خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل قاتل (1)


شاب يجلس على ضفاف نهر في الولايات المتحدة الأمريكية ويفكّر في الفتاة الأجنبية التي يحبها ويتخيلها

رجل قاتل (1)



"هل أنا المُجرم الأوّل؟" 

و"أنا" هذه بالطبع غيْرُ عائدةٍ عليَّ.. فما أنا بمُجرمٍ أوّلَ ولا ثانٍ ولا ثالث.. وما كانت لي بالجريمةِ المعروضةِ أيّة صِلة.. سوى صِلةِ العَرض والنُصح.

أمّا صاحبُ الرسالة.. وصاحبُ السُؤال، وصاحبُ الجريمةِ.. فهوَ الأخ "ع. ح." الطالبُ بأحد المعاهِدِ الأمريكيّة.. ولقد كتبَ لي من أمريكا.. ليطلُبَ المَشورة، ولمحتُ على الظَرف طابعَ بريدِ الولاياتِ المُتحدة وخَتْمَ بريد بنجامتون.. ولستُ أدري جنسيّته بوجهِ التحديد.. وإن كنتُ أُرجِّحُ أنه عِراقي.. فقد كتبَ إليَّ خِطابَه بتاريخ ٥ آب ١٩٥٠ وأنا دائماً يصلُني من أهل العِراق خطاباتٌ مؤرَّخةٌ بآب وآذار وغيرها من الشُهور المُحيِّرة التي حاولتُ حفظَها عبثاً. 

*****

وقرأتُ رسالةَ الأخِ وتوقَّفتُ أمام الخاتمة التي قال فيها: 

"كم أتمنّى أن تُجيبَني على سُؤالٍ يكادُ يكتِمُ أنفاسي ويُرهِقُ حواسي: هل أنا المُجرمُ الأوّلُ المسؤولُ عن مصرعِها؟ أم أن دوْري لم يكُن سوى دوْرٍ ثانويٍّ جعلتْه المُصادفاتُ يبدو رئيسيّاً ودفعتْه الظروفُ إلى أن يحتلَّ فيها مكان الصدارة؟! 

أجِبني صراحةً فإني أرزحُ (أُعاني) تحتَ عِبءٍ من الشَّكِّ ثقيلٌ مُخيفٌ ينوءُ به كاهِلي وينقُضُ (يوشِكُأن ينهارَ) به ظَهري. 

لن أُعطيكَ عُنواني.. فلستُ أُريدُ رداً خاصّاً.. بل دَعْها تكونُ قضيّةً عامّةً يشتركُ فيها قُرّاؤك.. ولا أظُنُّ هُناكَ مانِعاً لديَّ من نَشْرِ كل ما كتبتُ لك.. ومع أي تحويرٍ أو تصليحٍ توَدُّ إجراءَه بشرطٍ واحد، وهوَ أن تُبقي على أساس القِصّة". 

ولستُ أظُنني إلّا مُجيباً الأخَّ إلى مطلبه في نشر رسالته بلا تحويرٍ ولا تعديل.. اللهمَّ إلّا إضافة بعض التفاصيل التي تشوِّقُ القارئ، والتي أبى هوَ ذِكرَها في رسالته المُقتَضَبة خوْفاً من المَلل. 

ولقد اعتمدتُ في رواية تلك التفاصيلَ على التجارُب والخيال.. فعسى ألّا أكونَ قد جانبتُ الحقيقة.. فإن كنت فليعذرَني.. وليعتبرَ هذه الإضافة من بابِ التحويرِ والتعديل الذي سمحَ هوَ به، وليتفضَّل بعدَ ذلك مَشكوراً - إنْ كان ينوي أن يُقدِمَ على جريمةٍ أُخرى - أن يُرسِلَ لي كُلَّ التفاصيلَ عن جريمته الجديدة، وليتفضَّلَ كذلك كل قارئٍ غيْره يسألُني عرضَ قضيّته ويطلُبُ مَشورتي أن يذكُرَ هذه التفاصيلَ التي قد يعتبرُها تافهةً بلا خوْفٍ من مللٍ أو خشيةٍ من إسهاب (تطويل).

*****

سأكتُبُ لكَ قصةً حقيقيّةً جرتْ حوادثَها لغريبٍ في أمريكا ووضعَ القَدَرُ خاتمتَها منذُ أيّامٍ قَلائل.. وإن كان الشكُّ يُساوِرُنى في أنه ما زالَ لها بقيّة. 

إنها قصة طالبٍ من الشرقِ وفتاةٍ من الغرب، ألَّفَ بيْنهما ما لا يقفُ في سبيله شرقٌ ولا غرب!.. ولا يعترفُ بتقاليدَ ولا أجناسٍ ولا أديان.. ألَّفَ بيْنهما جامِحٌ جارِفٌ جبّار.. جامحٌ من الهَوى.. جارفٌ من الغَرام.. جبّارٌ من الحُب.. كنتُ أنا ذلك الشرقي وكانت هي تِلك الغربيّة. 

لقيتُها ذاتَ مرّة.. كيف؟.. وأيْن؟.. ومتى؟.. وماذا تهمُّ هذه الأشياءُ التافهةُ القيمةِ بالنسبة للقاءٍ فِعلاً؟ 

إن الزمانَ والمكانَ والظروفَ لم تعُد لها قيمتُها في حُب العالَم الجديد.. العالَم الصاخب السريع. 

لم ألقَها بالطبع في روْضةٍ غَنّاءَ فَيْحاءَ ذاتَ ليْلةٍ هادئةِ النَسيم، خَفّاقةَ النُجوم، يسترِقُ القَمرُ فيها الخُطى خلفَ منثورِ السَحابِ فيُرسِلُ أشِعتَه فِضيّةً مُتقطِّعة.. لم ألقَها بيْن عَبَقِ الزهورِ وشَدوِ الطيورِ وحفيفِ الوَرقِ.. لم ألقَها بيْن شيءٍ من هذا كله.. فلا فجرَ ولا سَحَرَ ولا طَيْرَ ولا زَهْر، ولا أيَّ أثرٍ لهذه الأشياءِ التي تُخرِجُ بها جَوَّكَ الشاعري في قصصك الغراميّة.. لم ألقَها في جَوٍّ شاعري.. بل لقيتُها في جَوٍّ عاديٍّ مَلىءٍ بالصَخَبِ والضَجيجِ والزِحامِ والمارّةِ والحركةِ والأصواتِ المُتنافرة. 

ومع ذلك فقد أرهفَتْ مشاعِرُنا.. تماماً كما لو كانَ اللقاءُ في الروْضةِ تحتَ القَمَرِ وبيْن الزهور. 

إن كل هذه أشياءٌ مُساعِدة.. أمّا الأصل.. أصلُ الهَوى والجَوى (شِدّة العِشق) فكامنٌ في الصُدورِ راقدٌ بيْن الحَنايا (الأعماق)، ولو وُضِعَ العُشّاقُ في الجَحيم لما كفَّت قلوبُهم عن الحُب. 

قَرَّبَ اللِقاءُ العابرُ بيْننا.. بأسرعِ ممّا يتصوَّرُ إنسان.. فقد صادفَ كُلٌّ مِنّا هَوًى في نَفسِ صاحبه، وكأننا قُطبان مغناطيسيّان مُتضادّان.. لم يكادا يتقارَبان حتى اندفعَ كُلٌّ منهما تجاهَ الآخر. 

وافترقنا على موْعد.. ثم التقيْنا في الموْعد.. وقضيْنا معاً في نيويورك يوْميْن وليْلتيْن لم يشعُرْ أحدُنا خلالَهما أنه يُصاحِبُ غريباً فرَّقتْ بيْنهما المَوْلِدُ والنشأةُ والتربيةُ والجِنسُ والدين.. وكأننا لم نلتَقِ بالأمسِ القَريب.. بل كان يحسُّ كُلٌّ مِنّا لصاحبه أنه رَفيقُ عُمْرٍ وزميلُ صِبا.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX