خبر
أخبار ملهلبة

الكونت دي مونت كريستو | ألكسندر دوماس (الأب) | الجزء الأوّل



الجزء الأول

 

 

الرُبـّان الشاب

في يوم ٢٤ فبراير سنة ١٨١٥ سجّل فنار "نوتردام دی لاجارد" اقتراب السفينة "فرعون" من الميناء قادمةً من "أزمير"، فـ"تریستا"، فـ"ناپولی" .. وحين دارت السفينة حول جزيرة "قصر إیف"، خرج قائدها إلى ظهرها وسرعان ما امتلأت أرصفة "سان جيرمان" بالمتفرّجين .. ولم ينتظر أحدهم وصول السفينة إلى الميناء، فقفز إلى زوْرقٍ صغيرٍ وانطلق به إلى عرض البحر للقائها هناك.

وكان على ظهر "فرعون" شابٌ يقف إلى جوار قائدها فلم يكَد يلمح راكب الزوْرق حتى ترك مكانه ومضى مسرعاً إلى حاجز السفينة حيث أطل منه ملوِّحاً بقبعته في صمت.

كان شابّاً وسيماً، طويل القامة نحيفها، تتراوح سِنّه بين الثامنة عشرة والعشرين، ذا عيْنيْن سوْداويْن وشعرٍ فاحم في لون جنـاحيْ الغُراب وفي هيْئته العامّة ما يدل بوضوحٍ على الهدوء والعزم المألوفيْن في الرجال الذين تمرّسوا بالأخطار منذ نعومة أظفارهم.

وصاح به الرجل الذي في الزوْرق وهو يدنو من السفينة:

-       أهذا أنت يا "إدمون"؟ .. ماذا جرى؟ ..ما سبب هذه الكآبة التي تبدو عليك؟!

فأجاب الشاب:

-       لقد أُصِبنا بخطبٍ جلل یا مسیو "موريل" .. فقد فقدنا عند "سيفيتا فيشيا" قائدنا الشجاع الكابتن "ليكلير" .. مات متأثّراً بالحُمّى المخيّة .. وكان منظر احتضاره رهيباً يُفتِّت الأكباد والآن حين تصعد إلى السطح سوف تجد في خدمتك مسيو "دانجلر" العامل المنوط به شحن السفينة .. وسوف يتكفّل بكل ما تريد.

وأمسك المسيو "موريل" - وهو صاحب السفينة - بالحبل الذي دلى إليه، ثم تسلّقه إلى ظهرها.

وكان "دانجلر" شابّاً في نحو الخامسة والعشرين من عمره، ذا وجهٍ مُنفِّر .. وكان مكروهاً من البحّارة بقدر ما كان "إدمون دانتيس" محبوباً منهم، فلمّا رأى صاحب السفينة ابتدره قائلاً:

-       هل سمعت يا مسيو "موريل" بالخَطْب الذي وقع؟ ... لقد كان القبطان "ليكلير" التعس بحّاراً من الطراز الاول .. وهذا ما أهّله لأن يضطلع بقيادة سفينةٍ تابعةٍ لمؤسّسةٍ لها مكانتها مثل مؤسسة "موريل وولده".

فقال له المسيو "موريل" وهو يرمق "إدمون دانتيس" بنظرةٍ ذات معنى:

-       هذا صحيح .. ويبدو لي أيضاً أن صديقنا "إدمون" - نائب القبطان - يفهم تلك التَبِعة جيّداً.

فقال "دانجلر" وهو يحدج زميله "إدمون" بنظرةٍ تفيض بالكراهية:

-       نعم يا سيّدي .. ولهذا لم يكَد القبطان يلفظ نَفَسه الأخير حتى تولّى هو القيادة دون أن يستشير أحداً .. ثم مكث بالسفينة يوْماً ونصف يوْم في جزيرة "إلبا" بدلاً من القدوم إلى "مارسيليا" مباشرةً!

{{{ملحوظة من "ابن أبي صادق": "إلبا" هي جزيرةٌ قريبةٌ من السواحل الإيطاليّة تم نفي "نابوليون بونابرت" إليها بعد هزيمته أمام جيش التحالف السابع الأوروبي في 1814 وتنازله عن العرش .. واعتبرته السلطات الفرنسيّة وعلى رأسها "لويس الثامن عشر" آنذاك العدو الأوّل لـ"فرنسا" .. فكان يتم التنكيل بكل مَن يؤيّده أو يتصل به في منفاه}}}.  

وهنا قال "إدمون دانتیس" مبرِّراً موقفه:

-       ألتمس المعذرة يا مسيو "موریل" .. وعلى أيّة حالٍ فالسفينة الآن تُلقي مراسيها .. وأنا في انتظار ما تأمر به.  

فقال "موريل":

-       ولكنني أريد أن أعرف لماذا توقّفتم في جزيرة "إلبا"؟

فأجاب "دانتيس":

-       كان ذلك استجابةً لآخر تعليمات القبطان "ليكلير" .. فقد أعطاني وهو يحتضر طرداً صغيراً كي أوصله إلى الماريشال "برتران" هناك.

{{{ملحوظة من "ابن أبي صادق": الماريشال "برتران كلوزيه" كان أبرز المقرَّبين لـ"نابوليون بونابرت" المناهضين لـ"لويس الثامن عشر"}}}.

-       لقد فعلت الصواب یا "دانتیس" بتنفيذك وصيّة القبطان "ليكلير" والتوقّف في "إلبا" .. ولو أن ذلك قد يجلب عليك المتاعب فيما لو علمت السلطات أنك قد حملت طرداً إلى الماريشال.  

-       وكيف يجلب ذلك عليَّ المتاعب يا سيدى .. وأنا لم أعرف شيئاً عن محتويات الطرد الذي حملته؟

-       هل لك أن تأتي لتناول العشاء معنا؟

-       شكراً لك يا سيدي على هذا الشرف الذي تسبغه عليَّ .. لكنني أرجـو التفضُّل بإعفائي من هذه الدعوة .. إن زيارتي الأولى ينبغي أن تكون لأبي.

-       إذن فسوف ننتظرك بعد أن تفرغ من زيارة أبيك.

واحمر وجه الضابط الشاب، ثم قال وهو يغالب حياءه:

-       مرّةً أخرى أرى نفسي مجبراً على الاعتــذار يا مسيو "موريل" .. فبعد الفراغ من هذه الزيارة تبقى أمامي زيارةٌ أخرى أنا في أشد الشـوْق إلى القيام بها.

فابتسم صاحب السفينة وقال:

-       أنت على حق یا "دانتیس" .. إن هناك من تترقَّب وصولك بلهفةٍ لا تقل عن لهفة أبيك .. وأعنى بذلك "مرسيديس" الحسناء.

وهنا ازداد احمرار وجه "دانتيس"، وقال في تلعثم:

-       أشكرك يا سيدي .. ولهذه المناسبة أرجو أن تسمح لي بأجازةٍ لبضعة أسابيع.

فقال له المسيو "موريل":

-       إذن أنت تعتزم إتمام زواجكما.

فأومأ "دانتيس" موافقاً وقال:

-       وسنسافر بعد ذلك إلى "باريس".

فقال المسيو "موریل":

-       حسناً .. لك الأجازة التي تريدها یا "دانتیس" .. على أن تعود بعد ثلاثة أشهر.

ثم ربَّت على كتف الشاب واستطرد قائلاً:

-       إن "فرعون" لا تستطيع أن تبحر بغير قبطانها.

فضغط الشاب يد صاحب السفينة وقال وقد اغرورقت عيْناه بالدموع لفرط تأثّره:

-       آه مسيو "موريل" .. إنني أشكرك باسم أبي واسم "مرسيديس".

وشد المسيو "موريل" على يد الشاب مهنئاً إيّاه على وظيفته الجديدة كقبطان، وقال له مودّعاً:

-       إنك شابٌ كفؤٌ طيّب القلب ولن أعوقك عن الذهاب الآن .. ولتصحبك السلامة.

وعلى أثر ذلك مضى "دانتيس" إلى شارع "دي نواي" في حي "لا كانا بيير"، وهناك دخل منزلاً صغيراً إلى يسار ممر "دي میان"، وصعد سلّمه المعتم عَدْواً إلى الطابق الرابع، حيث تمهّل أمام بابٍ نصف مفتوح، يری الناظر خلاله جميع محتويات الحجرة التي يفضي إليها وهناك في تلك الحجرة كان يجلس والد "دانتيس"، فما كاد يلمح ابنه حتى أطلق صيْحة فرح، ثم خف إلى استقباله واحتضنه مرتجفاً من شِـدّة الانفعال.

ولحظ الشاب شحوب وجه أبيه فسأله في انزعاج:

-       ماذا بك یا أبی العزيز؟ .. هل أنت مريض؟ .. أین تحتفظ بنبيذك؟

فأجاب الشيخ المسن:

-       لا فائدة من الإنكار يا بُنَي .. لم يعد عنـدي نبيذ.

فتساءل دانتيس وقد شحب وجهه:

-       ماذا؟ .. ليس عندك نبيذ؟ .. هل كنت في حاجةٍ إلى نقودٍ يا أبي؟ .. لقد أعطيتك مائتي فرنك حين رحلت منذ ثلاثة أشهر! 

-       نعم .. هذا صحیح یا "إدمون" .. لكنك نسيت الديْن الصغير الذي كان علينا لجارنا "کادروس" الخيّاط .. لقد ذكّرني به وأنذرني إن لم أدفعه فسوف يطالب به المسيو "موريل" .. وهكذا خشيت أن يصيبك الرجل بأذىً فدفعت له ديْنه.

فقال "دانتیس" متعجِّباً:

-       لقد دفعت كل الديْن الذي في ذمتي لـ"كادروس" .. دفعت له مائةً وأربعين فرنكاً.

فتمتم الأب المسن موافقاً، بينما واصل "دانتیس" كلامه قائلاً:

-       إذن فقد عِشت ثلاثة أشهر بستّين فرنكاً فقط؟! .. إن هـذا ليحزنني كثيراً یا أبی.

وسكت الشاب فجأةً إذ سمع وَقْع خُطی شخصٍ قادم، ثم ظهر "كادروس" عند الباب، وكان شابّاً في نحو الخامسة والعشرين من عمره تحيط بوجهه لحيةٌ سوْداء، وفي يده قطعةٌ من القماش يتهيّأ لحياكتها، ولم يكد يلمح "دانتيس" حتى ابتدره قائلاً:

-       أهـذا أنت يا "إدمون"؟ .. إنك فيما سمعت مستمتع بالحظوة عند المسيو "موريل" في هذه الأيّام .. لكنك أخطات برفض دعوته إلى العشاء .. فلكي يصير المرء قبطاناً ينبغي أن يتقرّب بالزُلفي إلى رؤسائه.

فأجابه "دانتيس":

-       أرجو أن أصير قبطاناً بغير هذه الوسيلة.

فقال "كادروس":

-       إن أصدقاءك القَدامي جميعاً على أية حال ستسرّهم هذه الترقية .. وأنا أعرف يقيناً مَن سيكون أشدهم سروراً.

فالتفت الأب الشيْخ إلى الخيّاط متسائلاً:

-       أتعني "مرسيديس"؟

وسارع ابنه إلى الاجابة قائلا":

-       نعم يا أبي العزيز .. ولهذا أرجو أن تأذن لي في أن أذهب لزيارة أسرتها الآن.

فقال أبوه على الفوْر:

-       هذا واجبٌ يسرّني أن تؤدّيه يا بُنَي العـزيز .. فلتبارك السماء لك في زوْجتك كما باركت لي فيك.

ثم عانق الفتى أباه وأوْمأ إلى "كادروس" برأسه وغادر المسكن، بينما مضى "کادروس" بعد لحظةٍ ليلحق بصديقه البحّار "دانجلر" الذي كان في انتظاره، فابتدره هذا قائلاً:

-       هيه؟ .. هل أشـار إلى أمله في أن يُعيَّن قبطاناً؟

فأجاب "کادروس":

-       لقد تكلّم عن هذا الأمر كما لو كان شيئاً مقرّراً.

فغمغم "دانجلر":

-       لو كان للإنسان أن يختار لآثر الغبي أن يظل حيث هو .. بل لآثر أن يهبط درجةً عن مرتبته الحالية.

ولمّا سأله "كادروس" عمّا يعنيه، أجاب قائلاً:

-       لا شيء .. كنت أحدِّث نفسي.

ثم تنهّد واستطرد قائلاً:

-       هل ما يزال يحب تلك الفتاة التي تنتمي إلى عشيرة "كاتالان"؟

فقال "كادروس":

-       نعم .. إنه ما زال يحبّها بكل مشاعره .. ولكن إذا لم أكن مخطئاً فسوف تثور عاصفةٌ في ذلك الحيْ .. فما من مرّةٍ رأيت فيهـا "مرسيديس" تأتي إلى المدينة إلّا كان معها شابٌ أسمر طويل القامة، مفتول العضلات، فاحم العيْنيْن، تبدو عليه الشراسة .. وهي تدعوه بابن العم.

فسأله "دانجلر":

-       متى يذهب "دانتيس" لزيارة فتاته؟

فأجاب:

-       لقد انطلق لأداء هذه المهمّة قبل أن أحضر إليك مباشرةً.

فقال له:

-       إذن يحسن أن نمضي الآن إلى هناك لنجلس في حانة "لا ريزرف" حيث نشرب قدحاً من نبيذ "مالقا" وننتظر ما يِجدُّ من الأنباء.

اتهامٌ خطير

كانت القرية التي تقطنها عشيرة "كاتالان" تقع على بعد مائة خطوةٍ من الحانة التي جلس فيها "دانجلر" وصديقه "كادروس" يحتسيان النبيذ، وكانت هذه العشيرة الغامضـة قد هاجرت منذ زمنٍ بعيـدٍ من وطنها الأصلى "إسبانيا" واستقرّت في تلك البقعة من الأرض الشبيهة باللسان الممتد في البحر، وقد لبث القوْم حوالي ثلاثة قرونٍ أو أربعة لا يختلطون بأهل "مرسيليا"، وإنما يتزاوجون فيما بينهم ويحافظون على تقاليد بلادهم الأصلية ولغتها وزيّها.

وفي بيتٍ من بيوت تلك القرية، كانت تجلس شابةٌ حسناء ذات شعرٍ فاحمٍ کالكهرمان الأسود، وعيْنيْن مثل عيْنيْ الغزال، وقد أسندت ظهرها إلى الجدار وعلى قيْد ثلاث خطواتٍ منها جلس على مقعدٍ هناك شابٌ طويلٌ في العشرين أو الثانية والعشرين من عمره، وأخذ يحدجها بنظراتٍ ملؤها القلق والحيرةـ ثم قال لها:

-       ها هو ذا عيد الفصح قد اقترب مرّةً أخرى يا "مرسيديس" .. فماذا ترين في مسألة زواجنا؟

فقالت له الفتاة:

-       لقد أجبتك عن هذا السؤال مائة مرّة يا "فيرناند" .. وما زلت أؤكّد لك أني أحبّك كأخٍ فقط .. وأرجو ألّا تسألني أكثر من هذا الحب الأخوي .. لأن قلبي مِلْكٌ لآخر .. اأت تعرفه .. وهو "إدمون دانتیس".

وهنا حدق "فيرناند" في وجه الفتاة ثم سألها وهو يصر بأسنانه:

-       واذا فرضنا أنه مات فماذا يكون رأيك؟

فقالت:

-       إذا مات "إدمون" فإني أموت أيضاً.

وفي تلك اللحظة هتف صوْتٌ طروبٌ من الخارج:

-       "مرسيديس" .. "مرسيديس"!

فصاحت الفتاة وقد تورّد وجهها غبطةً وكاد الحب يجعلها تقفز من مكانها:

-       آه .. هذا هو.

وعندئذٍ اندفع "فيرناند" إلى الخارج وقد شحب وجهه وارتجفت أوْصاله، وهتف يحدّث نفسه وهو يعدو ويشد شعر رأسـه كالمجنون:

-       أوه .. مَن يخلِّصني من هذا الرجل؟ .. يا لي مِن تعِس.

وفيما هو كذلك سمع صوْتاً ينادیه:

-       "فيرناند" .. "فيرناند"! .. إلى أين تعدو هكذا؟

فتوقّف الشاب فجأةً ونظر حواليه فرأی "کادروس" إلى منضدةٍ تحت تكعيبةٍ خشبيّةٍ خارج الحانة المجاورة للمنزل وقال "كادروس" وهو يومىء إلى صديقه:

-       أتری یا "دانجلر" .. إن "فيرناند" شابٌ شجاعٌ طيّبٌ من عشيرة "كاتالان" .. وهو يحب فتاةً تُدعى "مرسيديس" ولكن يبدو أن هذه الفتاة تحب نائب قبطان السفينة "فرعون".

وعندما انضم إليهما "فيرناند" قال في حسرةٍ وإحباط:

-       إن الأمر يكاد يدفعني إلى هاوية اليأس.

فقال له "كادروس":

-       لماذا تستسلم لليأس بدلاً من أن تفكّر في حلٍ لمشكلتك؟ .. لم أكن أعتقد أن هذا دأب عشيرتك؟!

فزفر "فيرناند" زفرةً حارّةً وقال:

-       إنني على استعدادٍ لأن أطعن خطيبها ذاك بسكين .. لكنها أكّدت لي أنه لو وقع له أي مكروه فستقتل نفسها.

وهنا قال "دانجلر":

-       هناك حلٌ ناجعٌ لا يقل أثره عن أثر موْت ذلك الخطيب .. لو أن جدران السجن مثلاً حالت بين "إدمون" و"مرسيديس" لأدّی هذا إلى انفصالهما ومنع زواجهما .. وهكذا ترى أن لا حاجة بك إلى قتله.

فتنهّد "فيرناند" مرّةً أخرى وقال:

-       ومن أين لي بالوسيلة التي تكفل إلقاء "دانتيس" في غياهب السجن؟ .. هل لديك هذه الوسيلة؟

فقال "دانجلر":

-       يُخيَّل إليَّ أنه بعد رحلةٍ كالتي قام بها أخيراً، وعرج فيها على جزيرة "إلبا" يمكن بسهولةٍ أن تزج به السُلطات الملكيّة في السجن بتهمة أنه من أتباع "بونابرت"

فهتف "فيرناند" متحمِّساً:

-       حسناً .. سأشي أنا به إلى السُلطات الملكيّة.

فقال "دانجلر" مقاطعاً:

-       كلا .. لو قرّرنا اتخاذ هذه الخطوة لكان الأفضل أن تأخذ هذه الريشة - كما أفعل أنا الآن - ونغمسها في هذا الحِبر .. ثم نكتب الاتهام الذي نتفق عليه باليد اليسرى كيلا يعلم أحدٌ بأن لنا يداً في الأمر.

ثم کتب "دانجلر" بيُسراه السطور التالية، وقرأها بعده "فيرناند" بصوْتٍ هامس:

-       من صديقٍ للعرش والدين إلى فخامة النائب العام لصاحب الجلالة الملك .. إن من يُدعى "إدمون دانتيس" نائب قبطان السفينة "فرعون" وصل هذا الصباح قادماً من "أزمير" بعد أن مر بـ"نابولي" و"بورتو فيراجو" .. وقد عهد إليه "مورا" بمهمّة حمل خطابٍ إلى الغاصب "نابوليون بونابرت" .. كما عهد إليه هذا الغاصب - حين اجتمع به - بحمل رسالةٍ منه إلى جماعةٍ من أنصاره ذوي الخطر في "باريس" وسوف تجدون الدليل الذي يثبت هذه الجريمة عند القبض عليه .. لأن خطاب الغاصب ما زال عنده أو عند أبيه إن لم يكن في غرفته الخاصّة بالسفينة.

ثم قال "دانجلر" معقِّباً:

-       هذا عظيم .. والآن يبدو انتقامك معقولاً .. فهو لا يمكن أن يرتد إليك .. وما علينا الآن إلّا أن نغلِّف هذا الخطاب ونكتب على المظروف "إلى النائب العام لصاحب الجلالة" .. وبذلك ينتهي كل شيء.

وما أن أتم "دانجلر" عبارته حتى كان قد انتهي في الوقت نفسه من كتابة العنوان، بينما قال "كادروس" مؤكِّداً:

-       نعم .. وبذلك ينتهي كل شيء.

وكان "كادروس" بالكاد قد استطاع - بعد إجهاد قواه الذهنية إلى آخر ما تحتمل - أن يفهم عبارات الخطاب أثناء تلاوة "فيرناند" إيّاه ويدرك مدى فظاعة النتائج التي قد يُفضي إليها مثل هذا الاتهام، فعاد يكرّر ما قال:

-       نعم .. بذلك ينتهي كل شيء .. لكنها ستكون فعلةً دنيئةً تجلب العار.

ثم مد الرجل يده محاوِلاً انتزاع الخطاب من يد "دانجلر"، فلم يمكّنه الأخير من الوصول إليه وقال له وهو يُبعِد الخطاب من متناول يده:

-       إن الأمر مزاح .. وإنني سأكون أوّل مَن يحزن إذا وقع أي مكروهٍ لصديقنا الهُمام "دانتيس" .. ولهذا فها أنا ذا أقذف بهذا الخطاب إلى الأرض بين المهملات والقاذورات.

ثم نهض "دانجلر" بعد أن ألقي الخطاب في ركنٍ من أركان الحانة، وأخـذ طريقه ومعه صدیقه "کادروس" عائديْن من حيث جاءا، وبعد أن مشيا خطوات التفت "دانجلر" إلى الخلف فرأى "فيرناند" ينحني ويلتقط الخطاب من بين القاذورات ويضعه في جيْبه ثم يمضي نحو المدينة.

زفافٌ إلى السجن

أُعِدت العُدّة في اليوم التالي لزفاف "مرسيديس" إلى "دانتيس"، وهناك في الطابق الثاني من حانة القرية التي اجتمع فيها المتآمرون في اليوم السابق امتلات الشرفة بالمدعوين إلى المأدبة قبل أن يحين الموْعد المحدَّد لها بساعةٍ كاملة، وكانوا خليطاً من بحّارة السفينة "فرعون" زملاء "دانتيس" ولفيفٍ من خاصّة أصدقائه، وقد ارتدي الجميع أحسن ثيابهم.

وحينما لاح موْكب العروسيْن هبط المسيو "موريل" ليستقبله إمعاناً في تكريم القبطان الجديد في أسعد مناسبات حياته، وتبعه جَمْعٌ من الجنـود والبحّارة، وكانوا قد علموا منه بنبأ اختيار "دانتيس" قبطاناً للسفينة "فرعون" خلفاً للقبطان "ليكلير"، فتضاعفت فرحتهم بهذا الاختيار.

وحين بلغت العروس منتصف المائدة الكبرى وقفت والتفتت إلى أبيها قائلة:

-       أرجو أن تتكرّم يا أبي بالجلوس إلى يمينى.

ثم أوْمأت إلى "فيرناند" بابتسامةٍ لطيفةٍ وقالت:

-       أمّا عن يساري فسأُجلِس ذلك الذي طالما كان بمثابة أخٍ لي.

وكأنما أثارت عبارتها وابتسامتها اللواعج الكامنة في صدر الفتى فشحب وجهه على أثر ذلك شحوباً مخيفاً و تقلّصت شفتاه، وبدا في منتهى الاضطراب.

وهنـاك في الجانب الآخر من المائدة كان "دانتيس" بدوره يتولّى معاونة ضيوفه الممتازين على الجلوس، فأجلس المسيو "موريل" إلى يمينه، و"دانجلر" إلى يساره ثم أومأ إلى بقية المدعوين فجلسوا حيثما راق لهم أن يجلسوا وفيما هم يأكلون قال "دانتيس" يخاطبهم:

-       أي أصدقائي الأعزّاء: يسرّني أن أخبركم أننا بفضل نفوذ المسيو "موریل" حصلنا على إذن بالتجاوز عن المهلة القانونية المشروطة لعقد القرآن .. وعلى هذا سوف ينتظرنا عمدة "مارسيليا" في الساعة الثانية والنصف في قاعة البلدية .. أي بعد حوالي ساعة .. ولن تمضي ساعةٌ أخرى حتى يتم الزواج .. وفي صباح غدٍ سأسافر إلى "باريس" لإنجاز المهمّة الموكولة إليَّ .. وسوف أعود إلى هنا في أوّل مارس .. وفي اليوم التالي سأقيم المأدبة الحقيقيّة للزواج .. حيث يسعدني أن أدعوكم جميعاً اليها منذ الآن.

وبعد حين سُمِع صوْت "مرسيديس" العذب وهي تقول:

-       هلا تحرّكنا؟ .. لقد دقّت الساعة الثانية .. ولم يبقَ إلّا رُبع ساعةٍ على موْعد الذهاب إلى البلديّة.

وفي تلك اللحظة سُمِعَت على الباب ثلاث طرقات، وصاح صوْتٌ عالٍ من الخارج:

-       افتحوا باسم القانون.

ثم فُتِح الباب ودخل منه محقِّقٌ من وكلاء النائب العام، يتبعه عددٌ من الجنود، وصاح المحقِّق على الفوْر:

-       "إدمون دانتيس" .. إني أقبض عليك باسم القانون .. وسوْف تُعلَن بالأسباب التي دعت إلى ذلك في بداية التحقيق.

وساد القاعة على أثر ذلك سكونٌ رهيب، ثم هبط "دانتيس" السُلّم خلف المحقِّق يتبعهما الجنود، وكانت أمام الباب عربة استقلّها برفقة المحقِّق واثنيْن من الحُرّاس، ثم درجت بهم العربة عائدةً إلى "مارسيليا" وصاح المسيو "موريل" ببقية المدعوين قائلاً:

-       انتظروني هنا جميعاً .. سأهرع إلى "مارسيليا" ثم أعود لأُنْبِئكم بالخبر اليقين عن تطوِّر الأمور.

وفي الوقت نفسه كان إلقاء القبض على "دانتيس" موْضع تعليقاتٍ مختلفة اللهجة من جانب بعض المدعوين، فقال أحدهم يسأل "دانجلر":

-       وما رأيك في هذا الحادث؟  

فأجاب "دانجلر":

-       أعتقد أن "دانتيس" لابد قد اتُهِم بتهريب مادّةٍ تافهةٍ من المواد الممنوع دخولها إلى هذه البلاد.

وهنا قال والد الشاب في صوْتٍ متهدِّج:

-       الآن تذكّرت .. لقد ذكر لي ابني المسكين أمس أنه أحضر لي صندوقاً صغيراً من البُن وآخر من التبغ.

وأخيرا هتف واحدٌ من المدعوين كان مُطِلّاً من الشُرفة:

-       أخبارٌ طيّبة .. أخبارٌ طيّبة .. هذا هو المسيو "موريل" قد عاد .. لا شك الآن أننا سنسمع منه نبأ الإفراج عن صديقنا "دانتيس".

وهُرِعَت "مرسيديس" والوالد الشيْخ ليستقبلا صاحب السفينة عند الباب ويستطلعا منه الأنباء، لكن هذا خاطب الحاضرين بقوْله في لهجةٍ جادّة:

-       إن الأمر قد اتخذ اتجاهاً أخطر ممّاكنت أظن أيّها الأصدقاء .. إن "دانتيس" مُتَّهَم بانتمائه إلى حزب "بونابرت"!

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent