خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | ينمو الشجر في كف الحجر (1)


شابان يجلسان تحت جذع شجرة العشاق ويراقبان الأشباح والأرواح التي تظهر عندها في عتمة الليل

ينمو الشجر في كف الحجر (1)



الناسُ يُحبّون المُحبّين العاشقين ويعطفون عليهم، ومن هذا الحُب والعطف أصبحتْ للمُحبّين هذه القصصُ الكثيرةُ في حياتِهم وبعد وفاتِهم، وكثيراً ما وجدَ المُحبّون أنفسَهم في هذه المِحنةِ بيْن الوفاءِ للحُب وبيْن الطاعةِ للأب أو الأُم أو الانحناء أمامَ المُجتمع، والمُجتَمعُ أقوى ولكن الحُبَّ أبقى، وكثيراً ما تمنّى المُحِبّون الموتَ لأنه أرحمُ من الحياة ولأنه يجمعُ المُحبّين مرّةً أُخرى وراءَ هذه الحياة وبعيداً عن عيونٍ لا ترحَمُ وألسنةٍ لا تشبعُ من النميمة عليهم، ولذلك هانَتَ الحياةُ على المُحبّين وهانَ الموْتُ أيضاً لأن الذي يشغلُ قلوبَ المحبّين هوَ كيف يلتقونَ إلى غيْرِ نهاية!

  • صحيح .. كيف يلتقون بعد ذلك؟

  • لا أعرف .. ولكنني سمعتُ القِسّيسَ يقولُ ذلك كثيراً.

  • وهل صدَّقتَ ما يقول؟

  • وهل يستطيعُ أحدٌ ألّا يُصدِّق!

  • طبعاً يستطيعُ أن يُصدِّقَ أيَّ شيءٍ آخر.

  • كيْفَ تقولُ ذلك وأنتَ رجُلٌ مُؤمن؟

  • لأن الإيمان ليْسَ معناه الإيمان بما يقوله رجال الدين دائماً.

  • إذن ما هوَ الإيمان؟

  • هوَ هُنا (وأشارَ إلى قلبه) .. وهُنا (وأشارَ إلى عقله) .. وهُنا (وأشارَ إلى يده) .. وهُنا (وأشارَ إلى معدته) .. وهُنا (وأشارَ إلى الأرض) .. وهُنا (وأشارَ إلى الشجرة).

  • كنتُ قد نسيتُ هذه الشجرة.

  • كيْفَ مع إنني أتيْتُ بك إلى هنا لتعرفَ وتصفَ ما ترى وتقولَ للناسِ ما معنى هذا كله؟!

وكانا شابّيْن يجلسان تحت أغرب شجرةٍ في إنجلترا؛ شجرةٌ عاديّةٌ بالنهار وغيْرُ عاديّةً بالليْل، والناسُ يهربونَ من الطريق إليها لينظروا لها ويجعلونَ طريقَهم بعيداً عنها، فالحكايات كثيرة: يُقال أنها تتحوَّلُ إلى ذِئبٍ يُطارِدُ الناس ويُقالُ أنها تتحوَّلُ إلى حِصانٍ يدوسُ الناس ويُقالُ أن حريقاً يشبُّ فيها بلا دُخانٍ ولا نار، ولكن هذيْن الشابّيْن يُريدان أن يريا بالضبطِ ما هذا الذي يجري هُنا.

إنهما في أغسطس سنة ١٥٩٥ وفي الهواء دِفءٌ وعلى وجه السماء ستائرُ رقيقةٌ من السحاب، والأصواتُ الهامسةُ في الغابةِ تُتابِعُ الهواءَ أينما ذهب، ولكن كُلَّ شيءٍ هادئ، وابتعدَ الشابّان عن الشجرةِ ليرياها بوضوح، وفجأة لمسَ واحدٌ منهما الآخر فاختفتْ الشجرة، ونظرَ كُلٌّ منهما للآخر كأنه يقول: "هل ترى ما أرى؟"، ويكونُ الجواب بكلمةٍ واحدة: "نعم".

وبعدَ ذلك بدأتْ أوْراقُ الشجرةِ تتساقَطُ ورقةً ورقة، الورقةُ بيْضاءُ تتثنى ثم تسبَحُ قليلاً في الهواءِ على أنغامِ موسيقى لا يسمعُها أحد، ولكن حركاتِها موسيقيّةٌ أو مرسومةٌ بعنايةٍ ورقةً وراءَ ورقة حتى تصبحَ الأرضُ مفروشةً بأوْراقٍ مُضيئة، وفجأة يظهرُ فرعُ شجرةٍ أبيض وفرعٌ آخرُ وثالثٌ ورابع، وتستوي الشجرةُ في مكانها وينفتحُ قلبُها ويخرُجُ اثنان من الشُبّان، فتاةٌ وفتىً يتلامسان ويتعانقان ويخرُجان من الشجرةِ إلى الغابة والضوءُ يتبعُهما، فإذا اتجهتْ عيْنا الشابّيْن إلى ما وراء هذيْن العاشقين اختفى العاشقان وإذا نظرَ الشابّان إلى مكان الشجرة فإنهما يجدان شجرةً عاديّة ويهدأُ كُلُّ شيء بل إنهما يسمعان الأشياءَ كأنها تصرُخ، لا بُدَّ أن يكونَ سببُ ذلك هوَ الخوْفُ الشديدُ الذي غمرهما ببرودةٍ عنيفة، ويعودُ الشابّان كُلٌّ إلى بيْته، وفي لحظةٍ يُقرِّرُ كُلٌّ منهما أنه لا يستطيعُ أن ينامَ وحدُه فيخرُجُ من البيْتِ ويلتقي الاثنان في منتصف الطريق ليجلسا معاً حتى الصباح دونَ كلمةٍ واحدة!

ويعودُ الشابّان كل يوْمٍ إلى هذه الشجرة في الساعة الثامنة والرُبع من مساء كل ليْلة، ويريان ويرجعان ولا يفهمان شيْئاً ولكن لسببٍ غريبٍ جداً لا يرويان شيْئاً من ذلك لأحد، ومرضَ الشابّان في وقتٍ واحد، وجاءهما القِسّيس وكانَ لا بُد أن يعترفا، واعترفا فزادتْ دهشةُ الناس.

وسألَهما القِسّيس: 

  • ولكن أيَّ سِرٍ في هذا؟!

  • لا سِر .. ولكن وجدتُ نفسي عاجزاً عن أن أقولَ أيَّ شيءٍ لأيِّ أحد!

  • ولماذا؟

  • لا أعرف.

ثم يلتفتُ القِسّيسُ ويسألُ الشابَّ الآخر: 

  • وأنتَ ما الذي جعلَك تسكتُ عن هذه المُعجزة التي رأيْتَها كل ليْلة؟

  • أُريدُ أن أقول ولكن لا أجدُ هذه القُدرة ولا أجدُ ضرورةً لأن أقولَ شيئاً لأن هُناك قوّةً أُخرى تمنعُني من الكلام ولا أعرفُ ما هيَ؟

  • وكيْفَ تقولُ الآن؟

  • لا أعرف .. ربما لأنني سوْفَ أموت .. ربما كانَ هذا هوَ السِرُّ الأخير أو كانَ هذا هوَ الثمن .. إذا قُلتُ مِت!

  • وأنتَ ماذا تختار؟

  • أن أقولَ وأموتَ بعد ذلك.

وماتَ الشابُّ بعد ذلك بلحظات، وماتَ الشابُّ الآخرُ بعد صديقه بلحظاتٍ أيضاً!



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX