خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | وكانت الدبلة الذهبية في عنق عصفور (1)


رسالة اعتراف تركها المنتحر بجوار جثته على شباك منزله المطل على الشاطئ ليبرر فيها سبب انتحاره

وكانت الدِبلة الذهبيّة في عُنُق عُصفور (1)



عندما فتحوا عليه بابَ غُرفته وجدوا هذه الورقة إلى جواره ويبدو أنه كتبَها بسُرعةٍ وأنه لم يُكمِلْ عبارتَه الطويلة لسببٍ غيْرِ واضح، ولكن الذي جاءَ فيها يكفي للدلالة على هذا الذي كان يغلي في داخله وعلى الأسباب التي أدَّتْ إلى ارتكابِ جريمةٍ لا ضرورة لها، فهو يقولُ في الورقة:

هذه الكلمات حفظتُها تماماً عن الشاعر الإيطالي العظيم دانتي  الذي يقول (وهُنا يدُهُ ترتجفُ بشِدّة وتتداخل بعض الحروف): "صحيحٌ أن الحُبَّ هوَ أبو الغيرة ولكن هذا الأب يجبُ أن يُحسِنَ تربيةَ ابنته هذه وإلّا قضتْ عليه، والغيرةُ شُعلةٌ من نارٍ ترتوي من دمائنا، وإذا كانَ الحُبُّ جريمةً فالغيرةُ هيَ أقصى العقوبة"، ويقولُ الشاعر دانتي أيضاً: "إذا كانت للحب عيْنٌ واحدة فإن الغيرةَ لها ألفُ عيْن، والموْتُ وحدُه هوَ الذي يُطبِّقُ هذه العقوبة، الموْتُ وحدُه هوَ الذي يفقأُ هذه العيون، هوَ وحده".

وهُنا يزدادُ اضطرابُ يدِه وحروفِه ولم يستطِع أحدٌ أن يقرأَ بقيّة العبارات!، كما أنه لم يتمكَّنْ من أن يكتُبَ التاريخَ كما هيَ عادته فهوَ مُدرِّسُ تاريخٍ في إحدى المُدُنِ المُجاورةِ لمدينةِ جِنوَة الإيطاليّة، ولكنه تاريخٌ لا يستطيعُ أحدٌ أن ينساه: يوْم ٧ ديسمبر سنة ١٨٩٩ صباحاً!

لم يكُن أحدٌ يعرفُ بالضبط ما هذا الذي جرى في البيْتِ الصغير على شاطئ البحر المتوسِّط بالقُرب من مدينة سانت مرجريتا على شاطئ الريفييرا الإيطاليّة، إنها الصُدفةُ فقط، فقد بيعَ هذا البيْتُ إلى واحدٍ بعد واحد حتى اشترته سيّدةٌ عجوزٌ مات أبوها وأخوها وأولادُها وانقطعتْ عن كل شيءٍ إلّا أحزانها، ولا يُمكِنُ أن يجدَ إنسانٌ حزينٌ مكاناً أفضلَ من هذا البيت الموحِش المُظلِمِ من الداخل أو البيت المُنطوي على نفسِه وحوْلَهُ كل شيءٍ جميل: الشاطىءُ والبحرُ وأشجارُ النَخيلِ والزُهورُ والورودُ والعُشّاق والأغاني والنبيذُ والتفّاح، الحياةُ كلُّها تدورُ حوْلَ هذا البيْتِ أو هذه المقبرة.

ولكن أحدَ أقاربِ هذه العجوز أقنعَها بأن تُنظِّفَ البيتَ قليلاً وتُعلِنَ عن رغبتِها في تأجيره لأي أحدٍ في موسم الصيف، وكانت هذه السنيورة بياتريشا ساليري زاهِدةً في الحياة، فلم يبقَ لها أحدٌ تعيشُ من أجله؛ لا أشخاصَ ولا مبادئ، وإنما هانتْ عليها الحياةُ والموْتُ أيضاً، ولم تعُد تفزعُ لشيءٍ أو تخافُ من شيء فهيَ قد صفَّتْ حسابَها مع الدُنيا كلّها وبقيَ أن يجيءَ عزرائيلُ ويعتمدُ هذه الحسابات ويُعلِنُ أنها لم تعُد مدينةً لأحدٍ بشيء، أي أنه من المُمكِنِ أن تموتَ وهيَ مُستريحة!

وجاءِها اثنانِ من الأطبّاء، ونزلَ كل واحدٍ في غُرفة، والغُرفتان مُتجاوِرتان وبيْنهما باب، والبابُ وراءه دولابٌ من هُنا ودولابٌ من هُناك، وقبل أن يأويَ كل واحدٍ منهما إلى غُرفته طلبتْ العجوزُ إليهما أن يفعلا كل ما يحلو لهما وأن يعتمدَ كلٌّ على نفسه فهيَ غيْرُ قادرةٍ على أن تُساهِمَ بأي شيء، وعلى الرغم من أنها مريضةٌ وهُما طبيبان فلن تُزعِجَهُما بشيء لأنها غير حريصةٍ على صِحَّتِها أو على أي شيء، ولكن ترجوهما فقط ألّا يوقِظَها أحدٌ قبلَ الثامنةِ صباحاً لأي سبب!

وكان لابد أن يسمعا من السنيورة بياتريشا هذه قِصّةَ زواجِها الأوّل، فروَتْ لهما كيْفَ أن زوْجَها كان رجُلاً قليلَ الذوْق أنانيّاً وكيف كان ينامُ والنَوافذُ مُغلقة مع أنها كانت لا تنام إلّا والنوافذُ مفتوحة ومع ذلك فزوْجُها هوَ الذي تُوفّيَ بالتهابٍ رئوي مع أنها نصحتْهُ كثيراً بألّا يفعلَ ذلك، ولكنه - ككل الرجال - حِمارٌ عنيد، ومع ذلك فهؤلاء الحَمير هم الذين يحكُمون العالَم!

ومن الذوْقِ أن يستمعا إليها وإلى قصصٍ أُخرى كثيرة فهيَ سيّدةٌ وعجوزٌ وصاحبة البيت أيضاً وليست فيها أيّة عيوبٍ أُخرى غيْر شهيّتها المفتوحة للَعْنِ الرجال في كل مكانٍ وفي كل عصر.

وفي الليْلةِ الأولى حدثَ ما جعلَ أحدَ الطبيبيْن يقفزُ من سريره ويُمسِكُ المصباحَ في يده ويخرُج من الغُرفة ولكن الحياءَ منعَهُ من أن يوقِظَ العجوز، فقد نامَ هذا الطبيبُ في ساعةٍ مبكِّرةٍ لأنه كانَ مُرهَقاً ولكن عند منتصف الليْل أحسَّ كأن النافذةَ قد أنفتحتْ وكأن هواءً بارداً قد اندفعَ من النافذة وكأن الهواءَ تحوَّلَ إلى سكّينٍ حادٍّ بارد ولسعه في عُنُقه فقفزَ من السرير ليجدَ أمامَهُ سيّدةً تقترب، هذه السيّدة هيَ التي تدفعُ أمامها هذا الزَمهرير،واقتربتْ السيّدةُ أكثر، ولاحظَ الطبيب أن هذه السيدة عبارةٌ عن نصف سيّدةٍ فقط؛ نصفها العلوي هوَ الواضح أمّا نصفها السُفلي فليس واضحاً أو لا وجودَ له، وقفزَ الطبيبُ من السرير ولكن السيدة اتجهت ناحية الدولاب ودخلته ثم اختفتْ، وأمسكَ الطبيبُ بالمصباح واتجه إلى الدولاب فوجده مُقفلاً تماماً، واتجه إلى باب غرفته فوجده أيضاً مُغلقاً من الداخل، ثم اتجه إلى النافذة فوجدَ أن الستائرَ مُسدَلةٌ والنافذةَ مُغلقةٌ من الداخل أيضاً، وحينئذٍ نظرَ في ساعته فوجدَها الواحدةَ بعد مُنتصَف الليْل.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX