وكانت الدِبلةُ الذهبيّةُ في عُنُق عُصفور (2)
وجلسَ في فراشه لا يعرفُ تفسيراً لِما حدث، ثم أنه لا يستطيعُ أن يستدرجَ النوْمَ إلى عيْنيْه، طارَ النوْمُ والعقلُ أيضاً، وراحَ يُفكِّرُ إنْ كانت هذه حيَلاً تقومُ بها هذه العجوز، ولكنه لا يُصدِّقُ ذلك ثم أن العجوز لم تستدرجهما إلى البيت وإنما هما اللذان ذهبا إليها، كما أنهما ليسا من الأغنياء ولا هيَ في حاجةٍ إلى مال ولا أحد سمعَ عن قصة هذا البيت، ثم أن هذا الطبيبَ رجُلٌ مُلحدٌ لا يؤمنُ بالأرواح ما في ذلك شك، إنه الدكتور ألفونسو روجيرو أشهر أطباء هذه المنطقة وهوَ الذي استدعاه البابا أكثرَ من مرّةٍ لعلاجه، كما أنه أيضاً من أشهر اللاعبين بالسيْف.
واتجه الطبيبُ إلى النافذة وفتحَها بشِدّة، وكانَ الجو دافئاً حتى أنه استطاع أن يرى - على ضوْء النجوم - حِصانه وهوَ ما يزالُ في مكانه، ثم نظرَ إلى غرفةِ زميله الطبيب فوجدها مُقفلة، ووضع أُذُنه على الحائط وعلى الدولاب فلم يجد أيّة حركة، ولم يكُن أمامه سوى أن يتمدَّدَ في الفراش وينتظر حتى يطلعَ النهار.
وفي الصباح جلسَ الطبيبان على مائدة الإفطار، واضحٌ تماماً أنهما لم يناما جيّداً، وقالَ أحدُهما للآخر:
هل عندك ما تقوله .. أو هل أقولُ لكَ أنا ماذا حدث لي؟
ردَّ عليه الآخر:
أنتَ أيضاً.
وأنت .. هل رأيْتَ نفسَ الشيء.
تماماً.
ولكنك لم تُحاوِلْ الاتصال بي.
لقد سمعتُك وأنتَ تروح وتجيء ولم تُحاوِلْ الاتصالَ بي .. فأدركتُ أنك استطعتَ أن تتحكَّمَ في أعصابِك.
لم أتحكَّم فيها بهذه السَهولة.
ولكنك استطعتَ على أي حال.
ثم سكتَ الاثنان، ولكن الدكتور ألفونسو قال:
أخشى أن أكونَ قد رأيْتُ شيئاً آخرَ غيْرَ الذي شاهدتَه .. ولذلك لا بُد أن أقولَ لك ما حدث .. أنا رأيتُ نصفَ فتاةٍ في الثلاثين من عُمرها!
هذا صحيح .. وأنا أيضاً.
ويبدو أنها تشكو من شيءٍ في صدرِها.
هذا صحيح .. فقد رأيتُها تضعُ يدَها على صدرها وتحاولُ أن تمنعَ سُعالاً عنيفاً.
صحيحٌ أيضاً.
وهل حاوَلَتْ تقبيلَك؟
لا أظُن .. فربما لم تعجبْها لحيتي.
وهل رأيتَ لحيتَك في المرآة؟
أبداً.
لم تبقَ منها شعرةُ واحدةُ سوْداء .. كلها قطعةٌ من الثلج.
ومدَّ يدَهُ وأخرجَ مرآةً من جيْبه ونظرَ إلى وجهه، لقد أبيَضَّ شاربُه ولحيتُه وكل شعر رأسه!
وجاءت العجوز وجلست ونظرتْ إليهما وهيَ تتأمَّلُ كلّاً منهما ثم قالت:
أُبادِرُ فأشكركما .. فلم يُحاولْ واحدٌ منكما إيقاظي وهذه أخلاقُ الرجال؛ بعض الرجال!
ثم عادت تقول:
إن ضابطاً كبيراً نزلَ في إحدى الغُرفتيْن .. وكان أكبرَ حِمارٍ عرفتُهُ في حياتي .. لقد استيْقظَ عند منتصف الليْل يصرُخُ كالأطفال ثم نزلَ هذا الوَقِحُ بملابسه الداخليّة وراحَ يُحطِّمُ بابَ غُرفتي فصحوْتُ من نوْمي الهادئ وعرفتُ منه أنه رأي نفس الشبح الذي ظهرَ لكما أمس.
ونظرَ الطبيبان كلٌّ منهما إلى الآخر في دهشةٍ وقال أحدُهما:
إذن كُنتِ تعرفين ما سوفَ يحدُثُ لنا.
طبعاً يا ولدي.
ولماذا لم تُخبرينا؟
أنتما الآن تعرفان .. فهل ستُغادران بيْتي؟
أعتقدُ ذلك.
ثم أشارت إلى الطبيب الآخر وسألتْه:
وأنتَ أيضاً؟
أعتقدُ ذلك.
ولكن ما الذي أصابكما؟ .. لا شيء .. شعورٌ ببرودةِ الجو واختناقٌ في الغُرفة .. ثم برودةٌ شديدةٌ في العُنُق .. وبعد ذلك يعودُ كل شيءٍ إلى ما كان عليه.
وهل يحدُثُ لكِ نفسُ الشيء؟
أظُنُّ ذلك .. ولكني تعوَّدتُ على كل شيءٍ هُنا .. إنني في بعض الأحيان أنهضُ من النوْم وأجدُ الدماءَ تسيلُ من يدي ولا أعرفُ السبب .. وأحياناً أجدُ النارَ تشتعلُ في ملابسي .. ولكن في مُعظَمِ الأحيان أجدُ ملابسي تماماً مثل ملابسكما.
وكيْفَ تجدين ملابسَنا؟
مقلوبة.
ونظرَ كل منهما إلى ملابسه فوجدها مقلوبة!، وضحكت العجوزُ وهيَ تنظُرُ إليهما وقد ظهرَ عليهما الخوْف فقالت لهما:
أعرفُ ماذا يدورُ في رأسِ كل منكما .. لا بُد أنكما تقولان أنني أيضاً واحدةٌ من هذه الأشباح .. صحيح أن شكلي كالشبح ولكني كائنٌ حَيٌّ مثل أي أحد .. وتعيسةٌ مثل معظم الناس .. وشُجاعةٌ مثل أقل الناس .. ولا أهابُ الموْت .. تماماً مثل الموْتى!
