خبر
أخبار ملهلبة

مصير صرصار | توفيق الحكيم | الفصل الثاني: كفاح الصرصار (2)


سيدة تصرخ من المفاجأة والخوف

الفصل الثاني (2)

 

 

سامية: أرجوك .. دماغي وجعني! .. أريد أن آخذ حمّامي في هدوء .. في هدوء .. سامع؟! .. قلت لك ألف مرّة اشغِل نفسك بشيءٍ يا أخي! .. اقرأ جرائد الصباح .. أمسِك الإبرة والخيْط وركِّب أزرار قميصك .. جهِّز لنا الفطور ..

عادل: أجهز لكِ الفطور!؟ ..

سامية: بدلاً من كلامك الفارغ! ..

عادل (يجلس على سريره ويضع رأسه في كفيْه): آه ..

سامية: لماذا سكت؟! ..

عادل (في صمتٍ مطبق): .....؟! ..

سامية: "عادل"! ..

عادل (لا يرد ، وينهض يمشي في الحجرة): .....؟! ..

سامية: لماذا تسكت يا "عادل"؟ .. ماذا تفعل عندك؟ ..

عادل (لا يجيب ، ولكنه يقف أمام صورتها الموضوعة في برواز على المنضدة بجوار السرير): .....؟! ..

سامية: لماذا لا ترد يا "عادل"؟ .. أنت في الحجرة؟ ..

عادل: نعم .. في الحجرة ..

سامية: ماذا تفعل الآن؟ ..

عادل: أتأمّل صورتِك! ..

(يتأمّل الصورة فعلاً .. ولكن بغيظ، مشيراً بيده علامة مَن يريد خنقها .....)

سامية: تتأمّل صورتي؟! ..

عادل: نعم .. بحنان!! ..

سامية: أهذا وقته؟! .. قلت لك افعل شيئاً نافعاً! ..

عادل: مثل؟؟ ..

سامية: اذهب إلى المطبخ وضَع اللبن على النـار .. لحين حضور الطبّاخة .. بالمناسبة .. هل أدرت مفتـاح البوتاجاز؟ .. بعد قليل سأُشعِل سخّان الحمّام .. أنت سامع؟ ..

عادل: سامع ..

سامية: أسرِع ونفِّذ من فضلك! ..

عادل: حاضر .. هذا شيء غير طبيعي .. لا يمكن أن أكون أنا شخصا طبيعيّاً ..

(ويطرق عادل باب الحمّام .....)

سامية (وهي تنظِّف أسنانها بالفُرشة وتتمضمض): ماذا تريد؟ ..

عادل (صائحاً): أنا شخصٌ غير طبيعي! .. سامعة؟ .. غير طبیعي! ..

سامية: غير طبيعي؟ .. من هو؟ ..

عادل: أنا .. أنا غير طبيعي ..

سامية: مريض؟! ..

عادل: سأنفِّذ أوامرك .. البوتاجاز .. السخّان .. الحمّام .. السخّان .. الحمّام .. البوتاجاز .. السخّان .. الحمّام .. الحمّام .. الحمّام ..

سامية: بسرعة يا "عادل"! ..

عادل: حاضر ..

(ثم يذهب إلى التليفون الموضوع فوق منضدة، ويدير رقماً ويرفع السمّاعة)

عادل: ألو .. ألو .. "رأفت"؟ .. صباح الخير يا "رأفت" .. اسمع .. اسمع .. لا .. لا .. لست مضطرباً .. أتلاحظ أنت أني مضطرب؟! .. لا .. لا .. أبداً .. أنا .. أنا فقط .. قل لي .. هل استيقظت؟ .. آه .. طبعاً أنت مستيقِظ ما دمت تكلّمني .. لا .. لا .. أقصد هل دخلت الحمّام؟ .. دخلت! .. آه .. نعيماً .. لا .. لم أفعل شيئاً بعد .. بالعكس .. استيقظت مبكِّراً .. المسألة لها أصل .. قُل لي .. بمناسبة الحمّام .. نعم .. الحمّام .. هل زوْجتك .. لا .. لا مؤاخذة .. سؤالٌ سخيف .. لا .. لا شيء .. أنا فقط أردت أن أكلّمك لمجرّد .. لمجرّد .. لا شيء .. نعـم .. نعـم .. لا شيء على الإطلاق .. لا .. لا .. لا تنزعج .. أنا فقط .. فعلاً أشعر أني .. نعم .. لست على ما يرام تماماً .. لا .. المسألة ليست إلى هذا الحد .. سأنزل طبعاً .. نعم .. سنتقابل في المعمل كالعادة .. سامية؟ .. في الحمّام .. في الحمّام يا سيّدي .. في الحمّام .. سأبلغها سلامك .. لا .. لا تنشغِل .. أنا بخير .. بخير يا "رأفت" .. إلى اللقاء .. إلى اللقاء .. إلى اللقاء ..

("سامية" في الحمّام تحاول عبثاً إشعال السخّان طوال المحادثة التليفونيّة وأخيراً تفتح الباب عندما يكون "عادل" يضع السماعة .....)

سامية: كنت حضرتك تتكلم في التليفون .. وأنا حسبتك ذهبت إلى المطبخ تفتح البوتاجاز! ..

عادل: مكالمة مستعجلة ..

سامية: مع الشركة؟ ..

عادل: مع واحدة سِت ..

سامية: سِت؟! ..

عادل: نعم ست .. صديقة ..

سامية: أعرفها؟ ..

عادل: لا .. صديقةٌ جديدة .. إنسانةٌ لطيفة .. إنسانة! ..

سامية: متزوّجة؟ ..

عادل: لا طبعاً ..

سامية: من موظّفات الشركة؟ ..

عادل: لا .. بعيدةٌ عن هذا الجوْ .. سِت فقط .. سِت .. جميلة .. مهذّبة .. مطيعة .. متواضعة ..

سامية: "عادل" .. هذا الخيال البديع ليس وقته الساعة

عادل: خيال؟! ..

سامية: طبعاً خيال .. بعد خمس سنوات زواج؛ لا تريدني أن أعرف مَن أنت؟ ..

عادل: ومَن أنا؟! ..

سامية: لا تسألني كل ساعةٍ هذا السؤال .. لاحظ أني لم آخذ حمّامي بعد .. و لم أسرِّح شعري .. ولم أفعل شيئاً الآن إلا الحديث الفارغ مع زوْجى المحترم .. حتى السخّان لم أشعله .. لأنك تركت الجد، وقعدت تدردش في التليفون! ..

عادل: سبحان الله! ..

سامية (تشير له أن يذهب إلى المطبخ): تسمح؟! ..

عادل (وهو يتّجه صاغراً إلى المطبخ): وما الداعي إلى كلمة تسمح .. أنتِ عارفة أني سأصدع بالأمر ..

سامية (تفحص شعرها في المرآة): طبعا عارفة ..

عادل (من الخارج وهو في المطبخ): طبعاً .. ها أنا في المطبخ أفتح لك البوتاجاز ..

سامية: أشكرك .. (ثم تتّجه إلى السخّان في الحمّام وتشعله وهي تدندن ....)

عادل (من الخارج): وزجاجة اللبن بجوار الباب .. ها أنا آخذها وأضعها فوق النار .. توجد أوامرٌ أخرى؟! ..

سامية (تدندن): .....

عادل (يدخل وهو يمسح يديْه ويغني): وما نيْل المطالبِ بالتمنّي ..

سامية (تقترب من باب الحمّام): "عادل" .. ناولني البشكير من عندك ..

عادل (يناولها المنشفة): ها هو البشكير ..

سامية: والبُرنُس أيضاً ..

عادل (يقدِّم إليها البُرنُس): والبُرنُس .. والصابون عندك والليفة ..

سامية: زجاجة الكولونيا ..

عادل (يناولها زجاجة العِطر): والكولونيا ..

سامية: وعلبة البودرة ..

عادل (يناولها العلبة): .....

سامية: والآن اخرج أنت ..

عادل: خرجت ..

(تغلِق "سامية" باب الحمّام عليها وتخطو وهي تدندن نحو الحوض الكبير "البانيو"، وما تكاد تنظر داخلـه حتى تطلق صيْحةً عالية .....)

عادل (الجالس مُطرِقاً يهب مرتاعاً للصيْحة): ما الخبر؟! ..

سامية (تفتح باب الحمام صائحة): "عادل" .. "عادل" .. تعالَ بسرعة وانظر ..

عادل (وهو يتّجه إلى الحمّام): مـاذا؟ .. مـا الـذي حصل؟ ..

سامية (تشير له داخل البانيو): انظر! .. سامية

عادل (ينظر داخل البانيو): هذا صرصار ..

سامية: طبعاً صرصار .. لكن كيف دخل هنا؟! ..

عادل: كما تدخل الصراصير البيوت ..

سامية: أقصد في الحوض .. في البانيو؟! ..

عادل: ربما سقط من السقف ..

سامية: يحب تنظيف الحوْض حالاً .. لكن قبل ذلك لا بُد من قتله ..

عادل: قتله؟ ..

سامية: بسرعة .. عندك مبيد الحشرات في المطبخ ..

عادل: وأنا الذي أتولى قتله؟! ..

سامية: طبعا ..

عادل: طبعاً .. لكن .. انظري .. إنه سيخرج من تلقاء نفسه ..

سامية: إذا خرج من تلقاء نفسه يكون أحسن .. لأن قتله داخل الحوض يوسِّخ الحوض ..

عادل: نعم .. يحسن صُنعاً لو خرج بكل لطفٍ وأناقة .. حتى لا يوسِّخ لكِ الحوض ..

سامية: وبعد خروجه تتولّى أنت إبادته بعيداً ..

عادل: نعم .. بعيداً عنكِ ..

سامية (ناظرةً في الحوْض): لا يبدو عليه أنه سيتمكّن ..

عادل (ينظر مليّاً): إنه يحاول ..

سامية: لكنه يتزحلق ..

عادل: جدران الحوض ملساء ..

سامية: نعم .. كلما تسلّق عليها انزلق وسقط ..

عادل: لكنه يحاول دائماً ..

سامية: نعم .. ويعاود الكَرّة ..

عادل: بنفس الحركة ..

سامية (تتابع النظر): نعم .. نعم ..

عادل: انظري يا "سامية" .. إنه يتسلّق بكل قوّته الجدار الأملس ..

سامية: وها هو يتزحلق مرّةً أخرى .. ها هو يسقط إلى القاع ..

عادل: وها هو يهب ليعيد المحاولة ..

سامية: يصعد .. يصعد .. انزلق ... انزلق .. سقط ..

عادل: ألا تلاحظين شيئاً يا سامية؟ ..

سامية: ماذا؟! ..

عادل: إنها نفس المسافة .. دائماً! ..

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent