خبر
أخبار ملهلبة

هي (أو "عائشة") | هنري رايدر هاجارد | (33) رحلة العودة


الشيخ بلال كبير قبيلة خور في رواية "هي" للسير "هنري رايدر هاجارد"

(33) رحلة العوْدة

 


أذعنتُ لرأي "ليو"، ولكني قبل أن أقفز تحوَّلتُ نحوه وطوَّقتُ عُنقـه بذراعي وقبَّلته فوْق جبينه، وقلت:

-       الوداع يا بني .. أرجو أن ألقاك حيثما شاءت لنا الأقدار أن نلتقي.

ثم تراجعتُ إلى طرف الصخرة وانتظرتُ ريْثمـا هبَّت ريحٌ قويّةٌ فعدوْتُ بكل قوَّتي ثم وثبتُ في الهواء، ولكنني لم أصل إلى الهدف فقد زلَّت قدماي وكِدتُ أهوى من حالقٍ (مكانٍ مرتفعٍ للغاية) لوْلا أن تعلَّقتُ بإحدى يديَّ في طرف النتوء الصخري وتشبَّثتُ به، ولكن اتُفِقَ أن انزلقتْ يدي الأُخرى فدار جسمي حوْل نفسه نصف دوْرةٍ بحيْث صار وجهي مُتَّجِهاً نحو الصخرة التي قفزتُ منها وتركتُ فيها "ليو".

وهكذا بقيتُ مُعلَّقا بكرةٍ صخريّةٍ بارزةٍ تحت النتوء مباشرةً وفوْق تلك الهاوية السحيقة، وبدأ ضوْء الشمس الأحمر يخفت ويتضائل فحاولت أن أنتشــل نفسي وأتعلَّق بكِلتا يديَّ في الصخرة وأرفع جسدي إلى ما فوْقها، ولكن الموْضع الذي كنتُ فيه لم يُساعِدني على تحقيق هذه المحاولة اليائسة.

آه .. ما أشد الرُعب الذي تملَّكني في تلك اللحظات الرهيبة، فقد كنت أرى الموْت في ذلك الموْقف الشـاذ رأي العيْن، موْتاً مُروِّعاً لا يفصلني عنه إلّا أن تتلاشى قوَّة ذراعي التي أتشبَّث بها والتي بدأت تكل تدريجيّاً بسبب ثقل جسمي، وتسرَّب اليأس إلى نفسي وبدأتُ أرتجف.

وفي تلك اللحظة الدقيقة الفاصِلة سمعتُ "ليو" يصرخ، ثم لم ألبث أن رأيْته  يقفز كالنمر تحت تأثير خوْفه وقنوطه فنجح في الوصول إلى النتـوء، ثم انبطح على وجهه فوْق هذا النتوء ليتحاشى الانزلاق والتعثُّر، وعندئذٍ اهتز النتوء تحت تأثير ثقله، وفيما كان ذلك يحدث إذ رأيْت الصخرة التي قفزنا منها وقد اهتزَّت بعنفٍ ثم تدحرجتْ إلى الوراء حيث فقدت توازنها لأوَّل مرّةٍ في تاريخ الكهف وسقطت بسرعة، وكان لسقوطها دويٌ هائل، واستقرَّتْ في الغُرفة الصخريّة التي كان يعيش فيها الفيْلسوف "نوت".

وهكذا سُدَّ الطريق الذي كان يؤدّي إلى "ينبوع الحياة" إلى الأبد، وقد حدث كل ذلك في طرفة عيْن، ومن الغريب حقّاً أنني لاحظتُ ما جرى برغم حرج موْقفي.

وفي تلك اللحظة شعرتُ بـ"ليو" وقد قبض بكِلتا يديْه على مِعصمي، ثم قال بصوْتٍ رزینٍ هادیء:

-       دَع نفسك يا "هولي" .. وسأبذل قصارى جهدي لإنقاذك وإلّا سقطنا معاً .. هل أنت مُستعِد؟ 

فلم أُجِب ولكني رفعتُ يدي اليُمني ثم اليُسرى وتعلَّقتُ بذراعيْ "ليو" القويتيْن، وجذبني الشاب بكل قوَّته ورفعني كطفلٍ صغيرٍ إلى أن تعلَّقتُ بذراعي اليسرى حول النتوء واستطعتُ أن أرفع نفسي وأستقر فوْقه بعد ذلك بسهولة.

تمدَّدنا فوق النتوء والعرق البارد يقطر من جبينيْنا، وظلَّ جسدانا ينتفضان من هوْل ما لقينا إلى أن اختفي الضوْء وساد الظلام مرّةً أُخرى فمكثنا على هذه الحال نحو نصف ساعة، ثم شرعنا نزحف فوق النتوء وسط الظُلمة الحالِكة حتى اقتربنا من الأكَمة التي يبرُز منها حيث طالعنا نورٌ ضئيل إذ كان الليْل قد اقترب.

خفَّت حِدّة الرياح بعد ذلك فأسرعنا بقدر ما سمحت قوانا الخائِرة حتى بلغنا مدخل الكهف الأوّل أو النفق، ومن ثَمَّ اعترضتنا عقبةٌ جديدةٌ وهي مشكلة الظلام، ولمّا كنا نعلم أن البقاء في هذا المكان معناه الموْت المحتوم من الظمأ والبرد فقد آثرنا مواصلة السيْر مُعتمِدين على حاسّة اللمس.

وكم كانت تلك المتاعب التي لاقيْناها في الدهليز الأخير، كان هذا الدهليز حافلاً بالصخور، ففي كل خطوةٍ كنا نصطدم بها ونسقط فوْقها حتى سالت الدماء من معظم أجزاء جسديْنا، ولكن ذلك لم يفِت في عضدنا ولم يقعد بنا عن مواصلة الزحف ساعةً بعد أُخرى حتى أحسسنا بمـا يُشبِه الشَلل وغلب علينا النعاس فنِمنا حيث نحن، ولابد أن نكون قد قضيْنا مُدّةً طويلةً مُستغرقيْن في النوْم فقد كانت أعضاؤنا مُتصلِّبةً عندما استيْقظنا وتجمَّد الدم الذي سال من جروحنا.

واستأنفنا السيْر، فلمّا بدأ اليأس يستوْلي علينا لطول الشُقّة (المسير لمسافةٍ بعيدة) بزغ نور الفجر فألفيْنا أنفسنا خارج الدهليز من الطريق الضيِّق الذي ينحدر إليـه من سطح الأكَمة الخارجي.

وقد كان لخروجنا في ضوْء النهار والهواء المُنعِش الذي لفح وجهيْنا أثرٌ فعّالٌ في تجديد بعض قوانا وانتعاش آمالنا، وعلَّلنا نفسيْنا بقُرب النجاة.

قُلتُ لاهثاً:

-       لم يبقَ أمامنا غير خطواتٍ قليلةٍ لنصل إلى "بلال" إذا كان لا يزال في مكانه مع أتباعه .. فهَلُـمَّ يا "ليـو" واستجمِع قواك.

فأطاع وتوكَّأ كُلٌ مِنّا على ذراع صاحبه، ثم هبطنا الأكَمة ونحن نجر سيقاننا جرّاً حتى إذا بلغنا قاعدتها تهالكنا فوق الأرض من فرط الأعياء، وأخذنا نزحف نحو التل الذي ينتظرنا "بلال" فيه، ولم نكد نقطع نحو أربعين خطوةً حتى خَفَّ إلينـا أحد الخدم البُكم وأخذ يُطيل النظر إلى وجهيْنا في دهشةٍ وعجب، ثم رفع يديْه خوْفا ورُعباً وأطلق ساقيْه للريح حتى بلغ البُقعة التي ينتظر فيها رفاقه، وليس ثَـمّة ما يدعو إلى العجب لتصرُّف الرجل فلا ريْب أن منظرنا المُخيف قد هاله وأرسل الذُعر في قلبه، فقد ابيضَّ شَعر "ليو" الذهبي وتمزَّقت ثيابه وسالت الدماء من يديْه وانعكست على صفحة وجهه الجميل دلائل الإعياء المُضني وهو يجر نفسه فوق الأرض جَرّاً، وأمّا أنا فكنتُ أسوأ منه حالاً وقد زادت الأهوال التي لاقيْناها في دمامة وجهي حتى صار مُخيفاً، والعجيب في أمرنا بعد ما أصابنا أننا لم نفقد سلامة التفكير وخرجنا من هذه الأهوال بذهنيْن حاضريْن.

وبعد هُنيْهةٍ أقبل الشيخ "بلال" نحونا مُسرِعاً وصاح:

-       أيُّها البابون! .. أيُّها البابون! .. آهٍ یا بُنيَّ العزيز! .. أهذا أنت؟!

واتَّسعتْ حدقتاه فجأة وصاح دَهِشاً:

-       لماذا ابيضَّ شَعر الأسد (يقصد "ليو") كالثلج بعد أن كان كلوْن الحِنطة؟!! .. من أیْن جئتمـا؟! .. أیْن الخنزير (يقصد "جوب")؟! .. وأيْن "هي" التي يجب أن تُطاع؟!

فأجبته بصوْتٍ خافت:

-       ماتا .. لقد ماتا .. لا تُكثِر من السؤال .. أسعِفنا أوّلاً بالماء والطعام .. إننا نكاد أن نموت جوعاً وعطشاً.

فقال الشيْخ وهو يشهق:

-       ماتا؟!! .. هذا مستحيل .. كيف تموت "هي" التي لا تعرف الموْت؟!!  

وقد لاحظ الشيخ "بلال" أن أتباعه البُكم قد تكأكأوا (تجمَّعوا وازدحموا) من حوْلنا وراحوا يرقبوننا باهتمام فلاذ بالصمت، ثم أشار إليهم أن يحملونا إلى الخيام ففعلوا.

واتُفِقَ أن كان الرجال يُهيِّئون طعاماً فحمل إلينـا "بلال" منه ما سدَّ أرماقنا وأشبع بطوننا، وحينئذٍ أمر "بلال" رجاله أن يُزيلوا الأقذار والأتربة التي علقت بنا والدماء التي سالت مِنّا، ومن ثَمَّ تمدَّدنا فوق الحشائش الخضراء واستسلمنا لذلك النوْم العميق الذي يتلو إجهاد الجسم والعقل معاً.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent