وكانت الدبلة الذهبية في عنق عصفور (3)
ولكي يسمعَ الطبيبان قصة هذا الشبح قرَّرا أن يبيتا ليْلةً أُخرى وفي غُرفةٍ واحدة، وجلسَ الاثنان في السرير ينتظران قدوم الشبح، كل واحدٍ منهما نظرَ إلى ناحية وأحكما إغلاق الباب والنافذة والدولاب واتفقا على أن ينظر كل واحد منها إلى ناحية، وعند منتصف الليْل امتدَّتْ يدان في وقتٍ واحد، وكل طبيبٍ يُحاوِلُ أن يُنبِّهَ الآخرَ إلى أن الشبح قد جاءَ من ناحيته، ولكن أحدهما لا يحوِّلُ نظرَه إلى الجهةِ الأُخرى، فقد رأي أحدهما فتاةً بنصفها العُلوي ورأي الآخر نصفها السُفلي، وكانَ النصفان يتجهان إلى منتصف الغُرفة ثم يلتصق النصفان وتصبح فتاةً طويلةً عريضةً حزينةً جامدةَ النظرة، ثم تتجه إلى النافذة وتتلاشى وراءَ الستار، وطلعَ النهار عليهما ولم يناما.
وجاءت العجوزُ تروي لهما أن هذه ابنتها، وأنها كانت أجملَ فتاةٍ في هذه المنطقة، وأنها تزوَّجتْ مُدرِّسَ التاريخ الذي هجرَ التدريسَ واشتغلَ بتجارة الخنازير، وكانَ يكبُرُها بعشرينَ عاماً، وكثيراً ما قال له الناس أنها ابنته وليست زوجتَه، وكثيراً ما قالوا له أنه اشتراها بفلوسه، وأنه لو كانت عنده كرامةٌ لتركَها لشابٍّ أجملَ وأصغر.
وفي إحدى المرّات أقامَ الدوقُ الكبيرُ حفلة، وأصرَّتْ زوْجةُ الدوقِ على دعوة ابنة العجوز وزوْجها وضاقَ زوْجُها بهذه الدعوة وراحَ يشُكُّ في الأمر ولكنه لم يشأ أن يرفُضَ دعوةَ الدوق، وذهبَ مع زوْجته وكانتْ أجمل الحاضرات وكان الضيوفُ يتهامسون على التاجر الذي يبيع الخنازير كيف أنه اشترى هذه التُحفةَ الفنيّة وكيف أن الذي يفهم في الخنازير يفهمُ في النساءِ أيضاً أو كيف أن المرأةَ تُفضِّلُ تاجر الخنازير على تاجر المجوْهرات، وكانَ أشهرُ تاجر مجوْهراتٍ في هذه المنطقة زوْجا لامرأةٍ دميمة، وكانت المُقارناتُ لا تنتهي، وكانَ غضبُ الزوْجِ لا حدودَ له، ولم تكُن السنيورة بياتريشا تُقيمُ مع ابنتها في بيْتٍ واحد، وإنما كانت تسكُنُ بعيداً عنها.
ومنذُ عشر سنواتٍ قبل الحادث الأليم أحسَّتْ الأُمُّ بقلبِ الأُمِّ أنها تُريدُ أن ترى ابنتها، وجاءت إلى هذا البيْت وقابلَها الزوْجُ في حالة غضب وطردها من البيت بحُجّة أنها هيَ التي تُشجِّعُ ابنتَها على عِصيان أوامره، وعادت الأم ولم ترَ ابنتَها، ولكنها عرفت من الخَدَمِ أن ابنتها قد اختفت منذُ شهور وأن الخَدَمَ كلما سألوا الزوْجَ عنها قالَ إن الأطبّاءَ يُعالجونها في روما وأنها سوف تعودُ قريباً، ولكن الخَدَمَ والجيران شكّوا في الأمر وواجهوا الزوْجَ بكل ما يُشيعُهُ الناسُ عنه.
وفي اليوْمِ التالي وجدوا الزوْجَ ميّتاً في فِراشه ولم يجدوا في جسمِه أيّة إصاباتٍ من أي نوْع، ووجدوا إلى جواره ورقةً بخَطَّه في سطورها الأولى اعترافٌ لم يُكمِلْه، وبدأَ الخدمُ يُفكِّرون من جديد في تصرُّفاته، واكتشفوا أنه في أحد الأيّام قد طلبَ إليهم جميعاً أن يُعدّوا له العربة وأنه هوَ الذي سوْفَ يقودُها بنفسه، ثم طلبَ إليهم ألّا ينهضوا لتوديعه فهوَ لا يُريدُ أن يرى أحداً، ولاحظَ أحدُ الخدمِ أن الزوْج كان يحفُرُ في الحديقة ولم يجرؤْ هذا الخادمُ على أن يقتربَ منه كما لم يجرؤ - في اليوْم التالي - على أن يُنقِّبَ في مكان الحفر ليعرفَ ما الذي كانَ يُخفيه سيّدُه.
وعادوا إلى الحديقة فوجدوا أن سيّدتَهم مدفونة؛ نصفها فقط، ثم عثروا على المنشار الذي حطَّمَ به عظامَها، وبعد ذلك فتحوا الدولابَ الذي يسد الباب بين الغُرفتيْن فوجدوا فيه نصفها الآخر، ثم وجدوا ملابسَها - التي غرقتْ في الدماء - مدفونةً في الحديقة أيضاً!
ومنذُ ذلك الحادث الأليم وأُمُّها ترى هذا الجسم الطائر كل ليْلة في نفس الموْعد، ومنذُ دَفنتْ الأم ابنتَها - نصفيْها معاً - لم يعُد أحدٌ يرى صورتَها.
وإن كانَ الذين اشتروا البيتَ بعد ذلك يقولون إنهم كانوا يستمعون إلى أصواتٍ ووَقْعِ أقدامٍ ودقّاتٍ على الباب عند منتصف الليل ولكن أحداً لم يرَ شيئاً.
وفي مارس ١٩٠٢ نشرتْ صحيفة جِنوَة اليوْميّة أن الأُمهات اللاتي مكثوا في هذا البيت ظننَّ أوّل الأمر أن أطفالهن مصابون بالجنون لأنهم يتخيّلون شبحاً في الليْل، ولكن عندما نامتْ الأُمَّهات في غُرف الأطفال حدثَ لهن نفسُ الشيء، وقيلَ في تفسيرِ ذلك أن الفتاةَ ما تزالُ تبحثُ عن بقيّةِ ملابسِها ومجوْهراتِها وأنها تُريدُ دفنها معها، فإذا حدثَ ذلك فإنها لن تزعج أحداً بعدها، ويُقالُ أيضاً أن أحدَ سُكّان هذا البيت قد وجدَ دِبلةً ذهبيّةً في عُنُقِ عُصفورٍ سقطَ ميّتاً أمامه فأدهشه ذلك، ولمّا امتدَّتْ يدُه إلى العُصفور وجدَ هذه الدبلةَ الذهبيّة ولمّا خلعها من عُنُق العُصفور وقَلَّبَ فيها وجدَ عليها اسمَ هذه الفتاة، ونصحَهُ بعضُ الناسِ أن يدفِنَها في أرض الحديقة فدفنها.
وبعدَ ذلك لم يعُد أحدٌ يسمعُ أيّةَ أصواتٍ في هذا البيْت عند مُنتصَفِ الليْل!
