خبر
أخبار ملهلبة

هي (أو "عائشة") | هنري رايدر هاجارد | (7) صعوداً مع النهر


رجال زنزج برابرة متوحشين من قبائل أفريقية

(7) صعوداًمع النهر

 

 

تأهَّبنا للرحيل عند الفجر، بيْد أنه ما كاد بصري يقع علی وجهيْ "جوب" و"ليو" حتى انفجرت ضاحكا، لقد توَرَّم وجهاهما من لدغات البعوض، أمّا أنا فكنت أحسن حالاً منها بكثير وذلك لخشونة جلد وجهي ولأن معظمه مُغَطَّى بالشعر.

وإذ طلعت الشمس فرفعنا الشراع وسِرنا في النهر، فلمّا انتصف النهار هدأت الريح واشتد الحَر فنزلنا إلى الشاطئ، وضربنا خيامنا ثم تغديْنا، وقرَّرنا البقاء في هذه البُقعة حتى صباح اليوْم التالي.

انقضى اليوْمان التاليان على هذه الحال، وفي اليوْم الخامس من رحلتنا – وكنا قد قطعنا حوالي مائةً وأربعين ميلاً من النهر - وقع لنا أوّل حادثٍ هام؛ ذلك أننا كنا قد بلغنا في فجر اليوم الخامس تُرعةً ذات عرضٍ ثابتٍ قدرة نحو خمسين قدماً تتَّصـل بالنهر الأكبر، وكانت هُناك بعض الأشجار مغروسةً فوق الشاطئ فاسترحنا تحت ظلالها، ولمّا كانت الأرض جافّةً في تلك البُقعة فقد انطلقت مع "ليو" لنصطاد بعض الطيور لطعامنا ونستطلع حالة المنطقة، لكن ما أن سِرنا نحو خمسين یاردةً فقط حتی أدركنا استحالة التقدُّم في النهر لتحوُّله إلى مستنقعاتٍ واسعة لا يزيد عُمقها على سِتّة قراريط، وعندئذٍ عُدنا أدراجنا، وسِرنا علي شاطئ النهـر الصغير الآخر، ولكن سرعان ما أدركنا من مختلف الإدِلّة أنه ليس بنهر، بل تُرعةٌ قديمةٌ من صُنع الإنسان، وكانت شواطئها وعُمقها على نَسَقٍ واحد، وقد نبتت الحشائش على جانبيْها.

أدركت أنه من العبث استئناف السيْر في النهر الأكبر وأنه لم يعُد أمامنا سوى أحد أمريْن: إمّا أن نسير في التُرعة أو نعود إلى المحيط، إذ لم يكن في استطاعتنا البقاء خشية الشمس المُحرِقة والأمراض الفتّاكة.

قلت:

-       أكبر ظنّي أنه يتعيَّن علينا السيْر في الترعة.

فأمَّن الجميع على قوْلي، وما أن قَرُبَت الشمس حتى أعملنا المجاديف في اليَم نحو ساعة، ولكن الأعشاب والحشائش أقامت في طريقنا سدّاً حتى تعذَّر علينـا تحريك المجاديف، فاضطررنا أن نلجأ إلى وسيلةٍ ثانيه؛ هي جذب الزوْرق، فكنت أنا من ناحية و"محمـد" من الناحية الأخرى نجذب الزوْرق في حين راح "ليو" وهو جالسٌ داخله يُزيل الأعشاب من طريقه بسيْف "محمد"، حتى إذا جَنَّ الليْل نمنا في الزوْرق، وفي الفجر استأنفنا عملنا إلى الساعة العاشرة حين داهمتنا زوْبعةٌ عاتية، ثم أمطرتنا السماء بماءٍ منهمر.

لا أراني بحاجةٍ إلى ذِكر تفاصيل رحلتنا في الأيّام الأربعة التالية، ويكفي أن أقول أنها كانت أتعس أيّامٍ قضيْتها في حياتي، وأنه لوْلا جرعات "الكينا" التي كنا نتناولهـا لقضت علينا الحُمى.

ظللنا على هذه الحال أربعة أيّام، ولكننا لم نستطِع الاستمرار، فقد أعيانا التعب وما بذلنا من جهد، ولم يعُـد في استطاعتنا جذب الزوْرق خطوةً أخرى، وخُيِّل إلينا أن أفضل وسيلةٍ ممكنةٍ هي أن نُلقي بأنفسنا إلى هذه المستنقعات، وأخيراً قرَّرنا أن ننام لنستريح.

غلبني النعاس مباشرةً فأغمضت عيْني واستسلمت لنوْمٍ مُضطَّرِبٍ لم ألبث أن أفقت منه مُنزعِـجاً على أثر حُلم مروِّع، ولكن سرعان ما انتفضت لمشهدٍ أكثر هوْلاً، فقد رأيت عيْنيْن واسعتيْن تحدقان في وجهي، فانبعثت واقفاً، وأخذت في الصراخ حتى استيْقظ رفاقي، نهضوا وهم يترنَّحون من تأثير الخوْف والنوْم معاً، ولكني لم ألبث أن رأيت حُساماً مسلولاً وُضِعَ فوْق عُنقي وخلفه رِماحٌ تلمع بشكلٍ مخيف، ثم سمعت صوتاً يقــول باللغة العربيّة:

-       لا تخافوا .. مَن أنتم الذين جِئتم تسبحون فوق الماء؟ .. تكلّموا وإلّا قتلناكم.

وضغط بالحُسام على عُنقي، فغاص قلبي بین ضلوعي وانتابني الذعر، وأجبت بالعربية:

-       نحن سائحون .. أتيْنا إلى هُنا مُصادَفةً.

ففهم قوْلي على ما يبدو، فرفع حُسامه عن عنقي ثم التفت إلى رجلٍ طويل القامة وسأله:

-       هل نقتلهم يا أبي؟ .. هم بيض اللوْن.

فأجابه صوْتٌ غليظ:

-       لا .. لا تقتلهم .. لقد تلقيْت أمراً من "هي" - التي يجب أن تُطاع - بألّا أقتل الرجال البيض الذين يأتون .. فهيّا احملوهم إلى بيت "هي" التي يجب أن تُطاع.

فبسط الآخر يده إليَّ وجذبني إلى الشاطئ، و في الوقت ذاته رأيت آخرين يفعلون برفاقي مثلما فعلوا بي.

رأينا على الشاطيء نحو خمسين رجلاً يحملون رِماحاً طويلة، وهم طوال القامة، سُمْر الوجوه، ضخام الأجسام، عرايا إلّا من قطعٍ من الجلد لُـفَّت حول وسطهم.

وفي تلك اللحظة حدث هرجٌ ومرج، ورأينا "محمداً" يسقط عند أقدامنا، وفي أثره رجلٌ رفع رُمحه، وهتف "محمد":

-       رُحماك يا إلهي.

فقال أحد الرجال:

-       هو ذا رجلٌ أسودٌ یا أبی .. فماذا قالت "هي" - التي يجب أن تُطاع - عنه؟

-       لم تقُل شيئاً .. فلا تقتله .. تعالَ هُنا يا بُني.

فتقدَّم منه الرجل، فأسرَّ إليه الشيْخ بصوْتٍ خافت لم نسمعه، ولكننا سمعنا "محمداًط يرد عليه قائلاً:

-       نعم .. نعم.

فقال الشيْخ آمراً رجاله:

-       حسناً .. إذن ائتوا بما أعددتموه للرجال البيض .. وخذوا معكم كل ما تستطيعون من ذلك الشيء الذي يعوم (يقصد الزوْرق).

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradent