهشها .. وفي المجهول الذي أُسدِل بيننا وبينه الحجاب .. ولكن أشق من ذلك أن يعيش الإنسان إلى الأبد تبدو على وجهه سيماء السعادة بيْنما ينهش قلبه دود الذكرى مدى الحياة.

فقالت:

-       هذا جائز .. ولكن ألا ترى أن الحيـاة الطويلة والجاه العريض والجمال المُفرِط يُكسِب الإنسان القوَّة ويهبه كل شيءٍ عزيز؟

-       وما هي الأشياء التي يعزّها الإنسان؟ .. أليست فقاقيع جوْفاء ومظـاهر كاذبةً خلّابة؟ .. أليس الطمع سُلَّماً لا نهاية له .. كلّما ارتقى المرء إحدى درجاته شَخَصَ بعيْنيْه إلى ما بعدها؟ .. ليس في سُلَّم الطمع مكانٌ للاطمئنان .. ألم تعجز الثروة في كثيرٍ من الأحيان عن جلب الراحة إلى الفكر والطمأنينة إلى القلب؟ .. لا يا "عائشة" .. إني أُفضِّل أن أعيش يومي مع أبناء جيلي إلى أن ينتهي أجلي فأموت الميْتة التي قُدِّرت لي أو ينساني العالم .. فإننى أرجو أن أحيا حياةً أُخرى أبديّةً وعدني بها ديني .. حياةً خاليةً من القيود التي لا بُد أنها تُكبـِّل نفسي هنا.

فضحكت "هي" وقالت:

-       إنك سامي الفكر بليغ العبارة يا "هول" .. بيْد أن في استطاعتي أن أُقنِعك بخطأ رأيك ووجاهة نظريّني .. ولكن ما الفائدة؟ .. دَعْ الغَر في لهوه حتى يحين وقت الندم .. نعم يا "هولي" .. سوف تأسف على رفض هذه الفرصة الذهبيّة التي أعرضها عليك عندما تدب فيك أعراض الشيْخوخة مُنذِرةً بقُرب الفَناء.

فلم أُحِر جواباً، إذ لم يكن في إمكاني أن أُكاشِفها - أمام "ليو" - بأنني أيْقنتُ مذ وقع نظري على وجهها بأن صورتها ستظل أبداً ماثلةً أمام عيْني، وأننى لذلك لا أُريد أن تطول حیاتي.

وأخيراً أدارت "عائشةٌ" دَفّة الحديث إلى ناحيةٍ أخرى عندما قالت:

-       هل لك أن تُحدِّثني یا "کاليکراتس" كيف أتيْتَ إلى هُنا لتبحثَ عني؟ة.. سمعتُك أمس تقول أن "كاليكراتس" الذي رأيتَ جُثَّته كان جدّك .. فكيف ذلك؟

فشرع "ليو" يُفضي" إليها بمضمون الوثائق التي عثرنا عليهـا في الصندوق الذي ورثه عن أبيه،  وقطعة الخزف التي نُقِشَتْ فوقها قِصّة جدّته "أمنارتس" المصريّة، وأصغت "عائشةٌ" إلى القصّة بانتباهٍ شديد، فلمّا فرغ "ليو" من سرد ما عنده تحوَّلت "هي" إليَّ وقالت:

-       ألم أقُل لك يا "هولي" أن الخيْر قد يتولَّد من الشر والعكس بالعكس؟ .. ها قد صدق قوْلي سريعاً .. فإن الأميرة المصريّة ابنة النيـل الملكيّة التي كانت تمقتني والتي أمقتها إلى الآن كانت هي نفسها التي قادت حبيبها إلى ذراعيَّ .. لقد قتلته بسببها فانظر الآن كيف عاد إليَّ بفضلها .. إنها أساءت إليَّ وألقت بذور كُرهها لكي أحصد الآلام والشقاء .. ولكن انظر .. إنها منحتني ما لا يستطيع العالم بأسره ان يمنحنيه.

وأمسكت هُنيْهةً ثم استطردت:

-       إنها أمرت ابنها أن يقضي عليَّ إذا استطاع لإننى فتكتُ بأبيه .. ولمّا كنتَ أنتَ يا "كاليكراتس" الأب والابن معاً فهل تريد أن تثأر مني لنفسك ولأُمّك؟

وجثت على ركبتيْها وكشفت عن صدرها العاجي وقالت:

-       انظر .. هنا يدق قلبي .. ولديك خِنجرٌ ثقيلٌ حاد .. فلا أسهل من أن تغمده فيه لتثـأر لنفسك ولأُمّك كي تعيش ناعم البال مرتاح الضمير.

هز "ليو" رأسه نفياً، ومَدَّ يده فأنهضها، وقال:

-       انهضي يا "عائشة" .. إنك تعلمين أنني لا أستطيع أن أمسَّك بسوء .. فأنا عبدك وأسير حُبّك .. ولتُقطَع يميني قبل أن تمتد إليكِ بالشر.

فابتسمت "عائشةٌ" وقالت:

-       خُيِّل إليَّ أنك قد بدأت تُحِبُّني یا "کالیكراتس" .. حسناً .. حدِّثني الآن عن بلادك .. ستعود إليها بلا ريْب .. فهي خيرٌ من كهوف "خور" .. لا تجزع .. فسنبحث عن طريقٍ يُخرِجنا من هذه البلاد ونرحل معاً إلى وطنك العزيز حيث نعيش كما يعيش سوانا .. لقد انتظرت ألفيْ عام مجيء ذلك اليوْم الذي أخرُج فيه من هذه الكهوف الممقوتة .. وها قد جاء .. وسـوف أراك تحكم على "إنجلترا".

فصاح كلانا مُستنكِراً، وأوْضحنا لهـا أن الملكة "فيكتوريا" محبوبةٌ من شعبها لأنها تحكم طِبقاً لقوانين الديمقراطيّة الصحيحة، ولكنها هزَّت كتفيْها استخفافاً وقالت:

-       يُخَيَّل لي أنكما تُشفِقان من القانون الذي تتحدَّثان عنه .. ولكن اعلما أنني فوق قوانين العالم أجمع .. وكذلك سيكون "كاليكراتس" .. وأنه ليس في استطاعة أيّة قوَّةٍ أرضيّةٍ أن تقهرنا .. فما الذي يحول بيننا وبين حُكْم العالم بأسره؟!!

هممتُ بالرد عليها ولكنها استوْقفتني قائلة:

-       أتوسَّل إليكما أن تتركاني الآن .. لأنني أريد التأهُّب لرحلتنا .. كما أشير عليكما بالتأهُّب لها مع خادمكما .. ولكن لا تأخذوا معكم أمتعةً كثيرةً لأني أرجو أن نعود بعد ثلاثة أيّامٍ لأُعِد العُدَّة لمغادرة كهوف "خور" إلى الأبد.

فـغـادرنا الغُرفة وقد استوْلت عليَّ الهواجس والأفكار السوْداء.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent