خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل قاتل (2)


الفتى العربي العاشق بين الفتاة الأمريكية وخطيبها جندي مشاة البحرية الأمريكي

رجل قاتل (2)



لقد قضيْنا معاً فترةً مليئةً بالبِشْر، حافلةً بالأُنسِ والمُتعة، فترةً مُختلَسةً من السعادة، مَسروقةً من النَعيم.. نِلتُ خلالَها من الفتاةِ أقصى ما يُريدُ رجُلٌ من امرأة، ثم عُدتُ بها في النهاية إلى بلدتِها وأنا مُتخَمٌ (ممتلئٌ من كثرة الشَبَع) ريّان (مُرتوي). 

ولا أكذِبُكَ القوْل إذا ما قُلتُ لك أنها لم تكُن المُغامرةُ الأولى، بل إن مُجرَّدَ قوْلي عنها مُغامرةٌ يُعتبَرُ مُغالاةً في القوْل.. فهذه النُزهاتُ مع الفتياتِ الأمريكيّاتِ كانتْ أشياءَ طبيعيّةً مُتكرِّرةً دائمةَ الحُدوث.. فقد كُنتُ أقضي معهنَّ يوْماً أو يوْميْن ثم أعودُ بهن إلى دورِهن أو بلدتهن.. فأُودِّعهن وينتهي بعدَ ذلكَ كل ما بيْننا ونقترق كأن لم يكُن بيْننا لقاءٌ ولا صِلة. 

لقد كانت صُحبَتي لهن دائماً تنتهي بفُرقةٍ عاجلة.. فإني بطبعي سريعُ الملل.. لا أكادُ أنالُ منهن مأربي (غرضي) وأقضي وَطَري (حاجتي) حتّى يضيقَ صَدري بهن، وتتملَّكني السآمةُ (المَلَلُ) من صُحبتِهن فأُسرِعُ بفُراقِهن. 

أمّا هذه.. فلدَهشتي الشديدة لم تكُنْ كالسابقات.. لقد لقيتُها كما لقيتُهن.. وفعلتُ بها ما فعلتُ بهن.. ومع ذلك فما ضاقَ صَدرى بها ولا أصابني منها مَلَلٌ ولا سآمة.. ولوْلا رَغبتُها في العودةِ لما رضيتُ بفُرقتِها.. على النقيض.. إني لم أكَد أنالُ منها ما نِلت.. حتّى ازدادتْ رَغبتى فيها، واشتدَّتْ لَهفَتي عليها.. واستعرَ في قَلبي الشوْق وتأجَّج (اضطرم واشتعل) الحَنين، ولم أُفارِقْها إلّا وأنا كارهٌ للفُرقةِ مُشفِقٌ على نَفسي منها. 

وودَّعتُها مُرغَماً.. ودَّعتُها جَسداً.. ولكني لم أودِّعها قَلباً ولا ذِهناً.. فقد أبَتْ صورتُها أن تُفارِقَ ذِهني.. وأبى رَسْمُها أن يودِّعَ قَلبي، وظلَّت على البُعد باقيةً حاضرة تُلِحُّ ذِكراها على نَفسي ٠٠ ويملأُ طيْفُها رأسي ويملكُ تفكيري. 

ووجدتُني أُفكِّرُ في مسألَتِها تفكيراً جَديّاً.. وأسموَ بها في هذا التفكيرِ عن كل مَن لقيتُ من غيرها من الصاحِبات العابِرات، وأجعلُ منها نسيجاً وَحدَها.. فيزدادُ بي التفكيرُ يوْماً بعدَ يوْم.. ويشتدُّ الحُبُّ والشوْق.. وتزدادُ خُطوطُ رَسْمِها عُمقاً في قَلبي وفي ذِهني حتّى تبيتَ وكأنها جُزءاً مني لا يتجزَّأ.. وتُصبحُ لديَّ شيْئاً حَيويّاً.. وانتهى بي الأمرُ إلى أن تَركَّزَ تَفكيري في نُقطةٍ واحِدة.. وهيَ الزَواج. 

أجل.. لقد سَمَوْتُ بها في تفكيري.. حتّى وضعتُها مني مَوْضعَ شريكةِ العُمْر.. وتوْأمِ النَفس. 

وذهبتُ إلى بيْتِها بعدَ أن عقدتُ النيّةَ على التقدُّمِ لخِطبتِها.. وفي بيْتِها لَقيَتْني مُرحِّبةً هاشّةً باشّة.. وقَدَّمَتْ إليَّ شابّاً في ثيابِ جُنود فِرقة الـ"مرنية" (مارينز البحريّة).. قَدَّمَتْهُ إليَّ على أنه فَتاها.. أو كما يقولونَ هُنا: عشيقُها. 

وباستفسارٍ بسيطٍ علمتُ أنها تعرفُه منذُ شُهورٍ طويلة.. وأنهما مُتَّفِقان على الزواج منذُ زمن.. وأصابتني من قوْلها صَدمةٌ شديدة.. وأحسستُ في صَدري بخليطٍ صاخبٍ من الغَضب والغيرة والفجيعة واليأس.. وقد أكونُ خاطِئاً في غَضبي وفي فَجيعتي.. وقد تكونُ المسألةُ برُمَّتِها شيْئاً طبيعيّاً.. كان يجبُ أن أنتظرَه وأتوقَّعَه لا سيّما ونحنُ في بلدِ التحرُّرِ والانطلاق.. ولا سيّما وأنا نفسي أنالُ ما أنالُه من الفتيات بمُنتهى السهولة.. ولكن ماذا أقولُ للقلب الأحمق المجنون الذي أبى إلّا أن ينطلقَ وراءَها ويتشبَّثُ بها... ويجعلُ منها شيْئاً مِلْكاً له خاصّاً به؟!.. ماذا أقولُ في النَفس اللَهفى والذِهن المخدوع الجاهل الذي أبى إلّا أن يُصوِّرَ منها مخلوقةً ساميةً لم تقعْ إلّا في حبائِلِه ولم تُفرِّطْ إلّا له. 

لقد كانت الصدمةُ شديدةً والطعنةُ قاسية.. لا لأن الفتاةَ ظهرتْ لي بما لا يجبُ أن تكونَ عليه.. بل لأنها ظهرت لي كما لم يُصوِّرها به الذِهن.. أنها هدمتْ قصورَ أوْهامي.. وقوَّضتْ عرشَ أماني.. وخذلتْ مَشروعاتي خِذلاناً شديداً. 

ولم أُفاتِحْها بالطبع في خِطبةٍ ولا زواج.. بل مكثتُ عندها هُنيْهةً واجِماً مُطرِقاً شارِداً.. ثم ودَّعتُها وانصرفت.. وعُدتُ إلى داري مُثقلَ النَفسِ بالهموم والأحزان، مُتعَبُ الذِهن، مَكروبُ الصَدر، وقضيتُ الليْل مُسهَداً أتململُ على الفِراش أزفُرَ جوىً (إحتراقاً من فرط الحُزن) ووَجْداً (انفعالاً من فَرطِ العِشق). 

وفي الصباح استقرَّ بي الرأيُ على أن أُلقي تلك الجَمَراتِ التي تتأجَّجُ في صدري، وأن أذهبَ إليها فأُفضي إليها بكل ما في نَفسي وأُلقى إليها برأيي فيها.. وألطُمُها كما لَطمَتني.. فذهبتُ إليها.. فلقيَتْني بنفسِ البَشاشةِ والترحيب، وخلوْتُ بها، وبدأتْني بالسُؤال عن سبب ذلك الحُزنِ والوجومِ البادي على وجهي.. فقلت لها في صوْتٍ مُرتَجف: 

  • أنتِ السبب. 

  • أنا؟! 

  • أجل أنتِ. 

  • إني لا أذكُر أني فعلتُ ما يُغضِبك!

  • بل فعلتِ ما مَزَّقني وحَطَّمني.. لقد خدعتِني وغَررتِ بي.. لقد بَدوْتِ لي أسمى وأطهرَ وأجملَ قلباً من سواكِ.. فوجدتُ نَفسي أتردّى في هاويةِ حُبِّكِ وأتشبَّثُ بكِ تَشَبُّثَ غريقٍ بلوْحٍ من حُطامِ سفينة.. واتعلَّقُ بكِ تَعَلُّقَ مَجنون.. لقد غَررتِ بي في اليوْميْن اللذيْن صحبتُكِ فيهما ومَنحتيني ما ظننتُ أنكِ خَصصتيني به وحدي، وبدا لي أنكِ أحبَبتيني كما أحببتُكِ ولم يخطُرْ ببالي أنكِ مَخطوبةٌ توشِكين على الزَواج.. حتى أتيْتُ بالأمسِ لأسألَكِ الزَواج مِني، ولكني وجدتُ أنني كنتُ عندَكِ مُجرَّدَ أداةِ لَهوٍ وتَسلية.. وأن صُحبَتَكِ لي كانتْ إحدى الخيانات المُتكرِّرةِ التي تُهدينَها إلى فَتاكِ المَحبوب وخطيبِكِ العَزيز.. لقد جِئتُكِ لأقولَ لك حقيقةَ رأيي فيكِ ولأعتذرَ لكِ عن الحُمقِ الذي دَفَعَني إلى أن أتوَهَّمَكِ بتلك الصورةِ التي توهَّمتُكِ بها.. وعن الغُرورِ الذي دفعني إلى أن أجعلَ منكِ نَسيجاً وَحدك.. وشيْئاً نقيّاً غيْرَ هذه القَذارةِ التي خُلِقتِ منها أنتِ وسواكِ.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX