خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | يكفي جداً: غرفة ومنضدة ومقعدان (1)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

الكونت وسكرتيره يجلسان أمام المنضدة ووراءهما السلم حيث تظهر الأشباح وتصدر ضجة مخيفة

يكفي جداً: غرفة ومنضدة ومقعدان (1)



أنتَ لا تستطيعُ أن تشتمَ بيْتاً أو دُكّاناً في إنجلترا لأن هذا الشتمَ نوْعٌ من السَبِّ العلني يُعاقِبُ عليه القانون، مثلاً: إذا قُلتَ إن هذا البيْت تنبعثُ منه روائحُ كريهةٌ أو إذا قُلتَ أن هذا البيتَ مُنهارٌ وربما يسقطُ هذا العام أو غداً أو إذا قُلتَ إن هذا البيْتَ مسكونٌ بالعفاريت كل هذه أنواعٌ مختلفةٌ من السباب العلني، والقانونُ يحمي البيوتَ من هذه التشنيعات التي تؤدّي إلى أن يهربَ منها السُكّان لأن في ذلك خراباً على أصحاب البيوت.

ولذلك فإن الكونت لوي هامون عندما كتبَ قصصه المشهورة عن البيوت التي تسكُنُها الأرواح والأشباح لم يشأ أن يذكُرَ عناوينَها إلّا بعد أن أثبتَ ذلك بمحاضرَ البوليس، مرّةً واحدةً اعتذرَ رسميّاً عن كل ما قاله عن أحد البيوت مع أنه رأى وسمع بنفسه كل ما يجري فيه ولكنه لم يُسجِّلْ ذلك في البوليس ولم  يأتِ بشهود إثباتٍ على كل ما حدث، ولعلَّ أكثرَ البيوت التي ذكرها الكونت هامون في كُتُبِه المنشورة قد أكلتها تلك الحربُ الخاطفةُ على مدينة لندن في سنة ١٩٤٠ وما بعدها، ولكن بقيتْ بعضُ القصصِ المؤكَّدةِ حتى الآن.

وكانَ هذا الكونت مشهوراً في التاريخ بأنه من عُلماء الأرواح ومن عُلماء الكَفِّ أيضاً ولذلك فقد اشتهرَ بين الناس باسم "كايرو" وهيَ كلمةٌ يونانيّة معناها "الكف"، ورغم مُتابعة الكونت للبيوت المسكونة فإنه نفسَه كانَ يخافُ ويرتجفُ وأحياناً تنتابه نوْبات هلعٍ يكادُ يفقد القدرةَ فيها على التنفُّس، ولكنه كانَ مُصِرّاً على أن يعرفَ الحقيقةَ بأي ثمن، ولم يكُن يتردَّدُ في دفع ثمن ذلك من صحّته وأرقِه الدائم.

آخر تجارب الكونت أنه ذهبَ إلى بيْتٍ سمعَ عنه كل شيء ولكنه يُريدُ أن يرى بنفسه، وكانتْ صاحبة البيت سيدةٌ ثقيلةُ السَمْع، ذهبَ إليها ذاتَ يوْمٍ وطلبَ منها أن يسكُنَ فيه فلم تُعارِضْ السيّدة وإنما قالت له: 

  • لكي أُريحَ ضميري يجبُ أن أقولَ لك أن هُناكَ أصواتاً عنيفةً تُحطِّمُ الأبوابَ في الساعةِ العاشرةِ من مساءِ كل ليْلة .. أنا شخصيّاً لم أسمعْها ولكن الخَدَمَ لا يبقونَ هُنا أكثرَ من يوْمٍ واحدٍ .. ولا بُدَّ أن أُصدِّقَهم.

قالَ الكونت: 

  • أعرفُ ذلك.

واستأجرَ البيت وقامَ بتنظيفه وطلائه وأخذَ معه سكرتيره الخاص، وأقامَ كُلُّ واحدٍ منهما في غُرفة، وجلسَ كل منهما ينتظرُ ما سوف يحدُث، ولم يطل الانتظار ففي الساعةِ العاشرةِ مساءً سمعَ الكونت وَقْعَ أقدامٍ على السُلَّم: خطواتٍ هادئةً متتابعةً ثم مُتعجِّلةً تقتربُ من الباب، ثم سمعَ دقّاً عنيفاً على الباب كأن إنساناً يدُقُّ البابَ لا بيده ولكن بعظامِ يده، عندئذٍ أضاءَ الكونت غرفتَه واقتربَ من الباب وفي يده سيخٌ من الحديد وبسُرعةٍ فتحَ الباب فلم يجد إلّا الظلامَ الباردَ والصمتَ الرهيب، لا أحد، لا شيء، وظنَّ أوّلَ الأمرِ أن هذه حيلةٌ من حيَل السيّدةِ العجوز ثقيلةِ السَمْع ولكن هذه العجوز لا تستطيعُ أن تدُقَّ البابَ بهذه القوّة، ومن الغريب أن وَقْعَ الأقدامِ على السُلَّم كانَ على خشب السُلَّم مع أنه كانَ مُغطّى بالسجاجيد.

وعادَ الكونت إلى سريره ولكن وحده فقد ذهبَ النوْمُ بعيداً عن عيْنيْه. 

وعندما جلسَ الكونت وسكرتيره إلى مائدة الإفطار كانَ الإرهاق بادياً على وجهه وعلى وجه السكرتير، ونظرتْ العجوزُ إليهما وقالت: 

  • ماذا حدث؟ .. يبدو أن شيْئاً ما قد حدث!

وقالَ الكونت: 

  • نعم حدثَ شيء.

وروى لها ما حدث، وفوجئَ بأن نفس الشيء قد حدثَ لسكرتيره.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX