خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | في رأس الملكة في ذلك اليوم (2)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

فتاتان من انجلترا يزوران فرنسا لمشاهدة معالمها بما فيها فرساي وتريانو

في رأس الملكة في ذلك اليوم (2)



واتجهتْ الفتاتان إلى قصر تريانو الكبير ثم إلى قصر تريانو الصغير، لقد رأتا الألوان جميلة، الأشجار خضراء وزرقاء، والأرض عليها عشبٌ أصفر، والورود تضج بالحياة في كل مكان، وهناك يوجد قصر تريانو وإلى جواره كوخٌ صغير بُنّي اللون، وكانت هُناك سيّدةٌ تطلُّ من نافذة، لا بُدَّ أنها زوْجةُ أحد الحُرّاس أو أن هذا البيْتَ ما يزالُ سَكَناً لبعض موظفي المتحف، ولم تنظُرْ الفتاتان إلى هذه السيدة وإنما اتجهتا إلى القصر الصغير، وفي الطريق قابلتا رجُليْن من رجال الحرس، الملابس خضراء والبرنيطة مُثَلَّثة الشكل، وقال الرجُلان شيْئاً ليس واضحاً، وقابلهما رجلٌ ثالثٌ له نفس الزي ولكنه يمسكُ جاروفاً، وهُناك على البُعد يظهر محراثٌ يشُقُّ الأرض وكان يجُرُّهُ حصان، ولكن الحصان يبدو أنه هوَ الآخر قد التزمَ الصمْت وعدم الحركة ولكنه كان ينظُرُ في اتجاهاتٍ مختلفة ثم يرفعُ رأسَه إلى أعلى كأنما فاته أن يلتقطَ شيْئاً.

ثم جاءَ بعد ذلك كوخٌ آخرُ صغيرٌ نظيف على مدخله وقفتْ سيّدةٌ ومعها فتاةٌ صغيرةٌ في الرابعة عشرة من عُمْرِها، وكانت السيّدةُ تُعطي الفتاةَ إناءً به ماء، ولكن يبدو أن هذه السيّدة ريفيّة إلى حَدٍّ ما ففُستانها ليْسَ على الموضة لأنه أطولُ ممّا يجب.

واتجهتْ الفتاتان الانجليزيّتان إلى الغابة فوجدتا كُشْكاً أحمر، وفي هذا الكشك يجلس رجُلٌ كئيبٌ مُخيف وقد امتلأَ وجهُهُ بالجُدَري والنَمَش، وفي لحظةٍ واحدة أحسَّتْ الفتاتان بالضيق منه والاحتقار الشديد، وكان يرتدي بالطو أسود وبُرنيطة مُثلَّثة الشكل، وكانت نظرة هذا الرجل مُخيفة، إنه لا ينظُرُ إليهما بل ينظُرُ فيهما وهذا شيْءٌ مُفزِع.

واندهشتْ الفتاتان فالجو ليسَ واقعيّاً كأنه حُلُم فلا صوْتَ ولا حركة ولا كلام، شيءٌ غريب كأنهما في حالة هلوسة فكل شيءٍ مرسومٌ بدِقّةٍ ونظافةٍ وعناية وهما تمشيان كأنهما مسحورتان مأخوذتان نائمتان ووراءَهما الخادم يجري لاهثاً ثم يقتربُ منهما ويبتعدُ دون أن ترياه، ثم استدارتْ الفتاتان لتجِدا رجُلاً قد ظهرَ فجأة ثم ابتعدَ عنهما وإنْ كانَ وَقْعُ قدميْه ما يزالُ مسموعاً، ثم راحَ الرجُلُ يصرُخُ قائلاً: 

  • سيّداتي .. الرعاعُ يزحفون .. يزحفون!

ولا بُدَّ أنه قالَ أشياءً أُخرى كثيرة ولكن الفتاتيْن لم تُدرِكا بعد ذلك أين ذهب وأين اختفي، أنهما لا تعرفان ولم تُفكِّرا جيّداً في ذلك!، ثم عبرتْ الفتاتان جِسراً صغيراً بالقُربِ من شلّال ماء حتى أصبحتا على مدى خطواتٍ من قصر تريانو الصغير، وفي الشُرفة وَجَدَتا سيّدةً ترتدي فُستاناً أبيضَ خفيفاً وكانتْ ترسمُ إحدى اللوْحات، وكانَ فُستانُها مُعلَّقاً بيْن كتفيْها ووسط الفُستان عريضٌ هابط ولكن هذا الفستان ليس موضة سنة ١٩٠١.

ورفعتْ السيّدةُ رأسَها وكانت في الأربعين أو أقل من ذلك، وشعرتْ الفتاتان بضيقٍ شديد ووضعت كل منهما يَدَها على عُنُقِها ثم راحتْ تسعل.

وفي هذهِ الأثناء ظهرَ شابٌّ يصرُخُ وهو يقول: 

  • سوْفَ أُريكُما الطريق. 

وسبقهما، وخرجتْ الفتاتان من قصور فرساي فوجدتا حفلةَ زفافٍ وجُمْهوراً من الناس، وضحكتْ الفتاتان ورقصتا وشربتا وعادتا إلى الفُندُق. 

وفي الليْل سألت إحداهُما الأُخرى: 

  • هل تظُنّين أن قصرَ تريانو مسكونٌ بالأشباح؟ 

فقالت الأُخرى: 

  • أعتقدُ ذلك!

  • ولكن لماذا تقولين ذلك؟

  • لقد شعرتُ بالخوْف والرغبةِ في البُكاء دونَ سببٍ واضح .. ثم أن هذه الوجوه التي رأيتُها ليست حقيقيّة .. إن ملامحها خفيفةٌ ومرسومةٌ جدّاً .. إنني لم أسمعْ وَقْعَ قدميَّ ولا وَقْعَ قدميْكِ.

  • هذا نفسُ ما شعرتُ به بالضبط.

  • ثم لماذا نشعرُ بالرغبةِ في البُكاء في وقتٍ واحدٍ عندما رأيْنا السيّدةَ التي تَرسم؟ .. ولماذا وضعنا أيْدينا على أعناقنا وسعلنا تماماً كما فعلتْ هيَ؟

  • هذا هوَ الذي يُحيِّرُني.

وظلَّتْ الفتاتان في حالة فزعٍ بضع سنوات، وأخيراً سجَّلتْ كلٌّ منهما هذه القِصّة بتفاصيلها، ثم سجَّلتْ الفتاتان القصة على أسطوانة فلم يُصدِّقْهُما الكثيرون من الناس واتهموهما بالجُنون.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX