في رأس الملكة في ذلك اليوم (3)
وعادتْ الفتاتان إلى زيارة قصر تريانو بعد ذلك بسنوات، والشيء الذي أفزعهما هوَ أنهما عرفا أن كل ما رأتاه من قبل لم يكُن له وجود عند زيارتهما الأولى، فهذه الأكواخ كانت قد أُزيلَتْ منذُ قرن، وهذا الباب الذي دخلتْ منه السيّدة التي ترسم قد أُقفِلَ منذُ أكثر من مائة سنة، كما أن ملابس الحرس لم تكُن خضراء وقت زيارتهما من قبل؛ فاللوْنُ الأخضرُ كانَ أيّام الثوْرة الفرنسيّة، ثم أن أحداً لا يستخدم الجاروف أو المحراث، وهذا الخادم الذي كانَ يقول "سيّداتي" بدلاً من "سيدتي" كان حارساً نمساويّاً ولذلك فنُطْقُه للغة الفرنسيّة غريب، أمّا هذه الفتاة الصغيرة فهي ماريون ابنة الجنايني، وهذا الشخص الكريه هوَ عشيق ماري أنطوانيت الذي كانت تمقُتْه وتقول إنه سببُ كل المصائب في حياتها، كل ذلك لم يكن موجوداً بالمرّة في سنة ١٩٠١.
ولكن - بالعوْدةِ إلى الخرائط القديمة لقصور فرساي وتريانو - وجدوا أن هذه الأكواخ التي وصفتْها الفتاتان كانت موجودةً في أماكنها وبألوانها كما وصفتْها الفتاتان تماماً.
كما أن بعض الوثائقَ التاريخيّة أضافت شيْئاً جديداً هوَ أن من عادة ماري أنطوانيت عندما تشعر بالضيق أن تضعَ يدها على عُنُقِها ثم تسعل، ثم أنها أيضاً كانت تشكو من ألمٍ في كتفها اليُسرى وهذا ما أحسَّت به الفتاتان في ذلك الوقت!
أمّا تفسيرُ ذلك عِلميّاً فأن الذي رأتْه الفتاتان ليْسَ أشباحاً ولا أرواحاً وإنما هي ظاهرة، فنحنُ نعرفُ أن بعضَ الناس عندهم القُدرةُ على قراءة أفكار الآخرين كأن يجلس اثنان في مكانٍ واحدٍ ويقول أحدهما للآخر بعد أن ينظُرَ إلى وجهه:
أنتَ تُفكِّر في الذهاب إلى الإسكندرية .. ولكن ليست عندك رصيد من الإجازات!
فيقولُ الآخر:
عجيب! .. هذا بالضبط ما كنتُ أفكِّر فيه!
أو يقول واحدٌ مثلاً:
واللهِ فُلان الفُلاني وحشني جداً.
وبعد لحظات يكون فلان هذا يدُقُّ الباب مع أنه لم تكُن هُناك أيّةُ معلوماتٍ عن مجيئه من أسوان مثلاً.
ومن المُمكِن أيضاً أن يتفقّ اثنان على أن يجلسا في وقتٍ واحدٍ في مكانيْن بعيديْن جداً بيْنهما ألف كيلو متر ثم يُفكِّر أحدُهما في الآخر ويكتب في ورقةٍ ما يشعُرُ به أو ما يعمله أو ما يرتديه!
وقد نجحتْ هذه التجربةُ كثيراً مع بعض الناس الذين لهم قُدراتٌ عقليّةٌ خاصّة، فهذه أنواعٌ مختلفةٌ من قراءة الخواطر أو الإحساس بالغيْر عن بُعد في المكان.
ولكن هذا الذي حدثَ للفتاتيْن هوَ نوْعٌ آخرُ فريدٌ من أنواع قراءة الخَواطر عن بُعد لا في المكان فقط ولكن في الزمان أيضاً، فالفتاتان ذهبتا سنة ١٩٠١ إلى هذا المكان بعد ١١٢ عاماً من مجيء الخادم ليطلُبَ من الملكة أن تهرب، ولكن الغريب هوَ أن الفتاتيْن أحسَّتا بالضبط بما كانت تحسُّ به الملكة وبكل ما كانَ يدورُ في داخِلِها وحوْلَها، إن هذه الصورة التي دارت في رأس الملكة كانت من القوّةِ بحيْثُ ظلَّتْ حاضرةً وموجودة حتى جاءتْ هاتان الفتاتان ودخلتا فيها وفي جوِّها وشعرتا بالضبط بكل مخاوف الملكةِ ورُعبِها وبكل الفراغ الذي حوْلَها والضيق من كل الناس، إنها حالةٌ فريدةٌ في التاريخ.
إن الفيْلسوف الانجليزي جود يقول:
لم أرَ ولم أسمعْ عن شيءٍ من مثل ذلك ولكن عقلي يقبله .. فليْسَ لدى كل الناس مثل هذه القُدرةِ الهائلة على استحضار الماضي أو على إحيائه أو التعايُش معه.
وقد نُشِرَتْ هذه القِصّة في سنة ١٩٣١ بعد أن كَتبتْ كلٌّ من الفتاتيْن تفاصيلَ ما شاهدتْ، كلٌّ منهما كتبتْ القصّة بعيدةً عن الأُخرى، ثم وُضِعَتْ القِصّتان معاً في كتابٍ واحد.
ولكن مُدرِّسةَ التاريخ - إحدى الفتاتيْن - كانتْ قد أضافت شيْئاً لم تشعُرْ به زميلتُها فقالت:
شيءٌ ضايقني جدّاً وجعلني أصرُخُ وأقول: كيْفَ حدَثَ ذلك!
لقد أحسَّت مُدرِّسةُ التاريخ عندما جاءها هذا الحارس أنه اقتربَ منها أكثرَ ممّا يجب وممّا يليق لأنها في تلك اللحظة كانت بلا ملابسَ داخليّة!
ويقولُ التاريخ أن ماري أنطوانيت كانت حسّاسةً جداً لبعض أنواع الحرير ولذلك لم تكُن ترتدي ملابسَ داخليّة.
وأضافت شيئاً آخرَ أيضاً:
إننى لا أعرف اللُّغة الألمانيّة ولكني وجدتُ يدي تكتُبُ حروفاً وكلمات لا أفهمُها ولا أعرفُ كيْفَ أنطِقُها.
وعندما عُرِضَتْ هذه العبارة أكَّدَ عُلماءُ التاريخ أن هذا بالضبط هوَ خط ماري أنطوانيت وأن هذه العبارة قد جاءت في خطابها الذي بَعثَتْ به إلى واحدٍ من أصدقائها تقول فيه:
لا شيءَ يُحزِنُنى أكثر من أن أترُكَ أوْلادي وحدهم .. أتمنّى ألّا
يلقوا نفسَ المصير فلم يرتكبوا نفسَ الأخطاء التي ارتكبتُها!
