خبر
أخبار ملهلبة

الكونت دي مونت كريستو | ألكسندر دوماس (الأب) | الجزء السابع



الجزء السابع

 

 

وسكت الرجل برهةً ليزدرد ريقه الجاف ثم استكمل:

-       وعمدت بعد ذلك إلى استئجار غرفةٍ تطل على الشارع الذي يقع فيـه باب الحديقة .. وبعد ثلاثة أيام - حوالي الساعة السابعة مساء - رأيت "دي فیلفور" مُقبلاً وقد تدثَّر بعباءة .. ثم فتح الباب الصغير المُفضي إلى الحديقة ودخل منه ثم أغلقه وراءه .. فهبطت من غرفتي أعدو إلى حيث اختبأت في أجمةٍ مُشرِفةٍ على الممر الذي لابد أن يجتازه غريمي عند انصرافه .. ولم ألبث قليلاً حتى سمعت تأوُّهاتٍ وصيْحاتٍ مكتومة .. وحين دقَّت الساعة معلنةً انتصاف الليْل فُتِح باب الحديقة الصغير وخرج منه "دي فيلفور" .. ثم اقترب من الأَجَمة التي كمنت وراءها .. وحين اطمأن إلى أن أحداً لا يراه انحنى على الأرض فوضع صندوقاً صغيراً كان يخفيه في عباءته .. ثم بدأ يحفر حفرةً تتَّسع له .. وحين أتمّها وبدأ يسوِّي الأرض كما كانت انقضضت أنا عليه وأغمدت سكّيني في صدره وأنا أهمس له: "أنا "جيوفاني برتوشیو"، أقتلك أخْذاً بثأر أخي، وآخذ كنزك لأرملته" .. وهكذا ترى أن انتقامي جاء أوْفى ممّا كنت أؤمِّل .. ولست أدري إذا كان قد سمع ووعى هذه الكلمات أم لا فقد سقط دون أن يُطلِق صرخةً واحدة .. وبعد لحظةٍ كنت قد أخرجت الصندوق من مخبئه ثم هُرِعت إلى ضفَّة النهر حيث فتحته بسكّيني عنوةً فإذا في داخله طفلٌ حديث عهدٍ بالولادة مدثِّرٌ بثوبٍ من التيل الفاخر يُطلِق صيْحاتٍ ضعيفةٍ واهنة .. وكنت أعلم أن في "باريس" ملجأً لأمثال هذا اللقيط .. فمزَّقت ثوْب الطفل - وكان يحمل حرفيْن يرمزان لاسمٍ ما - إلى قسميْن .. كل قسمٍ يحمل حرفاً منهما .. وتركت أحد القسميْن حول جسم الطفل وأخذت القسم الثاني .. ثم ضغطت جرس باب الملجأ وأسرعت بالفرار .. وحين وصلت في اليوْم التالي إلى "رجليانو" حيث تقطن أرملة أخي "أسانتا" قلت لها: "اطمئنّي یا اختاه، فلقد انتقمت لأخي" .. ثم سردت عليها تفصیلات القصّة .. فلمّا انتهيْت منها قالت لي: "كان ينبغي أن تُحضِر معك ذلك الطفل کي نکون له بدلاً من والديْه اللذيْن حُرِمَ منهما، ونُطلِق عليه اسم "بنديتو"، ولعل الله كان يباركنا لهذا" .. فأعطيْتها نصف ثوْب الطفل کي تسترِدّه إذا صِرنا في حالٍ من اليُسر تسمح لنا بتربيته.

وهنا قاطعه الكونت "دي مونت كريستو" قائلاً:

-       ما هما الحرفان اللذان كانا على الثوْب؟

فقال "برتوشيو":

-       هما حرفا الهاء والنون .. تعلوهما شارة لقب البارون .. وعلى أثر ذلك عدت إلى تجارة التهريب مدفوعاً بدافعيْن: الإنفاق على الأرملة المسكينة وإغراق ذكريات الماضي التي تطاردني .. وحين راجت أحوالنا عُدت يوْماً من إحدى مغامراتي لأجد الأرملة قد استردَّت الطفل .. وكان قد بلغ الشهر السابع أو الثامن من عُمره .. وكان "بنديتو" طفلاً جميلاً ذا عيْنيْن واسعتيْن زرقاويْن وشعرٍ ذهبيٍ خفیف وابتسامةٍ تنم عن شيءٍ من الخُبث والدهاء .. وحين كبر صدقت فراستي في خُلُقه وطبيعته الشرّيرة .. فلم يبلغ الحادية عشرة حتى صـار يعاشر الفتيان الأغرار الذين في الثامنة عشرة أو العشرين والذين اشتهروا في "كورسيكا" بشرورهم وفساد خُلُقهم حتى لقد صاروا مطارَدين من الشرطة .. واستجابةً لنصيحتي أَبَتْ الأرملة المسكينة أن تُذعِن لمطالب بندينو الذي كان يرهقها بطلب النقود كل حين لإشباع ميوله الشريرة .. وذات ليْلة أحضر معه إلى البيْت اثنيْن من رفاقه الأنذال وهدَّدوا المرأة بالتعذيب إذا لم تسلِّمهم ما تملك من نقود .. فلمّا رفضت ساقوها إلى قُرب الموْقد کي يجبروها على الاعتراف بمكان النقود .. وخلال الصراع امتدت النـار إلى ثوْبها فاضطروا إلى تركها خوْفاً على أنفسهم من الاحتراق .. وفي الصباح التالي استبطأت جارتها - زوْجة "فاسیلیو" - ظهورها خارج غرفتها فاستنجدت بالسُلُطات التي حطَّمت الباب فوجدت "أسانتا" التعسة ما زالت على قيْد الحياة برغم الحروق الفظيعة التي أصابتهــا .. فروت لهم قبل موْتها حقيقة ما حدث .. ووُجِدَتْ أدراج البيْت كلها مُحطَّمةً ومحتوياتها مُبعثرةً والنقود كلها مسروقة .. ومنذ ذلك اليوْم لم يظهر "بنديتو" مرّةً أخرى في "رجليانو" .. ولا سمعت أنا بدوْري شيئاً عن مصيره أو أحواله.

وهنا أخفى "برتوشيو" وجهه بيْن يديْه بينما رمقـه الكونت بنظرةٍ غامضة.

جوادان أصيلان

في الساعة الثانية بعد ظهر اليوْم التالي لوصول الكونت "دي مونت کریستو" إلى "باريس" وقفت بباب منزله عربةٌ فاخرةٌ يجرُّها جوادان إنجليزيّان مُطَهَّمان (رشيقان بارعا الجمال)، وأطل منها شخصٌ يرتدى سترةً زرقاء وصداراً (صديريّاً) أبيض تتدلّى من أحد جيوبه سلسلةٌ ذهبيّةٌ ثمينة وبنطلوناً بني اللوْن، وكان شعره الأسود يتدلّى على جبهته حتى كاد يصل إلى حاجبيْه، وكان الرجل في حوالي الخمسين من عُمره وإن حرص هو على أن يبدو في الأربعين، وانحنى الرجل على حاجز العربة الذي رُسِمَت عليه شارة البارونيّة ثم طلب من تابعه أن يسأل: هل الكونت "دي مونت كريستو" في الداخل أم لا، فقيـل للتابع أن صاحب الفخامة لا يستقبل زوّاراً اليوْم، وعندئذٍ قال التابع لمحدِّثه:

-       إذن إليك بطاقة سيّدي البارون "دانجلر" .. فلتحملها إلى الكونت وتخبره أن سيدي برغم عجلته لجضور اجتماع المجلس أبى إلّا أن يعرج في طريقه لزيارة الكونت.

وعندئذٍ اضطجع البارون "دانجلر" في عربته إلى الخلف وقال لحوذيه بصوْتٍ يُمكِن سماعه من الشارع:

-       إلى مجلس النواب.

أمّا الكونت الذي علم بالزيارة في حينها فقـد راح من وراء خَصـاص نافذته (فُرْجَةٍ أو ثُقْبٍ بالنافذة) يرقب البارون بدِقَّةٍ بواسطة مُنظارٍ مُكبِّر، ثم دعا إليه وكيله "برتوشيو" وابتدره قائلاً:

-       إنك - ولا شك - قد رأيْت الجياد التي وقفت أمام الباب بضع دقائق .. فهل لك أن توضِّح لي كيف غاب عنك هذان الجوادان اللذان هُما في روْعة جيـادي حين أوصيْتك أن تبتاع لي أحسن جيـاد "باريس"؟

فقال "برتوشيو":

-       أؤكِّد لفخامتك أن الجواديْن اللذيْن تتحدث عنهما لم يكونا معروضيْن للبيع حين اشتريْت لك جيادك.

فهز الكونت "دي مونت کریستو" كتفيْه وقال:

-       حسناً .. إذن فلتعرض على البارون "دانجلر" ضِعف ثمنهما .. فإن الرجل المالي لا يضيع أبداً فرصة مضاعفة رأس ماله.

وما كادت عقارب الساعة تشير إلى الساعة الخامسة حتى دَقَّ الكونت الجرس ثلاث مرّاتٍ ثم هبط السُلَّم إلى باب قصره، فرأی عربته وقد أُسرِج إليها الجوادان بعيْنهما - اللذان أبدى إعجابه بهما منذ ساعات - وهما یجرّان عربة البارون "دانجلر"، وقال الكونت لحوذيه:

-       إلى دار البارون "دانجلر" .. شارع "لاشوسيه دانتان".

وعندما وصل استقبله البارون وهو ينحني ترحيباً بزائره قائلاً:

-       اسمح لي أن أُخبِرك يا كونت بأني قد تلقيْت خطاب نصحٍ من بنك "تومسون وفرنش" في "روما" لكني أعترف بأني لم أفهم مدلوله بالضبط .. فهو يعطي الكونت "دي مونت كريستو" حساباً جارياً غير محدَّد على مؤسستنا؟

فسأله الكونت في هدوء:

-       ماذا يتعذَّر عليك فهمه في ذلك؟

فأجاب "دانجلر" بابتسامةٍ شبه ساخرة: «

-       إن بنك "تومسون وفرنش" مقتدر ماليّاً بينما كلمة "حساب غير محدَّد" تدل - في الأمور الماليّة - على معنىً غامض.

-       أتعني أن "تومسون وفرنش" لا يجعلان حدوداً لالتزاماتهمـا بينمـا التزامات مسيو "دانجلر" لها حدودها؟!

فقال المالي الكبير وهو ينفخ أوْداجه زهواً:

-       سیدي .. إن حدود مواردي لم تكن يوْماً موْضع شكٍّ أو تساؤل.

فقال الكونت في برود:

-       يبدو لي أني أول من سيضعها هذا الموْضع.

وعندئذ ألقى "دانجلر" بنفسه في مقعده إلى الوراء وقال بلهجـة الغرور والاعتداد بالثراء:

-       أرجو منك ألّا تتردَّد في الإعراب عن رغباتك .. فعندئذ ستقتنع أن موارد بنك "دانجلر" - مهما تكن محدودة - لا تزال قديرةً على أن تواجه أجسم المطالب .. ولو أردت مليون فرنك.

فقال الكونت في هدوء:

-       ما أظننی یا سیّدي أستطيع أن أكتفى بمليون فرنك .. ولو أن مبلغاً تافهاً كهذا يكفيني لَما كلَّفت نفسي عناء فتح حسابٍ جار.

ثم أخرج الكونت حافظته وسحب منها شيكيْن على الخزانة قيمة كل منهما نصف مليون فرنك، يُدفعان لحاملهما ففغر "دانجلر" فاه ولم يِحر جواباً، بينما استطرد الكونت:  

-       کُن صريحاً إذن واعترف بأنك لا تولي مؤسّسة "تومسون وفرنش" ثقتك الكاملة .. فاني قد أفهم هذا .. واحتياطاً لمثل هذا الاحتمال رأيت - برغم جهلي بالأمور الماليّـة - أن أتخـذ بعض الضمانات .. فهـذان مثلاً خطابان مُشابهان تماماً لذاك الذي تلقيْتـه .. أحدهما من بنك "أرشتاين واسكيلس" في "فيينا" إلى البارون "روتشيلد" .. والآخر من بنك "بارنج" في "لندن" إلى مسيو "لافاييت" .. والآن ما عليك يا سيدي إلّا أن تنطق بكلمة فأجنِّبك كل مشقَّةٍ وحرج بتقديم خطـاب ضماني إلى إحدى هاتيْن المؤسّستيْن.

ونهض "دانجلر" بعد أن استوْثق من صحّة الوثائق التي يحملها الكونت، وانحنى أمام الكونت كأنما يحيّى قوّة الذهب الممثَّلة في شخصه.

فقال الكونت بلهجةٍ وِدّيّةٍ لطيفة:

-       على كل حالٍ أعتقد أن مؤسَّستك لا يُمكن أن يثقل عليها مثل هذه المبالغ التافهة .. وإذن ففي وِسعك أن تعطيني بعض المال .. أليس كذلك؟ .. ويمكننا أن نحدِّد مبلغاً يكفي النفقات التقريبيّة للعام الأوّل وليكن مثلاً سِتّة ملايين من الفرنكات.

فقال "دانجلر" وهو يشهق فزعاً:

-       سِتّة ملايين؟!

واستطرد الكونت فقال في لهجةٍ تدل على عدم المبالاة:

-       إذا أحوجني الأمر إلى أكثر من هذا المبلغ ففي وسعي أن أسحب شيكاتٍ عليك .. لكن نیّتي حالياً تنصرف إلى عدم البقاء في "فرنسا" أكثر من عام .. وأرجو أن تتكرَّم فترسل إليَّ غداً صباحاً نصف مليون فرنك .. وسوف أكون في داري حتى الظُهر .. وفى حالة خروجي سأترك إيصالاً بالمبلغ مع وكيلي.

فقال "دانجلر":

-       سيكون المبلغ الذي تطلبه عند وكيلك في الساعة العاشرة من صباح غدٍ يا عزيزي الكونت .. والآن هل تسمح لي بأن أقدِّمك للبارونة "دانجلر" زوْجتي؟ .. اغفر لي لهفتیي یا عزيزي الكونت .. فإن عميلاً مثلك هو في مركز فردٍ من أفراد الأُسرة.

فأومأ الكونت موافقاً، ثم مشى خلف البارون عبر عددٍ من الحجرات والأجنحة المفروشة بأفخر الأثاث الذي يوحي بالثراء الفاحش حتى بلغا مخدع البارونة، وكانت هذه ما تزال تحتفظ بجمالها الصارخ برغم تجاوزها ريْعان الشباب، وقد جلست إلى البيانو، بينما وقف "لوسيان دوبراي" أمام منضدةٍ صغيرةٍ يُقلِّب صفحات ألبوم صور، فقال لها البارون:

-       اسمحي لي بأن أقدِّم لك الكونت "دي مونت كريستو" .. لقد أوصانی به توصيةً حارّةً وكلائي في "روما" جميعاً .. وسأكتفي بذِكْر حقيقةٍ واحدةٍ من شأنها أن تجعل نساء "باريس" بلا استثناء ينشـدن التفاتةً منه .. وهذه الحقيقة هي أنه قد جاء ليقضى في "باريس" عاماً .. وسيُنفق خلاله سِتّة ملايين من الفرنكات .. وهذا يعني سلسلةً من الحفلات والمراقص والمآدب لا نهاية لها .. وأرجو ألّا ينسانا الكونت فيها .. كما نعتزم نحن أن نذكره في حفلاتنا المتواضعة.

فقالت البارونة تخاطب الكونت:

-       لقد تخيَّرت لزيارتك لـ"باريس" أسوا وقت .. فهي في الصيف لا تطاق والملاهي التي بقيت لنا فيها تنحصر في حفلات السباق .. في حلبتيْ "شون دی مارس" و "شاتوري" .. فهل تعتزم إشراك بعض جيادك في هذا السباق يا كونت؟

-       سأفعل ما يفعله غيري في "باريس" يا سيّدتي .. إذا أسعدني الحظ فوجدت مَن يُرشدني إلى ضروب اللهو المختلفة.

وفى هذه اللحظة دخلت المخدع وصيفة البارونة المُفضَّلة، واقتربت من سيّدتها وهمست في أذنها ببضع عبارات، شحب على أثرها وجه البارونة، فاستدارت نحو زوْجها متسائلةً في لهفة:

-       أهذا صحيح؟ .. أن وصيفتي أبلغتني أن سائق عربتي فوجيء وهو يهم بإعدادها الآن بأن جواديْها أُبدِلا بدون علمه .. فكيف كان ذلك ؟!

فأجابها زوجها:

-       کوني لطيفةً يا سيّدتي واصغي إليَّ فإن ....

لكنها قاطعته وانفجرت فيه صائحة:

-       أوه نعم .. سوف أصغي إليك يا سيّدي .. فإني لفي فضولٍ شديدٍ إلى سماع الإيضاح الذي ستتكرّم به عليَّ .. أن بين الجياد العشرة التي تحتويها حظائرك جواديْن يَخُصّانني .. وهما من أحسن الجياد الموجودة في "باريس" كلها .. وقد وعدت مدام "دي فيلفور" بأن أعيرها عربتي کي تتنزَّه بها غداً في غابة "بولونيا" .. فلمّا ذهب الحوذي ليُعِدَّ العربة اكتشف الأمر .. ولا شك أنك ضحيْت بالجواديْن بغية الحصول على بضعة آلافٍ أخرى من الفرنكات الحقيرة .. أوه .. يا لها من فئةٍ بغيضة .. فئة هؤلاء المضاربين المحترفين.

فقال لها "دانجلر":

-       سيّدتي .. إن الجواديْن لم يكونا بالهدوء الذي يناسبكِ .. وأقسم بشرفي أمام الكونت أنني لو لم أتصرَّف فيهما منذ ساعات لسرَّني أن أهديهما إليه فهما لا يصلحان إلّا لشابٍّ في مقتبل العمر .. وقد كنت متلهِّفاً إلى الخلاص منهما.

فقال الكونت:

-       شُكراً لك يا عزيزي البارون .. لكني في الواقع قد ابتعت لعربتي اليوْم جواديْن رائعيْن بثمنٍ لا أذكر أنه كبير .. فهل للمسيو "دوبراي" أن يصارحنى برأيه فيهما .. إنه خبيرٌ في مثل هذه الأمور كما سمعت.

وهنا اقترب "دوبراي" من النافذة ليطل منها على الجواديْن، بينما اقترب "دانجلر" من زوْجته وهمس لها:

-       لم أستطِع أن أصارحك أمام هؤلاء السادة بسبب تصرُّفي في الجواديْن .. لقد أرسل شخصٌ مجنونٌ أو أحمقٌ وكيله ليشتريهما بأي ثمن .. فربحت فيهما ستة عشر ألف فرنك .. لاتغضبي .. فسوف أعطيكِ رُبع هذا الربح تفعلين به ما تشائين .. كما أني سأعطي "أوجيني" ألفيْ فرنك .. أفلم أكُن مُحقّاً بعد هذا في بيْع الجواديْن؟

وحدجت البارونة زوْجها بنظرة احتقارٍ بالغة .. بينما صـاح "دوبراي" فجأة:

-       يا إلهى .. لا يمكن أن أكون مخطئاً .. إن الجواديْن اللذيْن نتحدَّث عنهما مُسرجان إلى عربة الكونت.

فهتفت البارونة وهي تهرع نحو النافذة:

-       أتعني جواديَّ العزيزيْن؟

ثم أردفت بعد أن رأتهما:

-       حقّاً .. إنهما جواداي.

فصاح الكونت متكلِّفاً الدهشة بدوْره:

-       عجباً .. يا للمصادفة.

وشرد البارون وهو يهيىّء نفسه للمشادة المقبلة بينه وبيْن زوْجتـه التي نَمَّ حاجباها عن اقتراب العاصفة، وإذ ذاك تذكَّر فجأة أنه مرتبطٌ بموْعدٍ سابق، كما انحنى الكونت "دي مونت كريستو" مستأذنً في الانصراف وخرج تارکاً "دانجلر" يواجه تأنيب زوْجته.

وبعد ساعتيْن تلقَّت البارونة رسالةً رقيقةً من الكونت يرجو فيها أن تقبل جواديْها العزيزيْن هديّةً منه قائلاً:

-       لست أستطيع أن أتحمـّل فكرة اندماجي في المجتمع الباريسي الرفيع إذا اشتريْت أُبّهة موْكبي بدموع سيّدةٍ حسناء.

وفي اليوْم التالي - حوالي الساعة الثالثة عصراً - استدعى الكونت خادمه النوبي "علي" بدَقّةٍ واحدةٍ للجرس، فلمّا مَثَلَ في حضرته ابتدره بقوْله:

-       لطالما حدَّثتني عن براعتك الخارقة في رمي الأنشوطة .. وبعد قليلٍ سوف تمر أمام البيت بأقصى سرعةٍ عربةٌ يجرُّها الجوادان اللذان رأيْتهما في عربتي أمس .. والآن أريدك أن توقِف هذيْن الجواديْن أمام بابي ولو كلَّفك ذلك تعريض حياتك ذاتها للخطر.

فهبط "علي" إلى الطريق ورسم خطّاً مستقيماً على الرصيف عند مدخل البيْت تماماً، ثم أشار للكونت نحوه فعاد هذا إلى الطابق الثاني من المنزل واثقاً من نجاح خطته.

وحين اقتربت الساعة الخامسة سُمِعَ صوْت عجلات عربةٍ تقترب مُسرعة، ثم ظهرت العربة على الفوْر يجرُّها جوادان جامحان حاول الحوذي المذعور أن يحد من سرعتهما المخيفة ولكن دون جدوى، وكانت في داخل العربة أمراةٌ حسناء وطفلٌ في السابعة أو الثامنة وقد تعانقا بقوّة وأعجزهما الرعب حتى عن إطلاق أيّة صرخة.

وفجأة أخرج "علي" الأنشوطة من جيْبه وألقاها بحيث اقتنصت الساقيْن الأماميّتيْن للجواد القريب، ثم جذبه وراءه في عنفٍ بالغ عِدّة خطواتٍ قبل أن يسقط الجواد على العريش فيقصمه، وبذلك يعوق الجواد الآخر عن متابعة عَدْوِه.

وانتهز الحوذي هذه الفرصة الفريدة فقفز من فوْق مقعده لينجو بنفسه، بينما أمسك "علي" بخياشيم الجواد الثاني وضغطها بقبضته الحديديّة حتى خَرَّ الجواد بجانب زميله وهو يتلوّى من الألم، وقد حدث ذلك كله في ثوانٍ معدودات، لكنها كانت كافيةً لأن يخرج أصحاب الدور القريبـة وخدمهم ليروا ما هناك، وسرعان ما فتح الحوذي باب العربة وأخرج راكبتها التي كانت إحدى يديْها متقلِّصةً على الوسائد بينما يدها الأخرى تضم إلى صدرها ولدها الذي فقد رشده.

وتقدَّم الكونت "دي مونت كريستو" فحمل المرأة وابنها إلى صالونه حيث أرقدهما فوْق إحدى الأرائك المريحة وهو يقول:

-       استریحي یا سیّدتي .. فقد زال كل خطر.

فرفعت المرأة عيْنيْها لدى سماعها هذه الكلمات ورمقتـه بنظـرةٍ أبلغ تعبيراً من أي رجاء، وهي تشير إلى ابنها الذي ما زال غائباً عن الوعي فقال الكونت وهو يفحص الصبي بعناية:

-       إني أقدِّر سبب انزعاجك يا سيدتي .. لكني أؤكِّد لكِ أن ليس ثمّة داعٍ للقلق .. فما إغماؤه إلّا نتيجةٌ طبيعيّةٌ للرُعب وسوف يفيق بعد قليل.

فسألته:

-       أأنت واثقٌ من أنك لا تقول ذلك كي تُسْكِن رَوْعي وتُهدِّىء مخاوفي؟

ثم انحنت على ولدها وهتفت به:

-       یا حبیبی "إدوار" .. تکلَّم .. تحدَّث إلى أمِّك .. افتح عيْنيْك الغاليتيْن وانظر إليَّ مرّةً أخرى.

وعادت فالتفتت إلى الكونت و قالت:

-       سیّدي .. أرجو أن تُرسِل في طلب طبيب .. إنني لأبذل كل ثروتي في سبيل إنقاذ حياة ولدي.

فأجابها الكونت بابتسامةٍ هادئةٍ وحركةٍ لطيفةٍ من يده، ثم أشار عليها بأن تُنحّي مخاوفها جانباً، وفتح صندوقاً صغيراً كان على قيْد خطوةٍ منه وأخرج منه قِنّينةً صغيرةً من الزجاج المُغلَّف بالذهب تحوي سائلاً أحمر في لوْن الدم، وسكب قطرةً واحدةً منه على شفتيْ الصبي الذي كان جامداً كالتمثال فسرعان ما فتح عيْنيْه ونظر مُحملِقاً فيما حوْله فكادت الأم تُجَن فرحاً، وقالت تلوم نفسها وقد هدأت مخاوفها:

-       إن فضولي التعِس هو المسؤول عن ذلك كله .. لقد سمعت "باريس" بأسرها تُطنِب في امتداح جمال جواديْ البارونة "دانجلر" فخطر لي أن أرى بنفسي هل يستحِقّان كل ذلك الإطراء .. هل سيدي يعرف البارونة "دانجلر"؟

فقال الكونت:

-       نعم يا سيّدتي .. وإن ممّا يزيد في سعادتي بنجاتِك من الخطر الذي كان يتهدَّدكِ أني كنت بلا قصدٍ مني سبب هـذا الخطر الذي تعرَّضتِ له .. فقد ابتعت أمس هذيْن الجواديْن من البارون ولكني حين تبيّنت مبلغ أسف البارونة عليهما أعدتهما إليها راجياً أن تتكرَّم بقبولهما هديّةٍ مني.

فقالت له:

-       إذن فأنت الكونت "دي مونت كريستو" الذي حدَّثتني عنه "هرمين" كثيراً. ؟

فقال:

-       لقد صدقت فراستكِ يا سيّدتي.

فقالت:

-       وأنا مدام "هیلویز دي فیلفور" .. سيكون زوْجي شاكراً لك حين يقف على نبأ إنقاذك لزوْجته وابنه .. إنه سيظل مديناً لك بحياتنا .. فلوْلا شهامة خادمك الباسل لكان كل مِنّا الآن في عِداد الأموات.

وكان "دي فيلفور" قد شُفي من إصابته بسكين "برتوشيو" الذي ظن أنه قتله، وفي تلك الليْلة سهرت "باريس" بأسرها تتحدَّث عن هذه المغامرة، فقد رواها "ألبرت" لأمِّه، وقص "شاتو رينو" نبأها في نادي الجوكي، وسرد "دوبراي" تفصيلاتها الكاملة في صالون الوزير، كما خصَّص "بوشان" عشرين سطراً من صحيفته للإشادة بشجاعة الكونت وشهامته واعتباره بطل الساعة في أنظار نساء الطبقة الأرستقراطيّة في "باريس".

المُنقِذ المجهول

استقل الكونت "دي مونت كريستو" عربته في اليوْم التالي إلى بيتٍ جميلٍ يقع في شارع "میلاي" رقم (7) حيث دُعي إلى زيارة "مكسمليان موريل" ابن ولي نعمته القديم صاحب السفينة "فرعون" ولم يكَد يدخل البيْت حتى مد الضابط الشاب يده يصافح بها الكونت في حرارة قائلاً:

-       هيّا بنا .. سأكون لك بمثابة الدليل .. إن أختي في الحديقة تقطع الورود الذابلة .. وزوْجها يقرأ الصُحُف على بعد سِت خطواتٍ منها .. فحيْثما تكون مدام "هربول" يوجد مسيو "إیمانویل" دائماً داخل دائرةٍ لا يزيد قطرها على أربعة أمتار.

ولمّا دخلا الحديقة رأي الكونت هناك شابّةً في نحو العشرين أو الخامسة والعشرين من عمرها، ترتدي ثوْباً حريريّاً من ثياب الصباح، وما أن سمعت وَقْع خُطاهما حتى رفعت رأسها عن ورودها متطلِّعةً إلى القادميْن، وكانت هي "جولى" التي أضحت تُدعى بعد زواجها باسم مدام "إیمانویل هربول"، وقالت للضيْف الكبير:

-       آهٍ یا سیّدي .. إنها لَخيانةٌ من أخي أن يُحضِرك على هذا النحـو بلا إخطارٍ سابق .. لكنه لم يُقِم يوماً أي حسابٍ لأخته المسكينة .. أرجو أن تسمح لي بأن أتركك لبضع دقائق.

وقبل أن تنتظر جواباً اختفت وراء أَجَمةٍ من الأشجار، ثم أسرعت إلى البيت من طريق ممرٍّ جانبي بينما قال "مونت كريستو" لأخيها:

-       إنني لَشديد الأسف إذ أرى أني أُسبِّب لأفراد المنزل انزعاجاً كبيراً.

فقال "مكسمليان" ضاحكاً:

-       أنظر هناك .. هــذا زوْجها يُبدِّل سترته بأخرى .. أؤكِّد لك أنك معروفٌ جيّداً في شارع "میلاي".

فقال الكونت كأنما يحدِّث نفسـه:

-       يبدو أن أسرتك من الأسر السعيدة.

فقال الضابط:

-       بلا شك .. إذ لا ينقصها شيءٌ من مقوِّمات السعادة .. فأفرادها يستمتعون بالشباب والمرح .. وكلٌ منهم شديد التعلُّق بالآخر .. وبفضل إيرادهم البالغ خمسةٍ وعشرين ألف فرنك في السنة يحسُّون أنهم في غِنى "روتشيلد".

وقال الكونت "دي مونت كريستو" بلهجةٍ عذبةٍ رقيقة وقعت من سَمْع "مكسمليان" موْقع صوْت الأب البار:

-       مع ذلك فإن هذا المبلغ ليس كبيراً وهم لن يقنعوا به .. هل زوْج أختك محامٍ أم طبيب؟

فقال:

-       كان تاجراً .. وقد خَلَفَ أبي المسكين في تجـارته .. ذلك أن مسيو "موريل" عند وفاته ترك نصف مليون فرنك قُسِّمَت بالتساوي بين أختي و بیني .. فقد كنا ولديْه الوحيديْن .. أمّا زوْج أختي - الذي لم يكن يملك عند زواجه منها غير ميراثه النبيل من نزاهة اليد وكفاءة الذِهن والسمعة النظيفة - فقد أراد أن يكون له مالٌ لا يقل عن إرث زوْجتـه .. فراح یکد ويجتهد حتى جمع في خلال سِت سنواتٍ رُبع مليون فرنك بمعاونة زوجته التي شاركته كفاحه وتعبه .. وقد ضجَّت "مارسيليا" بأسرها بالثناء على جهادهما المشترك .. وأخيراً جاء "إيمانويل" ذات يوم يقول لأختي وقد فرغت من مراجعة الحسابات: "لقد سلَّمني الوكيل منذ برهةٍ المائة فرنك الأخيرة التي يكتمل لنا بها مبلغ الرُبع مليون فرنك الذي حدَّدناه ثروةً لنا، فهل تتمتَّعين بهذه الثروة الصغيرة التي ستكون عمادنا للمستقبل؟، أصغي إليَّ: إن مؤسّستنا تتداول أعمالاً تبلغ المليون فرنك سنويّاً، يصيبنا منها دخلٌ قدره أربعون ألفاً، وفي استطاعتنا إذا أردنا أن نبيع تجارتنا في أيّة ساعة، فقد تلقَّيْت خطاباً من مسيو "دیلوناي" يعرض فيه أن يشتريها بثلاثمائة ألف فرنك، فماذا ترين؟" .. فأجابته أختي مؤكِّدةً له أن مؤسّسة "موريل" لا ينبغي أن يتولّاها غير فردٍ من أسرة "موريل" وأن ثلاثمائة ألف فرنك لا تساوي احتفاظها باسم أبيها وحمايته من شرور الثروة الحرام أو الإفلاس .. فقال لها زوجها "إيمانويل": "هذا ما رأيته، لكني أردت أن أعرف رأيكِ أنتِ على أني أقترح أن نُصفّي مؤسّستنا ونكتفي بالإيراد الذي يجلبه لنـا رأس المال" .. وقد اتفقا على هذا .. وكانت الساعة وقتئذٍ الثالثة .. وبعد رُبع ساعةٍ دخل تاجرٌ ليؤمِّن على سفينتيْن له لدى المؤسّسة .. وكان بإمكانهما أن يُدر عليهما ذلك الأمر ربحاً قدره خمسة عشر ألف فرنك .. فقال له "إيمانويل": "لقد أغلقنا مكاتبنا وصفّيْنا أعمالنا منذ رُبع ساعةٍ فقط" .. ومنذ ذلك التاريخ قَنَعَتْ أختي وزوْجها بإيرادهما البالغ خمسةً وعشرين ألف فرنك في السنة.

لم يكد "مكسمليان" يفرغ من قصّته التي أرهفت مشاعر الكونت "كريستو" من فرط ما نَمَّتْ عن نُبلٍ وقناعة حتى أقبلت "جولي" ومعها "إيمانويل"، فقـال الكونت يخاطب الزوْجة:

-       اغفري لي الانفعال الذي يبدو عليَّ يا سيّدتي .. وقد يُدهِشك هذا - أنتِ التي ألِفتِ السعادة التي ترفرف على هذا البيت - لكن منظر البِشر والقناعة على مُحيّا إنسانٍ لا شك أنها منظرٌ جديدٌ بالنسبة إليَّ .. بحيث لن أَمَلَّ النظر إليه على وجهكِ ووجه زوْجِك.

فأجابت "جولي":

-       نحن سعداءٌ حقّاً يا سيّدي .. لكننا عرفنا أيضاً التعاسة فترةً من الزمن .. بل قَلَّ بين الناس مَن ذاقوا مثـل الآلام المريرة التي ذُقناها.

وهُنا بدت على وجه الكونت علائم الفضول، بينما أردف "مكسمليان":

-       إن هذا يُفضي بنا إلى صورةٍ متواضعةٍ من تاريخ الأُسرة قد لا تعنيك كثيرا أنت الذي أَلِفْتَ ألّا ترى غير مباهج الأثرياء والبارزين وحدهم .. لكن الواقع أننا قاسيْنا الكثير من الأحزان المُرّة.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent