ينمو الشجر في كف الحجر (3)
ومضتْ شهورٌ ولكن الفتاةَ لم تنسَ فسافرت إلى فرنسا وقيل أنها نسيَتْ هُناك، وبعثَ الأبُ بقريباتٍ لها يعرفنَ حالَها، وعادت القريبات وقلن إنها توشِكُ أن تنسى لكنها تُريدُ أن ترى الشجرةَ وكل شيءٍ سوْفَ ينتهي بعد ذلك!
ووافقَ الأب، وطلب إلى أحد رجاله أن يُرافِقَ ابنته فجاءت الفتاة إلى بيْتِها ثم ذهبتْ إلى الشجرة، وفي ساعةٍ متأخِّرةٍ من الليْل سمعَ الأبُ دقّاً على الباب فنهض وزُجاجةُ الخَمْرِ في يده وهوَ يترنَّحُ ويتساءل:
هل انتهى كل شيء؟
وسمعَ مَن يقولُ له:
كل شيءٍ يا سيّدي.
ويعودُ الأبُ فيسأل:
ولم يبقَ لها أيُّ أثر؟
نعم يا سيّدي.
قتلتَها؟
نعم.
ودفنتَها؟
نعم.
ورآك أحد؟
لا أحد.
أمتأكِّدٌ أنت؟
تماماً.
قتلتَ ابنتي بيديْك.
كما أمرتَني.
بيديْك؟
بالسيْف.
وصرخَتْ؟
لم تصرُخ.
وكيْفَ كانت عيْناها؟
كانتا تنظُرانِ في سعادة!
في سعادة؟!
نعم!
ولم تقُل شيْئاً؟
ولا كلمة!
ولا ذكرتْني؟
أبداً.
ولا حمَّلتْك رسالةً إلى أحد؟
لا شيءَ من ذلك.
ألم تنطِقْ باسمي؟
أبداً.
إنها قتلتني .. قتلتني .. لم أقتُلْها .. بل هيَ التي قتلتْني.
ثم سقطَ الأبُ وراءَ الباب وهوَ يقول:
كيْفَ قتلتَها؟
وراحَ الخادمُ يقولُ إنه أخذ الفتاة إلى الشجرة فلم تكَد ترى الشجرةَ حتى راحتْ تُعانِقُها وكأن الشجرةَ تحوَّلتْ إلى قطعةٍ من النار أو النور وانفتحتْ كأنها بابٌ في حائطٍ مُضيء، ثم ألقتْ بنفسِها على الأرض، ولم يعرفْ إن كان هوَ الذي قتلها أو كانَ معه سيْف أو أنه وجدَ السيْفَ هُناك، ولكنها - على أي حال - سقطتْ على الأرض ودمُها ينزِف، ثم دفنها بعد ذلك في مكانٍ بعيد، ولكن الأبَ لم يسمعْ من كل ذلك شيئاً فقد سقطَ مغشيّاً عليه!، ولم يعُد الناس يسمعون عن هذه الشجرة شيْئاً.
ومضت عشرات بل مئات السنين، وفي سنة ١٩٠١ تحوَّلتْ هذه المنطقةُ من إنجلترا إلى حقولٍ ونُزِعَتْ كُلُّ الأشجار إلّا هذه الشجرة، وسببُ ذلك أن هذه الشجرةَ قد أُحيطَتْ بعددٍ من الصُخور التي كانت على شكل كَف، وهذه الشجرة تنبتُ في كَفِّ الحَجَر وحوْلَها أشجارٌ أُخرى تنبتُ في كَفِّ الحجر، وبقيَتْ هذه الأشجارُ في مكانِها والناسُ يتفرَّجون عليها.
وفي أغسطس سنة ١٩٠١ جاءَ شابّان إلى هذه المنطقة يرسمان بعضَ اللوْحات، وجاءَ الليْل ورأي الاثنان أوراقَ الشجرِ تتحوَّلُ إلى قطعةٍ من النور ثم تتحوَّلُ جذوعُ الأشجار إلى فِتيانٍ وفتياتٍ يتعانقون في خِفّةٍ ومرحٍ وصمت، وبعد لحظاتٍ ينتهي كل شيء!
وفي اليوْم التالي جاء الشابّان ومع واحدٍ منهما سيْف، وفي الساعةِ المُحدَّدةِ خرجتْ الأضواء من الأشجار، وعندما أمسكَ الشابُّ بالسيْف في يده لم يجد السيْف، لقد طارَ وانغرسَ في قلوبِ العاشقين واحداً بعد واحد وتساقطَ العُشّاقُ على الأرض وبقيَ السيْفُ في مكانه، ومنذُ ذلك اليوْم لا يذهبُ أحدٌ ومعه سلاحٌ إلى هذه الأشجار، إنها منطقةٌ منزوعةُ السلاح، أو يجبُ أن تكونَ كذلك!
