خبر
أخبار ملهلبة

عن البراطيل الانتخابية سألوني | توثيق لانتخابات مجلس النوّاب 2011

 

كاريكاتير لعمرو فهمي عن الرشاوى الانتخابية

 

نوفمبر 2011 :

 

 

أكتب هذه اليوميّات ونحن في الطريق لانتخابات برلمانية جديدة تأتي بعد ثورة يناير، ولا أعرف لماذا تذكّرت العبارتيّن اللتيْن أطلقهما عبارةٌ أطلقها "عبدالرحمن الكواكبي" في كتابه "طبائع الاستبداد في مصارع الاستعباد" حين قال: "الاستبداد أصل كل فساد" و"الداء استعباد البريّة والدواء استرداد الحريّة"، وهاتان العبارتان تصفان الحالة الحالية التي تسود معظم أنظمة الحكم العربيّة، وتفسّران الثورة الجماهيرية الجارفة ضد الاستبداد والفساد اللذيْن جاءا على حساب حريّات وآدميّات الشعوب، فلا شك أن العلاقة وثيقة بيْن الدائيْن: الاستبداد و الفساد، فالاستبداد لا يستمر أو يستقيم إلا في بيئةٍ سياسيّة فاسدة، والفساد أيضاً لا يكبر أو يتضخّم إلا في ظل حكمٍ مستبد.

فكان من الطبيعي ألا يسلم شأنٌ من شئوننا من الفساد في ظل استبداد حكم "مبارك" البائد، وقد تفائلنا خيراً بعد "ثورة يناير" التي استطاعت أن تسترد للشعب المصري حريّته وتخلّصه من الاستعباد لكنها - وبكل أسف - كانت امتداداً لنفس المنوال والنهج.

ولعل الانتخابات البرلمانيّة التي تشهدها البلاد هذه الأيّام ونحن في نفس عام الثورة خير مثالٍ للصور الساخرة للفساد والرشوة والتصارع من أجل حصول ممثلي الأحزاب أو المستقلّين على أكبر عددٍ من المقاعد في مجلس الشعب، فكلّما زاد استعدادُهم للانتخابات إزداد استعداؤهم لبعضهم البعض؛ فطفقوا يستخدمون وسائل رخيصة ومتدنيّة للدعاية لأنفسهم مستغلّين حاجة بعض الناس وعوزهم أو تطلعات بعض الناس وطمعهم أو جهل بعض الناس بحقوقهم وسطحيّتهم .

فهذا الحزب يوزع نقوداً على بعض الناس فيعطي كل منهم النصف الأيمن فقط من العملة الورقيّة فئة المائة جنيه على أن يستكمل لهم النصف الأيسر يوم الانتخابات لضمان الحصول على أصواتهم، ولكي لا تختلط هذه الأنصاف تتم كتابة اسم كل مرتشي من الناخبين بخط واضح على كل نصفٍ يخصّه مما جعل كل الأوراق فئة المائة جنيه التي يتداولها الناس بعد الانتخابات موصوفةً وموصومة باسم شخص ما دونما أي خجلٍ وكأن الرشوةَ شئٌ عادي لا تلفت إليها أنظار أحد، فترى سيدةً تتنازع مع بائعٍ صائحةً: {والمصحف ادّيتك الميت جنيه بتاعة "حامد الكيلاني" وما اخدتش الباقي}، وتسمع رجلاً يأمر ابنه قائلاً: {خد يا له الميّايه دي بتاعة عمّك "خميس أبو لبدة" واجري قوام لعمّك "أبانوب" جيب لي منه علبة دخان .. وخلّيه ينزّل بقية الفلوس من الحساب اللي عليّ}، ويتكلّم آخر مع رفيقه  مُقْسِماً: {والنعمة الشريفة دي على عيني وإن شا الله تزول من وشي .. يوميها أنا اللي محاسب على المشاريب في القهوة من الميت جنيه بتاعة "مخيمر الصدغ" بعد ما عملتها باللزّاق}.

وذلك ائتلافٌ ثوْري آخر يفرّق على بعض الناس ملابسَ وأحذيةً وأغطية رأسٍ عليها شعار الائتلاف؛ فتجد ازدحاماً شديداً لجموع المرتشين أمام مقر هذا الائتلاف وهم يتدافعون ويتصايحون في صخب: {والنبي يا خويا أنا ما اخدتش .. أنا عايزة جزمتين .. أنا جزمة .. و جوزي جزمة} أو {إيش مِعنى "نفيسة" اللي ادّيتها هدوم تحتانيّة حمرا .. و انا سودة .. هو يعني صوتي مش زي صوتها ؟ .. ولاّ هيّ صوتها باتنين؟} أو {يا راجل باقول لك ح اخلّي اخواتي التلاتة يدّوكم صوتهم .. هات لي بقى أربع كاسكيتّات علشان همّ ده الوقت بيفلحوا في الغيط ومش فاضيين ييجوا يقفوا في الزحمة دي}.

وتلك حركةٌ شعبيّة تلعب على وترٍ مختلف ألا وهو عمل قافلة طبيّة تزور القرية قبل الانتخابات بيوميْن فقط لتقديم المساعدات الطبيّة من كشفٍ وعلاجٍ للناس الذين يأسوا من توفير الرعاية الصحيّة لهم فتعايشوا مع الأمراض وتكيّفوا على الآلام واستعانوا بالأعشاب الرخيصة في تخفيف معاناتهم، وكانت القافلة مكوّنةً من عدة أطباء؛ أمّا عن تخصص كل واحد منهم فلا تسل؛ فها هو طبيب رمد يكشف على "جعيدي" الذي يعاني من البواسير ولا بأس فكلّها عيون، وطبيب نساء وتوليد يأمر عم "بشندي الدقّاق" بأن يتمدّى على سرير الكشف لعمل اللازم، وأخصّائي جلديّة يصف علاجاً ناجعاً لمرضى الأمراض الباطنيّة في تطبيقٍ عملي أصيل للقاعدة الفقهيّة للشريعة الإسلاميّة "التلازم بين الظاهر والباطن".

في حين أن بعض المرشّحين الآخرين استحدثوا أساليباً مبتكرةً وطريفة لجذب أصوات الناخبين فتجد بعضهم يدعو الناس لاستلام كوبوناتهم بعد حجز بطاقاتهم الشخصيّة حتّى يوم الانتخابات لضمان الأصوات حيث أن هذه الكوبونات ستدخل سحباً على جوائز عديدة مثل الأثاث والأجهزة الكهربائيّة والخراف الحيّة حيث عيد الأضحى على الأبواب هذه الأيّام، وتجد آخرين يجرون قرعةً على رحلات الحج والعمرة أو رحلات الغردقة وشرم الشيخ ويمكن للفائز الاختيار بيْن الرحلات أيْنما يريد أن يولّي قِبلته، وتجد آخرين يحدّدون موعداً لناخبيهم لإجراء "تمبولا" على خمسين عقد زواج؛ لكنهم لم يحدّدوا الطرف الثاني الذي سيقترن بالفائز وهل هو أو هي محدّدٌ سلفاً أم سيأتي بالاختيار ؟، كما أنهم لم يحددوا نوع هذا الزواج من الأساس فهل هو زواجٌ شرعي أم عرفي أم سرّي أم مؤقّت أم مسيار أم متعة أم محلّل أم مدني أم سياحي أم أرثوذكسي أم كاثوليكي؟

أمّا أعضاء جماعة "الإخوان المسلمون" وجماعة "الدعوة السلفيّة" وباقي المتأسلمين فسلكوا منحىً آخراً يعتمد مبدأ "من أين تؤكل الكتف" والمقصود هنا كتف الناخب بالطبع، وهذا المنحى يتلخّص في كلمتيْن "الترهيب والترغيب" ويمتزج فيهما - دون أن تستطيع أن تميّز بينهما - الخط الديني والخط الدنيوي، فالخط الديني يعتمد على دعوة الناس لانتخاب الإسلاميين لأن ذلك واجبٌ شرعي يثاب عليه المسلم ولأن من ينتخب مرشحاً غيرهم هو آثمٌ قلبه وكافرٌ طبعه وعليه كفّارةٌ لا محيص، وأفتى بعضهم أن الانتخابات هي ضربٌ من ضروب الجهاد بل و اسموها "غزوة الصناديق" (يقصدون صناديق الانتخاب) لدرجة أن بعض الجهلاء والسذّج من عامّة الشعب خلطوا بين غزوة الصناديق وغزوة الأحزاب على أساس أن الصناديق تأتي بالأحزاب أو الأحزاب تسعى للصناديق، أمّا الخط الدنيوي فاعتمد على عقليّة هؤلاء الإسلاميين التي يسيْطر عليها فكر الثريد؛ فالثريد ( الفتّة ) هو إرثٌ تاريخي للمشايخ على مر العصور؛ ولكنهم عدّلوا فيه تبعاً لمتغيّرات العصر فقد ثبت استراتيجياً في الانتخابات المصريّة أن "الثريد وحده لا يكفي" فبجانب مكوّنات الثريد من لحمٍ وأرزٍ ودقيقٍ وسمن أضافوا شاكرين الشاي والسكر والزيت والمكرونة والفول والعدس والصابون وخلافه، وفي سابقةٍ تاريخيّةٍ عمليّةٍ معمليّةٍ فذّة انفردت بها "مصر" تم تجميع هذه السلع كلّها في حقيبةٍ واحدة كانت تُسمَّى باسم واهبها فتلك شنطة "الإخوان" وهذه شنطة "السلفيين" مما سبّب لأعضاء المجلس العسكري آنذاك حالةً من الغيرة الشديدة فقرروا تدشين وطرح شنطة "فهد 1" ثم شنطة "زوجة الأسد 2" المعدّلة بزيادة علبة صلصة حتّى يتفوّقوا في سباق الفوز بولاء أهل "مصر" تأسيساً على المثل القائل {اطعم الفم تستحي العين}.

الآن وبعد تأجيل الانتخابات التشريعيّة إلى موْعدٍ لاحق أجدني أسأل نفسي: ترى متى تختفي هذه الصور المزريّة للفساد من حياتنا؟ .. أغلب ظنّي - وليس كل الظن إثم - أنها لن تختفي باختفاء الاستبداد فحسب بل أيضاً باحتجاب الفقر والإملاق وتواري الجهل والحمق .. مما يجعلني أقلّد "الكواكبي" وأطلق هذه العبارة الرنانة على لساني:

"البراطيل (الرشاوى) تنصر الأباطيل (جمع باطل) .. في زمن الفاقة (الفقر والعوز) والحماقة".

google-playkhamsatmostaqltradent