خبر
أخبار ملهلبة

الكونت دي مونت كريستو | ألكسندر دوماس (الأب) | الجزء الثالث



الجزء الثالث

 

 

وبعد أن قضى السجينان فترةً يتشاوران في تأملٍ عمیق، هتف "دانتیس" فجأة:

-       لقد وجدت ما كنت تبحث عنه .. إن الممر الذي سلكته من زنزانتك يمتد هنا في اتجاه الرواق الآخر ولا يرتفع عنه أكثر من 15 قدماً .. وإذن ينبغي أن نثقب جدار الممر لفتح ثغرةٍ جانبيّةٍ في منتصفه .. وفي هذه المرّة ستضع خططك بحيث تجيء أقرب إلى الصواب .. فسوف نهبط في الرواق الذي وصفته فنقتل الحارس الذي يحرسه ونلوذ بالفرار.

-       لحظة واحدة يا صديقي العزيز .. لقد جعلت دأبي حتى الآن أن أُعلِن الحرب ضد الظروف لا البشر .. لم أجد بأساً أو خطيئةً ما في أن أثقب جداراً أو أحطِّم درجةً من سُلَّمٍ .. ولكني لا أستطيع إقناع نفسي بسهولةٍ بأن أثقب قلباً حيّاً أو أنتزع حياة .. فتعالَ زُرني في زنزانتي یا صديقي العزيز وسوف أُريك عملاً أدبيّاً كاملاً .. هو ثمرة أفكاري وتأمُّلاتي طيلة حياتي.

-       على أي شيءٍ كتبت مؤلَّفك هذا؟

-       على قميصٍ من قمصاني .. لقد اخترعت تركيباً يجعل التيل مثل ورق البرشمان في نعومته وسهولة الكتابة عليه.

-       ولكن .... ممَّ صنعت الحبر الذي كتبت به؟

-       كانت في زنزانتي يوْماً ما مدفأةٌ تغطّيها طبقةً كثيفةً من السناج (الهباب) فأخذت قليلاً منه وأذبته في جزءٍ من النبيذ الذي كانوا يُحضِرونه إلى كل يوْم أحد .. وأؤكد لك أن الحبر الذي نتج من هذا الخليط لا يُضارَع .. لكني في المسائل والملاحظات الهامّة كنت أخز إصبعي بإبرةٍ وأكتب بدمي ذاته .. اتبعني.

ومضى الراهب يتبعه زميله عبر الممر تحت الأرض حتى وصلا دون صعوبةٍ تُذكَر إلى نهاية الممشى الذي يُفضي إلى زنزانة الراهب .. وهناك في تلك البُقعة كان الممر يزداد ضيقاً بحيث لا يسمح بمرور أحدٍ منه إلّا إذا زحف على يديْه وركبتيْه.

وأخيراً بلغا قبو الراهب، فأخرج الراهب من أحد المخابئ ثلاث اسطواناتٍ من التيل مكتوبةٍ كلِّها، وقال لـ"دانتيس":

-       هاك المؤلَّف كاملاً .. لقد كتبت كلمة "النهاية" في آخر الصفحة الثامنة والسِتّين منذ نحو أسبوع .. فلوْ خرجت يوْماً من هذا السجن ووجدت في "إيطاليا" ناشراً له الجرأة على نشر ما كتبت فإن سمعتي الأدبيّة ستكون قد توطّدت نهائيّاً.

ثم عرض الراهب على "دانتيس" الريشة التي كان يستخدمها في الكتابة، وهي عصا صغيرة طولها سِت بوصات، رُبِط في طرفها غضروفٌ مأخوذٌ من رأس سمكةٍ وقد دُبِّب طرفه وشُق مثل الريشة العادية فقال له "دانتيس":

-       الشيء الذي يحيّرني هو كيف تعمل في ظلام الليْل؟

فأجابه "فاريا":

-       لقد فصلت الشحم من اللحم الذي يجيئني في الطعام .. وصهرته فنتج عنه زيْتٌ للوقود .. ثم صنعت لي مصباحاً صغيراً من قطعتيْن من الصوان وقطعةً من الكِتّان المحروق .. أمّا الثقاب فقد اضطّرني تدبير أمره إلى التظاهر بأني مصابٌ بمرضٍ جلدي .. ثم طلبت قليلاً من مادَّة الكبريت لهذا الغرض فجلبوها لي .. إنك لم ترَ بعد شيئاً من أفانيني.

ثم أزاح الفراش من مكانه فظهرت خلف أحد الأحجار ثغرةٌ في داخلها سُلَّمٌ من الحبال طوله يتراوح بين خمسةٍ وعشرين متراً وثلاثين متراً، وقد وجده "دانتيس" من المتانة بحيث يتحمَّل أي ثقل، فسأل زميله الراهب:

-       كيف صنعته؟

فأجاب "فاريا":

-       صنعته من أقمصتي التي مزّقتها.

ثم سد الراهب الثغرة بالحجر وأعاد الفراش إلى مكانه وقال:

-       هل لك الآن أن تروي لي قصتك أنت؟

وأخذ "دانتيس" يسرد له قصّته حتى أتمّها، فأطرق الراهب برهةً يفكِّر ثم سأله:

-       مَن الذي يستفيد من اختفائك؟ .. إن الأمر واضحٌ كالشمس .. لكن بساطتك وطيبة قلبك قد أخفيـا الحقائق عليك .. والآن: قُل لي .. هل كان "دانجلر" يعرف "فيرناند"؟

-       لا .... بل نعم .. فالآن تذكّرت أنني رأيتهما جالسيْن معاً في الليلة السابقة للزفاف .. وكان "دانجلر" يمزح في مرح بينما بدا "فيرناند" شاحباً قلقاً .. ولست أدري كيف لم أفكِّر في هذا الأمر من قبل؟ .. إني لأذكر الآن جيّداً أنه كان أمامهما على المنضدة حبرٌ وريشةٌ وورق .. يا للأنذال القساة القلوب.

-       هل ثَمّة شيءٌ آخر أستطيع أن أعينك على كشفه؟

-       نعم .. أريدك أن تعلِّل لي سبب إلقائي في السجن دون محاكمةٍ أو تحقیق.

-       هذا شيءٌ آخر .. إلى مَن كان ذلك الخطاب الذي أعطى لك في "إلبا" موجَّهاً؟

-       إلى مسيو "نوارتییه" رقم ۱۳ شارع "كوك هيرون" بـ"باريس".

-       "نوارتییه" .. "نوارتييه"؟ .. كنت أعرف شخصاً بهذا الاسم من الجيرونديّين أثناء الثوْرة .. وماذا كان اسم المحقِّق الذي استجوبك؟

-       "دي فيلفور".

وعندئذٍ أغرق الراهب في الضحك وقال:

-       كيف هذا؟ .. أَلَا تستطيع استنتاج شخصيّة "نوارتييه" هذا بعد أن حرص المحقِّق على اخفاء اسمه؟ .. إنه أبوه.

ولوْ أن صاعقةً كانت قد سقطت على "دانتيس" لَما كان أشد فزعاً منه لدى سماع هذه العبارة، وومض في ذهنه ضوءٌ خاطفٌ مباغت أضاء وأوضح كل ملابسات الموْقف التي كانت غارقةً في الظلام.

وحين عاد "دانتيس" إلى زنزانته ارتمي على فراشه، حيث وجده الحارس حين دخل عليه في المساء محملقاً في الفضاء صامتاً بلا حراك، لقد انتهى من تفكيره وتأمُّلاته الطويلة إلى قرارٍ مخيف أقسم لينفذنَّه ما وجد إلى ذلك سبيلا.

وأخيراً أفاق "دانتيس" من شروده على صوْت "فاريا" الذي جاء على أثر خروج سجّانه ليدعوه إلى مشاركته عشاءه، فقال له "دانتيس":

-       ينبغي أن تُعلِّمني بعض ما تعلَم .. على الأقل حتى لا تمل صُحبتي .. وأنا أعدك بألّا أُشير بكلمةٍ واحدةٍ بعد ذلك إلى الفرار من السجن.

فأجابه الراهب العلّامة متأوِّهاً:

-       إن المعارف البشريّة يا بُنيَّ محـدودةٌ داخل دائرةٍ ضيّقة .. فإذا علّمتك الرياضيّات والعلوم الطبيعيّة والتـاريخ واللغات الثلاث أو الأربع التي أتقنها حتى تضارعني في العِلْم فسوف يستغرق هذا حوالي عامين.

فهتف "دانتيس":

-       عامان فقط؟ .. أتعتقد أن عاميْن يكفيان لاستيعاب كل هذه العلوم؟

وفي تلك الأمسية وضع السجينان برنامجاً للدراسة، وفي اليوم التالي بدآ تنفيذه.

سر الكنز المفقود

في نهاية ذلك العام كان "دانتيس" - بفضل ما تعلَّمه - قد صار وكأنه خُلِق من جديد، لكنه لاحظ أن "فاريا" يزداد كل يومٍ كآبةً ووجوماً، وكأن فكرةً ما لا تفتأ تُلِح عليه وتطارده وذات يوْمٍ سمعه يقول في شرود:

-       آهٍ لو لم يكُن هناك ذلك الحارس الديْدبان.

فسأله متلطِّفاً:

-       هل فكّرت في وسيلةٍ لاسترداد حريّتنا؟

فقال:

-       نعم .. ولكن هل أنت قوي البِنية؟

فتناول الشاب إزميل الراهب وثناه بيديْه حتى صار كهيْئة حـدوة الحصان، ثم عاد فقوّم اعوجاج الإزميل حتى عاد كما كان، فبدا الاغتباط في وجه الراهب الحزين، ثم قال له:

-       هل تَعِدُني بألّا تصيب الحارس بأذى إلّا عند الضرورة القصوى؟

-       أعدك بشرفي.

-       إذن نستطيع أن نشرع في تنفيذ خطة الهرب .. وسوف تستغرق مِنّا حوالي عام.

وأخذ الراهب يشرح لـ"دانتيس" خطته، وهي تُلَخَّص في حَفْر نفقٍ تحت الممر الموصِّل بين زنزانتيْهما بنفس الطريقة التي تُحفَر بها المناجم، ثم الخروج من نافذةٍ قريبةٍ إلى جدار السجن الخارجي، ثم الهبوط إلى البحر بواسطة الحبل الذي فتله الراهب وجعل منه سُلَّماً.

وفي اليوم نفسه بدأ السجينان حَفْر النفق بنشاطٍ كبير توافر لهما بعد طول الراحة، مدفوعيْن بآمالهما في الحريّة والخلاص، ولم يكن يعوق عملهما غير حرص كلٍ منهما على العوْدة إلى زنزانته في الموْعد المناسب قبل زيارة السجّان النهاريّة أو الليْليّة.

وانقضى عام، وفي نهاية الشهر الخامس عشر تم حفر النفق، وصار السجينان يسمعان بوضوح صدى خطوات الديْدبان وهو يروح ويجيء فوْق رأسيْهما، ولم يبقَ أمامهما غير انتظار حلول ليْلةٍ حالكة الظلام کي يُنَفِّذا خطة الفرار.

وفي ذات ليْلة سمع "دانتيس" صوْت الراهب يناديه في حشرجةٍ تنم عن ألمٍ شديد، وكان قد تركه في زنزانته هو فخف إليه على عجلٍ ليجده واقفاً في وسط المكان، شاحباً شحوب الموْتى، وقد تصبَّب جبينه عرقاً و تقلَّصت يداه، وما كاد يراه حتى ابتدره قائلاً:

-       أصغِ إلى ما سأقوله بعناية .. إني مصابٌ بنوْبةٍ من نوْبات مرضٍ رهيبٍ قاتل .. وقد أصابتني النوْبة الأولى منه في العام السابق لاعتقالي وليس لها غير علاجٍ واحد .. فأسرع بربِّك إلى زنزانتي واخلع إحدى قوائم السرير تجد في داخلها قارورةً صغيرةً مملوءةً إلى نِصفها بسائلٍ أحمر .. أحضِرها إلىَّ بسرعة أو فلتأخذني أنا إلى فراشي لَئلا يفاجئني الحرّاس غائباً عن زنزانتي .. خُذني قبل أن أفقد ما بقي لي من قوّةٍ على جر ساقي.

وحين أرقد "دانتيس" رفيقه على فراشه قال له هذا وهو يرتجف:

-       شكراً لك .. إنى أوشك أن أصاب بنوْبةٍ كالصرع .. وحين تبلغ حِدَّتها قد تراني راقداً بلا حراكٍ كالميّت .. أو قد تزداد النوْبة شِـدّةً فتسبِّب لي تشنُّجاتٍ مخيفة .. فإذا حدث ذلك فاحرص على ألّا تبلغ صرخاتي مسامع أحد .. وإلّا فرّقوا بيننا إلى الأبد وأحبطوا كل خططنا .. وحين يبرد جسـدي ويسكن كالجُثّة الهامدة فعندئذٍ - وليس قبل ذلك - افتح فمي عُنوةً بسكينٍ أو نحوها .. واسكب في حلقي ثماني قطراتٍ أو عشراً من السائل الذي في القِنّينة .. وبذلك قد أُشفى من نوْبتي.

فتساءل "دانتيس" في لهجة المفجوع:

-       قد تُشفى؟

وفجأة صاح "فاريا":

-       النجدة النجدة إني أموت .. وبلغ من عُنف النوْبة أن المسكين عجز عن إتمام عبارته، وراح جسده يهتز هزاتٍ مخيفةً وتنطلق منه صرخاتٌ مروِّعةٌ كتمها "دانتيس" بوضع الغطاء فوْق رأسه، واستمرّت النوْبة ساعتيْن، استرد المريض في نهايتها هدوءه وسكن جسمه کالمیّت، وانتظر "دانتيس" حتى زالت منه كل علائم الحياة، ثم فتح فمه عُنوةً وسكب قطرات السائل في حَلْقه، وانقضت ساعةٌ والمريض لا يُبدي بادرةً من بوادر العوْدة إلى الحياة، وأخيراً صعد إلى خديْه لونٌ باهت، وارتد الوعي إلى مُقلتيْ العيْن، وبذل الراهب محاولةً متخاذلةً للتحرُّك، وحين استرد قُدرته على الكلام قال:

-       إن النوْبة الماضية لم تدُم أكثر من نصف ساعة .. وقد أفقت منها دون معاونةٍ من أحد .. أمّا الآن فإني عاجزٌ عن تحريك ساقي اليُمني أو ذراعي .. ورأسي ثقیل .. ممّا يدل على حدوث نزيفٍ دمويٍ في المُخ .. وأغلب الظن أن النوْبة الثالثة سوف تقضي عليَّ أو تُخلِّفني مشلولاً مدى الحياة .. بل أن هذه النوْبة التي انقضت قد حَكَمَتْ عليَّ بالبقاء رهن السجن بقية عمري .. فقد شُلَّت ذراعي نهائيّاً .. ارفعها واحكم بنفسك إذا كنت مخطئاً.

ورفع الشاب ذراع الراهب فلما سقطت من تِلقاء نفسها بحكم ثقلها قال له في أسى:

-       إذن فسوف أبقى أنا أيضاً.

ثم مسح بيده في رفق رأس الراهب المريض وأضاف قائلاً:

-       أُقسِم بكل ما هو مُقدَّس أن لا أتركك ما دمت على قيْد الحياة.

فنظر "فاريا" إلى صديقه الشاب نظرة شغفٍ وقرأ في وجهه توْكيـداً لإخلاصه المكين، فغمغم وهو يمد إليه يده:

-       أشكرك .. وأقبَل ما تَعِد به .. ولكن لمّا كنت لن أستطيع مغادرة هذا المكان فلا مناص من سد الثغرة التي في نهاية النفق .. خشية أن تنهار الأرض عندها بمُضي المدَّة فيُكتَشَف أمر ما دبَّرنا ويُفصَل بيننا مدى الحياة .. فامضِ وأتِم هذه المهمّة ولا تحضر إلىَّ غداً إلّا بعد أن يخرج السجّان من عندي .. فإن لديَّ أمراً على أعظم درجةٍ من الأهميّة أود الإفضاء به إليك.

وحين عاد "دانتيس" في صباح اليوم التالي وجد "فاريا" جالساً وقد بدت عليه الراحة، وفي يده اليُسرى ورقةٌ لوَّح له بها قائلاً:

-       انظر إلى هذه الورقة يا صديقي .. إن في وسعي أن أعترف لك الآن - بعد أن ثبت لي وفاؤك - بأن فيها مفتاح كنزي الذي يخصُّك نصفه منذ اليوْم .. لا تحسبني مخبولاً .. فهذا الكنز موجودٌ فعلاً یا "دانتیس" .. ولَئِن لم يُـتَح لي أن أظفر به فسوف يتاح لك ذلك .. والآن اقرأ هذه الورقة.

وكانت الورقة تحوي هذه الكلمات:

[[[في هذا اليوْم - الخامس والعشرين من أبريل سنة 1498 - دُعيت إلى العشاء عند صاحب القداسة البابا "ألكسندر السادس" .. وخشيةً من أن يطمع قداسته في أن يغـدو وارثي وأن يُخطِّط لي لألقى نفس مصير الكاردينال "كابرارا" والكاردينال "بنتيفو جليو" اللذيْن قُتِلا بالسم ليستولي هو على ثروتهما، أُعلِن هنا لابن أخ "جيـدو سبادا" وريثي الوحيد أني دفنت - في مكانٍ يعرفه هو وقد زاره معي وأعني به کهوف جزيرة "مونت كريستو" الصغيرة - كل ما أملك من المال والذهب والجواهر والأحجار الكريمة .. وهي ثروةٌ تُقَدَّر بنحو مليونيْن من الريالات الرومانيّة .. ويستطيع أن يجدها إذا رفع الصخرة العشرين من الأخـدود الصغير الواقع إلى الشرق على امتداد خطٍ مستقيم .. ولهذه الكهوف فتحتان والكنز يوجد في الزاوية البعيدة من ثانيتهما .. وهذا الكنز أتركه بأكمله له باعتباره وريثي الوحيد .... توقيع: "قيصر سبادا"]]].

وانتظر الراهب حتى أتم "دانتيس" قراءة الورقة ثم قال له:

-       هذه هي وصيّة الكاردينال "سبادا" التي عيَّن فيها مكان كنز الأسرة الذي حاول البابا "ألكسندر السادس" اغتصابه بقتل الكاردينال .. على أن هذا الكنز لم يعثر عليه أحد .. وقد كنت أنا سكرتير الكاردينال "سبادا" .. وهو آخر مَن حملوا هذا الاسم .. وبعد موْته اكتشفت هذه الورقة بين طيّات كتاب صلواتٍ خَلَّفه لي .. وقبل أن أصل إلى جزيرة "مونت كريستو" لأبحث عن الکنز تم اعتقالي .. فلو أننا هربنا يوماً معاً فسيكون لك نصف هـذا الكنز .. أمّا إذا مُتُّ هنا وهربتَ أنتَ وحدك فإنه سيكون لك بأكمله.

وتساءل "دانتیس" متلعثماً:

-       ولكن .... ألم يعد للكنز ورثةٌ شرعيّون في العالم غيرنا؟!

فقال "فاريا":

-       كلا .. لقد انقرضت أسرة "سبادا" .. علاوةً على أن الكاردينال الأخير منهم جعلني وريثه الشرعي .. فلوْ أننا وضعنا أيدينا على الكنز ففي وسعنا الاستمتاع به دون أدنى وخزٍ من ضمير .. وهو يساوى بعملتنا الحالية نحو ثلاثة عشر مليون ريال.

وخُيِّل إلى "دانتيس" أنه في حُلْم، فتأرجح  بُرهةً بيْن الفرح وعدم التصديق بينما استطرد "فاريا":

-       لقد كتمت عنك قصّة هذا الكنز حتى الآن کي أختبر خُلُقك ثم أفاجئك بها .. ولو كُنّا قد هربنا قبل أن تصيبني النوْبة لقُدتك بنفسي إلى جزيرة "مونت كريستو" فأنا أعدك بمثابة ابنٍ لي .. وقد أرسلك الله إليَّ کي تواسيني في الوقت الذي لم يعُد في استطاعتي أن أكون حُرّاً ولا والداً.

ثم مد "فاريا" ذراعه السليمة إلى "دانتيس" فأخذها الشاب بين يديه وانخرط في البكاء.

ولم يكن الراهب يعرف جزيرة "مونت كريستو"، لكن "دانتيس" كان يعرفها ، فلطالما مرَّ بها، وهي تقع على بُعد خمسةٍ وعشرين ميـلاً من جزيرة "بیانوزا" القريبة من الساحل الغربي لـ"إيطاليا" بين جزيرة "كورسيكا" وجزيرة "إلبا"، وقد كانت الجزيرة - وما تزال - مهجورةً تماماً، وهي صخرةٌ مخروطيّة الشكل تبدو كأنما قد قذفت بها قوّةٌ بركانيّةٌ من جـوْف المحيط، وقد رسم "دانتيس" خريطةً تقريبيّةً للجزيرة، وأدلى إليه "فاريا" ببضع نصائح تتعلَّق بطريقة البحث عن الكنز، ولكن كأنما شاء القدر أن يحرم المسجونيْن من فرصتهما الأخيرة فقد أعادت سلطات السجن بناء الجناح المطل على البحر، لأنه كان قد تهدَّم في كثيرٍ من المواضع، وسدَّت - بكتلٍ ضخمةٍ من الأحجار - تلك الثغرة التي أغلقها "دانتيس" مؤقَّتاً بناءً على نصيحة الراهب، وهكذا قام سَدٌّ جديدٌ منيع يهدم كل آمال السجينيْن في الفِرار.

الميّت الهارب

استيقظ "دانتيس" من نوْمه فجأةً على صوْت نداءٍ صادرٍ من زنزانة "فاريا" زميله الراهب السجين، فسارع إليه منزعجاً، وعلى ضوْء المصباح الصغير هناك رآه شاحب الوجه غائر العيْنيْن متشبِّثاً بقوائم السرير، وقد تقلَّصت قَسَماته بتلك الأعراض المخيفة التي ظهرت عليه في النوْبة السابقة، وقال له "فاريا" بصـوْتٍ خائر:

-       وا أسفاه يا صديقي .. أن النوْبة الفظيعة تعاودني .. ولن يمضي رُبع ساعةٍ حتى أكون ساكناً كالجُثّة الهامدة .. فافعل ما فعلتَه في المرّة السابقة .. ولكن لا تُطِل الانتظار .. فاذا رأيت - بعد أن تسكب في حلقي اثنتيْ عشرة قطرةً بدلاً من عشر - أنني لا أفيق فاسكب بقيّة محتويات القارورة أيضاً في فمي.

وأخذ "دانتيس" صديقه المريض بين ذراعيْه وأرقده على الفراش، وانتابت الراهب على الأثر تشنُّجاتٌ عنيفة، فرفع رأسه بمجهودٍ أخير، وهمس له:

-       "مونت كريستو" .. لا تنسَ "مونت کریستو".  

وحين قَدَّر "دانتيس" أن اللحظة المناسبة لإسعاف صديقه قد حانت فتح فكيْه وسكب بينهما اثنتيْ عشرة قطرةً ثم انتظر، وكانت القارورة تحوي بعد ذلك ضِعْف هذا القدر، وانقضت نصف ساعة دون أن يحدث أي تغييرٍ في حالة المريض فوضع فم القِنّينة بين شفتيْ الراهب القرمزيّتيْن وسكب ما فيها في حَلْقه، فأحدث الدواء أثراً مؤقَّتاً هز كيان المريض هزاً عنيفاً ثم عاد جسده إلى سكونه الأوّل، وظلَّت عيْناه مفتوحتيْن، وشيئاً فشيئاً سرت فيه برودة الموْت، وضعف نبضه تدريجيّاً حتى وقف آخر الأمر.

وكان موْعد مرور السجّان قد اقترب، فأطفأ "دانتيس" المصباح وأخفاه بعناية، ثم خرج إلى الممر السرّي وأغلق الثغرة بالحجر بكل ما وسعه من إتقان، وحين وصل إلى زنزانته لم يلبث أن سمع جَلَبة السجّان وهو يكتشف موْت السجين، ثم أصوات الحاكم وطبيب السجن والحُرّاس، وكان الحاكم يقول أن الراهب "فاريا" سوف يُدفَن الليْلة بكل تكريم في أحدث غِرارةٍ (جوالٍ من الخيْش يوضع به القمح) موجودةٍ بالسجن، ثم سمع "دانتيس" أصوات خطواتٍ وضجيجٍ أعقبه تحريك سرير الميّت وأصواتٍ أخرى مختلفةً مختلطة، وبعد حين هدأ كل شيء وعاد سكون الموْت يخيِّم على السجن، فتسلَّل "دانتيس" إلى الممر بعد أن أيْقن من خلو زنزانة صديقه من أي إنسان ورفع الحجر في حذر ودلف إليها، فوجد الجُثّة قد وُضِعَت في كفنها داخل غِرارةٍ من الخيْش استعداداً لإلقائها في البحر، وعندما رأی "دانتيس" ذلك المنظر - الذي يمثّل فراقاً أبديّاً عن صديقه الذي كان سلواه الوحيدة في سجنه - عاودته فكرة الانتحار التي كانت تراوده من قبل، فراح يذرع المكان جيئةً وذهاباً، وفجأة وقف إلى جوار الفِراش جامداً وغمغم:

-       يا إلهي .. ما الذي أوحى إليَّ بهذه الفكرة؟! .. فما دام أن أحداً غيْر الموْتى لا يخرج حُرّاً من هذا المكان فلآخذ مكان الميّت.  

ولم يتمهَّل ليتدبَّر هذا القرار اليائس، بل جذب الجُثّة خارج الغِرارة وحملها عبر النفق إلى زنزانته هو، حيث وضعها فوق فراشه ولف رأسها بالغطاء الذي يتدثَّر به أثناء نوْمه، ثم قَبَّل جبين صـديقه الوفي التَعِس وأدار رأسه نحو الحائط کي يحسبه السجّان نائماً حين يدخل في الزيارة التالية، ومرق عائداً إلى الممر حاملاً معه إبرةً وخيْطاً وسِكّيناً، وحين بلغ زنزانة الراهب دلف إلى داخل الغِرارة واتخذ الوضع الذي كانت عليه الجُثّة، ثم خاط الغِرارة من الداخل كما كانت.

وانقضى الليْل على هذه الحال دون أن يحضر أحد، وفي الساعة السابعة من الصباح بدأ عذاب "دانتيس" الحقيقي، ولم تستطِع يده التي وضعها فوْق قلبه أن تخفِّف من عُنف ضرباته الشديدة، بينما راح يمسـح بيده الأخرى قطرات العرق المتصبِّب على وجهه، ومن وقتٍ لآخر كانت تسري في جسمه قشعريرةً باردةً تعصر قلبه، حتى خُيِّل إليه أنه سوف يموت، وأخيراً سمع صدى خطواتٍ تدنو، فتذرَّع بكل ما بقي له من شجاعةٍ وحَبَسَ أنفاسه، ثم فُتِح الباب ودخل منه رجلان، بينما وقف ثالثٌ عند الباب يحمل مصباحاً بلغ ضياؤه الخافت عيْن الشاب عبر الغِرارة السميكة، وحمله كِلا الرجليْن من طرفيْ الغِرارة، وسمع أحدهما يقول للآخر:

-       إنها ثقيلةٌ هذه الجُثّة .. مع أن صاحبها كان عجوزاً نحيل الجسم!

فأجابه زميله:

-       يقولون أن وزن العظام يزداد بمقدار نِصف رَطْلٍ كل عام.

ثم سارت القافلة يتقدَّمها حامل المصباح، فصعد رجالها السُلَّم المؤدّي من القبـو إلى الطابق الأوّل، وفجأة أحس "دانتيس" هواء البحر الرطب المنعش يصدم جبهته، ثم وضعه حاملاه وهو في الغِـرارة على حاجزٍ وثبَّتا ثَقَلاً حديديّاً بقدميْه في عنفٍ كاد يُرغِمه على أن يصرخ من شِدَّة الألم، ثم عادا فحملاه واستأنفا السيْر حتى سمع اصطفاق أمواج البحر وهي تصدم الصخور التي يقوم عليها بناء السجن، ثم قال أحـد الحمّالين:

-       يا لها من ليْلةٍ باردةٍ لا تناسب الغوْص في البحر.

فأجابه الثاني:

-       إن الراهب سوف يصاب بالبلل.

ثم انفجر كِلاهما ضاحكيْن في وحشيّة، فوقف شعر رأس الشاب من الفزع، وعاد الأوّل يقول:

-       ها قد وصلنا أخيراً.

فاعترض زميـله قائلاً:

-       بل لنصعد بضع درجاتٍ أخرى .. فلعلَّك تذكر أن الميّت الذي ألقيْناه آخر مرّةٍ قد اصطدم بالصخور وعلق فوْقها .. فاتهمنا حاكم السجن بالإهمال .. خصوصاً بعد أن تحلَّلت الجُثّة ووصلت رائحتها النتنة إلى غرفته.

ثم صعدا خمس درجاتٍ أو سِتّاً وتوقَّفا أخيراً، وأحس "دانتيس" أيديهما تؤرجحه ذهاباً وجيئةً تأهُّباً لإلقائه في اليَم، وسمع أحدهما يقول:

-       واحد .. اثنان .. ثلاثة.

وفي هذه اللحظة شعر بهما يطوِّحان به في الفضـاء بقوّة فهوى من حالقٍ (ارتفاعٍ عالٍ) كالطائر الذبيح بسرعةٍ مروِّعةٍ جعلت دمه يجمد في عروقه.

وبدا له كأن سقوطه استمر قرناً من الزمان حتى اصطدم أخيراً بالماء البارد في عُنفٍ شديد أرغمه على إطلاق صيْحةً حادةً نَدَتْ عنه ولم يستطع أن يكتمها إلّا أنها اختنقت حين أصبح تحت الماء، وغاص في أعماق البحر يجذبه إلى قاعه ثَقَلٌ زنته سِتّةٌ وثلاثون رطلاً، وما لبث قليلاً حتى شعر بأنه استقر في قاع البحر في مقبرة سجن قصر "إیف".

وبرغم ما لقيه من الفزع خلال رحلته الرهيبة تلك إلّا أنه كان من حضور الذهن بحيث لم يكَد يغوص في لُجّة اليَم حتى مد يده اليُمني بالسِكّين إلى الغِرارة التي تحتويه فشـقَّها وأخرج ذراعه ثم جسمه، لكنه عجز برغم جهوده أن يُخَلِّص نفسه من الثَقَل الذي يجذبه نحو القاع، وأخيراً انحنى على نفسه وبمحاولةٍ أخيرةٍ يائسة قطع الرباط الذي يُثبِّت الثَقَل في قدميْه في اللحظة التي كاد فيهـا يموت مختنِقاً، ثم رفع جسمه نحو السطح بكل ما بقي له من قوّة، وحين بلغ سطح الماء جذب نَفَساً عميقاً من الهواء، ثم تعمَّد الغوْص في الماء مرّةً أخرى خشية أن يلمحه أحد زبانية السجن (السجّانين الغلاظ الشداد الموكل إليهم أمور تعذيب المساجين).

وحين برز فوق الماء مرّةً أخرى كان قد ابتعد عن البُقعة التي أُلقي فيهـا نحو خمسـين قدماً، وكانت تنبسط فوق رأسه سماءٌ سـوداء تنذر بالعاصفة، ويمتد البحر أمامه فسيحاً كئيباً رهيباً، وتزأر أمواجه وتُرغي و تُزبد، وخلفه كان يظهر السجن كالشبح حيث البناء الصـخري الموحِش الذي تمتد صخوره المدبَّبة كالأذرع التي تتأهَّب للانقضاض على فريستها، وفوْق الصخرة العُليا كان هناك ذلك المصباح الذي يحمله الرجليْن يضيء وجهيْهما، وخُيِّل إلى "دانتيس" أنهما الحمّالان اللذان قذفا به إلى البحر وقد سمعا صيْحته فوقفا يرقبـان ظهوره فوق صفحة الماء .. ولهذا لم يجد بُدّاً من أن يعود فيغوص ويبقى تحت اللُجّة أطول فترةٍ ممكنة، ولم يكن ذلك بالأمر العسير عليه وهو المشهود له بأنه أبرع سبّاحٍ في "مارسيليا" .. وحين برز فوق الماء مرّةً أخـرى كان المصباح قد اختفى.

واعتزم "دانتيس" أن يهرع نحو أقرب جزيرة، وكانت تبعُد فرسخاً عن قصر "إيف"، وبعد انقضاء أكثر من ساعةٍ في السباحة المتواصلة ضد الريح أحس ألماً حاداً في ركبته، فمد يده فإذا هي تصطدم بعائقٍ من الصخور، وبوثبةٍ أخرى بلغ شاطيء جزيرة "تيبولين" فتمدَّد هناك فوق صخور الجرانيت وهو يرفع إلى الله أحر صلوات الشُكر، ثم ما لبث قليلاً حتى راح في النعاس بعد أن نال منه الجهد - الذي بذله في الوصول إلى هناك - منالاً عظيماً.  

وبعد حوالي ساعة استيقظ من نعاسه على هزيم الرعد، وحين نهض كان البرق يضيء الظُلمة بومضاتٍ خاطفةٍ رأى على هديها زوْرقاً من زوارق الصيْد تتقاذفه الأمواج وقد تعلَّق أربعةٌ من رُكّابه بشراعه الممزَّق بينما تعلَّق الخامس بالدَفّة المكسورة، فاندفع "دانتيس" يعدو هابطاً الصخور، فلمّا بلغ الشاطيء لم يرَ للزوْرق أثراً.

وهدأت العواصف بالتدريج ثم أشرق النهار، فقال الشاب محدِّثاً نفسه:

-       بعد ساعتيْن أو ثلاث سوف يدخل السـجّان زنزانتي فيكتشف الحادث وتُطلِق سلطات السجن صفّارة الإنذار.

واستدارت عيْناه في اتجاه قصر "إیف" فلمح عن بعد سفينةً شراعيّةً صغيرةً من طراز سُفُن "جنوة" (مدينة وميناء بحري شمال "إيطاليا") قادمةً من ميناء "مارسيليا" فهتف جذلاً:

-       هل يُعقَل أن أكون بعد نِصف ساعةٍ على ظهرها؟! .. إن هؤلاء المهرِّبين الذين يرتدون مسـوح التُجّار سوف يفضِّلون أن يبيعوني على أن يقوموا بعملٍ إنساني .. لكني سأزعم أني بحّارٌ أوْشكت على الغرق في عواصف الليْلة السابقة .. وسوف يصدِّقون قِصَّتي ما دام أن أحداً لن يُفنِّدها أو ينقضها.

وحانت منه نظرةٌ إلى حيث غرق زوْرق الصيْد، فلمح غطاء رأسٍ أحمر من أغطية البحّارة متعلِّقاً بطرف صخرة وبضع قطعٍ من أخشابه عائمةً فوق الماء، وفي لحظةٍ رسم خطته: سبح إلى مكان غطاء الرأس حتى بلغه ثم وضعه على رأسه وتعلَّق بإحدى قطع الأخشاب الطافية واتّجه إلى حيث وقف في طريق السفينة المقتربة.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent