خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل قاتل (3)


شاب يجلس أمام البحر في الغربة يراوده طيف الفتاة التي أحبها فيتخيل صورتها في السماء أثناء الغروب

رجل قاتل (3)



وبُهِتتْ الفتاة، ولم تنبَسْ ببنت شَفةٍ ووجدتُها تُطرِقُ برأسِها.. وخُيِّلَ إليَّ أني ألمحُ في عيْنيْها طبقةً من الدُموعِ تترَقرَق.. أقولُ خُيِّلَ إليَّ.. فقد يكونُ ما رأيتُ سرابٌ خادِع.. فغادرتُها بلا كلمةٍ.. ولا تحيّة. 

وسِرتُ في الطريق، وأنا شاعِرٌ بأني قد ألقَيْتُ عن كاهلي ما أَثقَلَه، وعن صَدري ما أَحرقَهُ وأجَّجَه.

أجل!.. لقد انتهى أمري معها.. واستطعتُ أن ألفِظَ حُبَّها مع الجَمَراتِ التي لفِظتُها من صَدرى. 

وتركتُ المَدينةَ ذلك المَساءِ عائداً إلى مكانِ دِراسَتي.. موقِناً بأن القِصّةَ قد وصلتْ إلى نهايتِها، وأني وضعتُ بثوْرتي عليها خاتمةً لها، ولكنى استيْقظتُ في الصباح لأقرأَ في إحدى جرائدِ نيويورك أن الفَتاةَ "أ.س." وعُمرُها تسع عشرة سنةً من كُليّة شيديور قد انتحرتْ بإطلاق النار على نفسِها في الساعةِ السادسةِ من صباحِ الأمس أي بعد مُغادرتي إيّاها بمُدةٍ لا تتجاوَزُ الاثنتي عشرة ساعة.. وقيلَ في خبرِ الانتحار أن الأسبابَ لا تزالُ مجهولة، ولكن المُعتقَدَ أنها مُتعلِّقةٌ بخلافٍ مع أحد أصحابها العَديدين وقد أُصيبتْ بعدَهُ بنوْبة يأسٍ جعلتْها تُقدِمُ على الانتحار.. وقد وجَّهتْ الصَحيفةُ نِداءً إلى كل مَن زارَها أو قابلَها في اليوْمِ السابقِ للانتحار للاتصالِ بالمُحقِّق.. ولا أظُنُّني بمُستطيعٍ أن أصِفَ لكَ الصَدمةَ المُروِّعةَ التي أصابتني بعد أن قرأتُ الخبر. 

وإني لا أخشى أن أُتَّهمَ بشيء.. فلا أظُنُّ أن هناك مَن سيفكِّرُ في إلقاء التُهمةِ عليَّ.. بل لا أظُنُّني سأخطُرُ قَط ببالِ أحدٍ ممَّن حوْلها.. فما كانت علاقتي بها في نظرهم سوى علاقةٍ عابرةٍ طارئة. 

ليس هناك أحدٌ يُمكِنُ أن يتَّهِمَني.. إلّا إنسانٌ واحدٌ هوَ أنا. 

أنا يا أخي حَزينٌ ونادمٌ ويائِس.. حزينٌ عليها لأني ما زِلتُ أُحِبُّها.. لقد تبدَّدَ من نَفسي كُلُّ غَضَبٍ عليها.. بعد أن ذهبتْ من دُنيانا هذه.. وأصبحتُ أتلهَّفُ على رُؤيتِها وتقبيلِ يدِها مرةً واحدة.. وأتمنّى أن أجثوَ على جَدَثِها (قبرها) فأذرُفَ عليه الدَمْعَ مِدراراً.. ونادمٌ لأني أشعُرُ بيْني وبيْنَ نَفسي أنني السببُ في موْتِها. 

أتراهُ الغُرور الذي يَدفعُني إلى هذا الإحساس؟.. أتراها كانتْ تُحِبُّني وأني نزلتُ من نفسها منزلةَ مَن يدفعُها غضبُه عليها إلى الانتحار؟

مهما يكُن الأمر.. ومغروراً كنتُ أم غيْرَ مغرور.. فإن ندمي شديدٌ لأني واثقٌ من أنه حتى ولو لم أكُن الوحيدَ في حياتها الذي وَهبتْهُ نفسَها.. والذي فتحتْ له قلبَها، فإنني كنتُ الوحيدَ الذي  صدمَها برأيه فيها.. والذي واجهَها بحقيقةِ صورتِها.. وإني يائسٌ.. لأني لا أستطيعُ أن أفعلَ شيْئاً.. فلا أنا بمُستطيعٍ إعادتَها إلى حياتِها.. ولا أنا بمُستطيعٍ أن أسلوَ (أنسى) حُبَّها وأنساها.. ولا أنا بمُستطيعٍ أن أُكفِّرَ عن خطيئتي.. بل - حتى هذه الخَطيئة - لستُ بمستطيعٍ أن أُقنِع بها نَفسي. 

هل أخطأت؟ 

هل كنتُ السببَ في قتلِها؟ 

هل كانت ثوْرتي عليها هي التي أوْدَتْ بها؟ 

هل تراني كنتُ حقّاً شيْئاً هامّاً إلى هذه الدرجة؟ 

هل أنا المُجرِمُ الأوّل؟ 

أجِبني يا سيّدى.. إني حائرٌ تَعِس. 

أكرهُ أن أكونَ المُجرِم.. وأُحِبُّ أن أكونه. 

أكرَهُ أن أكونَ المُجرِمَ.. لأني أكرهُ الإجرام.. ولأني أكرهُ أن أكونَ السببَ في قَتْلِ هذه النَفسِ الحُلوةِ التي شَغَفتُ بها حُبّاً.

ولكني أعودُ فأتمنّى أن أكونَ المُجرم.. أتمنّى أن أكونَ حَقّاً الإنسانَ المُهِمَّ في حياتِها والذي أحبَّتْهُ إلى الدرجةِ التي يدفعُها غضباً عليها إلى الانتحار. 

أتمنى أن أكونَ كذلك.. حتّى أوقِنَ أنها كانت تُحبُّني، وألّا يكونَ

انتحارُها من أجلِ مخلوقٍ آخرَ في حياتِها.. لا أعلمُ عنه شيْئاً.. وألّا أكونَ لديهم إلّا نَسياً مَنسيّاً. 

أجِبني يا سيّدي.. أرِحني! 

هل أنا المُجرمُ الأوّل؟ 

ليتَني أكونُه. 

                                                                          المُخلص ع.ح.

*****

يا أخي ماذا أقولُ لَك وأنتَ تتمنّى أن تكونَ مُجرِماً حتّى تُرضي غرورَكَ وكِبرياءَك؟ خَلِّ عنك أوْهامَك.. أرِحْ نفسَكَ وانسَها.. غَفَرَ اللّٰهُ لك.. ولها.. وللمُجرِمِ الحقيقي.



(تــــــــــمَّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX