خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | في رأس الملكة في ذلك اليوم (1)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

الملكة ماري أنطوانيت تجلس لترسم لوحة ووراءها قصر فرساي وتريانو

في رأس الملكة في ذلك اليوم (1)



يوم ١٦ أكتوبر سنة ١٧٩٣، أُعدِمَتْ ماري أنطوانيت ملكة فرنسا وزوْجة لويس السادس عشر وابنة أمبراطورة النمسا ماريا تريزا، وقبل ذلك بأربع سنوات وفي شهر أكتوبر أيضاً كانت ماري أنطوانيت تجلس في حديقة قصرها المُسمّى "تريانو الصغير" في قرية فرساي عندما جاء خادمٌ يجري ويلهث ويتعثَّر ويُقدِّمُ للملكة ماري أنطوانيت رسالة، وقبل أن ترفعَ الملكةُ رأسَها لترى أو تسمعَ قال لها الخادم: 

  • انهضي موْلاتي .. انهضي .. لقد ملأَ الرعاعُ شوارعَ باريس وهم

يزحفونَ الآن على قصر فرساي!

لقد كانت سنة ١٧٨٩ سنة رهيبةً على الملكة ماري أنطوانيت فقد اشتعلتْ الثوْرة الفرنسيّة، وفقدتْ في هذه السنة ابنها الأكبر وأخاها، وقد حمَّلَها الشعب كل مصائب الدُنيا فهي المسئولةُ عن إفلاس البلد لأنها مُسرفة وهيَ خائنةٌ لأنها جاسوسٌ للنمسا، وهي التي أفسدتْ الحُكم لأنها سيْطرَت على زوْجها بشخصيّتها القويّة وبرجال ونساء الحاشية وكلّهم من النمساويّين، ثم إنها لم تكُن مُخلصةً لا لزوْجِها ولا للعرش ولا للشعب الفرنسي فقد كان عُشّاقُها كثيرين، وكان الذهبُ يتساقطُ من يديْها ورجليْها حتى أن أحدَ رجالِ الحاشية كان يقول عنها: 

  • إن حبّات عَرَقِ موْلاتي قِطعٌ من الماس!

نعودُ مرّةً أُخرى إلى يوْم أكتوبر سنة ١٧٨٩، في ذلك اليوْم جلستْ ماري أنطوانيت أمام قصرِها الصغير ترسمُ لوْحة، وبيْن الحين والحين تُنادي فتاةً صغيرةً اسمها ماريون ابنة الجنايني، وفي هذه الأثناء جاءَ الخادمُ يجري ويلهث وفي يده رسالةٌ من وزير البلاط يطلب للملكة أن تتوارى لحين صدور تعليماتٍ أُخرى، وجاءَ الخادمُ يرجوها أن تأوى إلى القصر وأن تنتظره فسوْفَ يأتي لها بإحدى العربات، وانطلقَ الخادم بينما سارت الملكةُ على قدميْها وهيَ تُنادي ابنة الجنايني، وهذه الابنة قد أصبحت لاحقاً زوْجةً لمدير حدائق قصور فرساي في سنة ١٨٠٥ في عهد نابليون.

ويُقالُ أن الملكةَ كانت في غاية الهدوء وفي مُنتهى الحُزن أيضاً، وفكَّرتْ الملكة هل تأخذُ هذه اللوْحةَ معها أو تترُكُها، ويبدو أنها قرَّرتْ أن تترُكُها، كما إن الخطاب الذي تسلَّمتْهُ من الخادم قد تركتْهُ أيضاً، وُيقالُ إن الملكةَ تلفَّتتْ وراءها مرتيْن، وفي المرّةِ الثانيةِ بكتْ وتوارتْ وسجَّلتْ كل كُتُب التاريخ هذه اللحظات الصامتة المُخيفة من حياة ماري أنطوانيت، ثم إن عشرات من الباحثين جاءوا بعد ذلك وسألوا ماريون هذه عن كل تفاصيلَ ذلك اليوْم وما بعده، وأجمعتْ كل كتب التاريخ على صِحّة هذه الوقائع تماماً، بل إن باحثاً في جامعة السوربون قد طلبَ إلى ماريون أن تكتبَ بخط يدها أن الملكة قد كانت وحيدةً تماماً ولا أحد وراءها أو أمامها، ولم تُطِلُّ خادمةٌ من نافذةٍ ولا جاءها رجلٌ يسعى لحمايتها، لا أحد، فقد سكنتْ الدُنيا كلها، وكأنَّ الحدائقَ والغابات قد قرَّرتْ الصَمت انتظاراً لما سيجيء بعد ذلك.

واستأذنتْ ماريون أحد المؤرَّخين أن تُضيفَ هذه العبارة: "إن الثوْرةَ هيَ شبابُ الشعوب".

وفي أكتوبر سنة ١٩٠١ جاءتْ فتاتان إنجليزيّتان إلى قصر فرساي، إحداهما مُدرِّسة تاريخ في جامعة لندن والأُخرى تخصَّصتْ في اللغة الفرنسيّة، وكانتْ هذه أوّل زيارةٍ لهما إلى فرنسا، وقرَّرتا أن تزورا قصر فرساي بالطبع، وكانتْ الاثنتان تعطفان على ماري أنطوانيت وعلى مصيرها، وكانتا مُعجبَتين بشجاعتِها وهي تتلقّى الحُكمَ بالإعدام، تماماً كما أثارت إعجاب جلّادها وقت تنفيذ الحُكم، فلم يعرف كثيرٌ من الرجال مثل هذه الصلابة واللامُبالاة في وجه الموْت رغم أنها سمعتْ الطُبول واللعنات ورأتْ المشنقةَ لامعةً تُريدُ أن تخطفَ روحها قبل أن تمسَّها.

هاتان الفتاتان كانتا تعرفان الكثير عن الثوْرة الفرنسيّة ولكن معلوماتهما كانتْ عامّة غيْر مُتخصِّصة، ثم إنهما لم تسمعا قصة ماري أنطوانيت بالتفصيل ولم تريا قصريْ تريانو الكبير أو تريانو الصغير، وهذا القصر الأخير قد اتخذته ماري أنطوانيت مقرّاً لها، وكانَ لويس الخامس عشر قد أقامَهُ لاثنتيْن من عشيقاته هما مدام

بومبادور ومدام دي باري، ولكنه أصبحَ يُعرَفُ باسم قصر ماري أنطوانيت.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX