خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | ينمو الشجر في كف الحجر (2)


الشابة العاشقة تنحني فوق حبيبها الذي سقط صريعاً على الأرض بعد أن طعنه أخوها بسيفه

ينمو الشجر في كف الحجر (2)



أمّا القِصّةُ فقد أصبحتْ معروفةً بعد ذلك، أو كانتْ معروفةً ولكن أحداً لا يجرؤُ على الكلام، فالقِسّيسُ يعرفُها والعمدةُ والبلادُ في هذه المنطقة من إنجلترا يعرفونَ أيضاً ماذا حدثَ لليدي دوروثي ابنة سير جون سوثورت أحد رجال الحاشية في عهد الملكة إليزابيث الأولى (١٥٣٣ - ١٦٠٣) ابنة الملك إدوارد الثامن من عشيقته آن بولين، وهذه الملكة إليزابيث كانت قاسية، فيها رجولةٌ صارخة وفيها أُنوثةٌ مُعقَّدة، ولكنها قادرةٌ على أن تلعب على كل الحبال السياسيّة والدينيّة، وكانت بارعةً في اختيار مُساعديها، وعندما ذهب سير سوثورث يروي لها أن ابنته ماتتْ في ظروفٍ غامضة حزنتْ الملكةُ وبكتْ ولكنها رَوَتْ له بعد ذلك القِصّةَ الحقيقيّةَ التي تعرفُها فشعرَ سير جون سوثورث بالخجل الشديد، فكيْفَ لها أن تعرفَ أنه هوَ الذي قتلَ ابنتَه، ولكن الملكة كانتْ تعرفُ وتسكُت، فإنْ تكلَّمتْ قُتِلتْ ولذلك كانت خائفة!

وهذا الرجل سير جون كانت له ابنةٌ اسمها دوروثي، أحبَّها شابٌّ من الأغنياء ولكن الأب لا يُوافِقُ على هذا الحُب بأي حال، مستحيل فهوَ رجُلٌ كاثوليكي وهذا الشاب بروتستانتي ولا يُمكِنُ أن يسمحَ لشابٍّ بروتستانتي أن يُحِبَّ ابنتَه ولا أن تُحِبَّه هيَ، ومستحيلٌ طبعاً أن يقتربَ منها أو يتزوَّجَها، إن موْتَها أهونُ من أيِّ شيءٍ آخر.

ولكن الفتاةَ أحبَّتْ هذا الفتى، وكانا يلتقيان في الغابةِ سِرّاً تحتَ هذه الشجرة، وبدأَ الناسُ يتكلَّمون ووصلَ كلامُ الناسِ إلى الأب مُتأخِّراً بعدَ أن أصبحَ الوهمُ حقيقة والحبُّ تعاقُداً على الزواج والزواجُ حقيقةً والأبُ والمجتمعُ والدينُ وَهماً، فلا حقيقةَ إلّا الحُب ولا بقاءَ إلّا للمُحبّين مهما كانَ الثمن. 

وتشجَّع العاشقُ - وكل العُشّاق شُجعان - وذهبَ إلى الأب‘ وفوجئَ الأبُ ودار بينهما هذا الحوار الذي يحفظُهُ الناسُ كما يحفظونَ الصلوات:

  • سيّدى .. أنتَ تعرفُ لماذا جِئت.

  • لا أعرف .. ولكني أُريدُ أن أعرف .. وصبري له حُدود.

  • أنا أُحِبُّ ابنتك .. وهيَ أيضاً تُحبُّني.

  • لا أسمحُ لها أن تُحِبَّك .. ولا أن تُحِبَّها.

  • ولكن الحُبَّ أقوى من الجميع.

  • أنا أقوى من الحُب .. والدين أقوى من الجميع.

  • الدين هوَ الحُب.

  • لا أسمحُ لبروتستانتي مثلك أن يدخُلَ بيْتي .. وإذا دخلَه لا أسمحُ له أن يبقى أكثرَ من ذلك.

  • إنك تُحطِّمُ قلبَ ابنتك.

  • قلبُ ابنتي ملكي وأنا حُرٌّ فيما أملك.

  • ولكنك لا تملك قلبَها.

  • ولا أسمحُ لأحدٍ أن يُعلِّمَني ما يخُصَّني.

  • أنتَ تبني سعادتَك على أوهام.

  • ولا أسمحُ أن يقولَ لي كلبٌ صغيرٌ مثلك هذه الكلمات الطائشة .. ولا شيءَ يُسعِدُني إلّا خروجُك فوْراً.

  • سأخرُجُ ولكن يجبُ أن تعرفَ أن في ذلك شقاءً لقلبين وقضاءً عليهما.

  • أنتَ تتحدَّثُ عن نفسِك .. أُخرُجْ يا كلب يا كذّاب.

  • لم أكذبْ عليك .. إنما أنت الذي تكذب على نفسِك .. وتجعلُ سُلطات الأب بلا حدود .. ولكنك سوْفَ تندم.

  • أُخرُجْ! .. إنني أندمُ فِعلاً لأنني سمحتُ لحقيرٍ مثلِك أن يُدنِّسَ بيْتي! .. أُخرُج!

وخرج، وتحوَّلَ البيْتُ إلى سجنٍ وأصبحَ مُحرَّماً على ابنته دوروثي أن تخرُجَ أو تدخُل، وفكَّرَ الأبُ في أن يُدخِلَها الديْر، وكان ذلك هوَ الحَلُّ السهل لمشاكلَ القلوبِ العاشقة، ولكن جاءَ مَن يهمسُ في أًذُنه ويقول له: "بل إذا ذهبَتْ إلى الديْر فسوف يكونُ اللقاءُ أسهل .. هل نسيتَ ما فعلتْهُ ابنة اللورد وابنة الكونت"، ويتذكَّرُ الأبُ أن بنات الديْر أكثرَ حُريّةً من بنات البيوت في ذلك الوقت وفي كل وقت، فيكتفي الأب بأن يسجنَ ابنته، ولكن كل مَن في البيْت يعطِفُ على الفتاةِ الجميلة التي لم تفعلْ جُرْماً بل فقط أحبَّت، وكان خروجُها من السجن أسهلَ من أي وقت، وكانَ البيْتُ كله يتستَّرُ عليها، فكانت الفتاةُ تلتقي بحبيبِها كُلَّ ليْلةٍ تحت الشجرة.

وعَلِمَتْ الابنةُ أن والدَها سوْفَ يُسافِرُ إلى لندن لبضعةِ أيّام، وكانت فَرِحةً واتفقَتْ مع حبيبها على الهَرَبِ والزواجِ في أي مكان، وجلسا تحتَ الشجرةِ يُناقِشان كل شيء واتفقا، وفرّقهما الليْل ولكن الفتاةَ لم تنَم، لقد ظلَّتْ طولَ الليْلِ تُرتِّبُ فساتين الزفاف وما بعده، وأحسَّتْ أنها عروسٌ منذ اللحظةِ التي اتفقا فيها على الزواج، وأقفلَتْ عيْنيْها حتى لا ترى سواه، وضمَّت يديْها إلى صدرها تُعانِقُه، وما إنْ طلعَ النهار حتى كانتْ في غُرفتِها قد ارتدت ثوْبَ الزفاف، وعندما فتحتْ بابَها كانتْ كل أبوابِ البيْتِ الأُخرى مُغلقة، فقد أفسح الخَدَمُ لها الطريق وكانت قلوبهم تدُقُّ وراءَ الأبواب وتدعو لها بالسعادة، وخرجتْ إلى الغابة وكانت الأشجارُ هيَ الأُخرى لا تتحرَّك كأنها في حالةِ خُشوع، لا صوْت، لا هَمْس، لا هواء، لا شيء، قلبُها يدُقُّ كأنه قلبُ الكوْن، وعند الشجرة وجدتْ حبيبَها ومعه اثنان من أصدقائه، اقتربتْ منه وأعطته يدها فانحنى عليها، عندئذٍ انغرسَ سيْفٌ في قلبه، لقد كانَ أخوها يختفي وراءَ إحدى الأشجار وقد سمعَ اتفاقَهما على الهرب والزواج، ولم يكُن العاشقُ يحملُ سلاحاً ولا صديقاه ولكن أخاها قتلَ العاشِقَ وقتلَ صديقيْه، وفي الليْل دُفِنَتْ ثلاثُ جُثَث، أمّا الفتاة فأُغميَ عليها تماماً ولم تفُق إلّا في اليوْم التالي، وعندما أفاقتْ صرختْ، وعندما عرفتْ ماذا حدث بكتْ وفقدت وعيَها مرّةً أُخرى!

ولا بُدَّ أن أخاها قد توهَّمَ بفروسيّته الزائفة أن هذا العمل العنيف سوف يُرضي أباه وسوْف يجعلُه كبيراً عنده، ولكن الأب عندما جاء قرَّرَ أن يبعثَ بابنته إلى الخارج في رحلةِ نسيان، هوَ ينسى ولعلّها هيَ تنسى أيضا، وعرفتْ الملكة إليزابيث بالأمر فسكتتْ فهيَ لا تُريدُ أن تصبغَ بالدم هذه العلاقات بيْن الطوائفَ الدينيّة.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX