يكفي جداً: غرفة ومنضدة ومقعدان (2)
وفي الليْلةِ التالية قرَّرّ الاثنان أن يناما في غرفةٍ واحدة، وأمامَ المدفأة جلسَ الاثنان يشربان القهوة ويأكلان السندوتشات، وعند العاشرة توالتْ الأقدام على خشب السُلَّم ثم تسارعت، وجاءتْ الطَرْقاتُ على الباب أعنفَ من اليوْمِ السابق، فقفزَ الاثنان وفي يد كلٍّ منهما سيخٌ من الحديد وفتحا الباب، لم يكُن هناك شيء، وفجأةً أُضيئَتْ كل مصابيحَ البيْت: السلالم والصالة وقاعة الطعام، بل إنهما كانا يسمعان مفاتيحَ النور تتحرَّكُ واحدا بعدَ الآخر، وفي حالةٍ من الخوْفِ الشديد راحا يتحرَّكان بيْن الغُرَف وينظران إلى ترابيس الأبوابِ والنوافذَ فكانَ كُلُّ شيءٍ مُحكَمَ الإغلاقِ تماماً، ويستحيلُ أن تكونَ هذه الدقّات قد صدرت من أي إنسان!
وقرَّرَ الكونت أن يشتريَ كلباً ضخماً، وكانَ هذا الكلب إذا شمَّ رائحةَ إنسانٍ ينبحُ كثيراً، والكلب هوَ المقياس الصحيح على أن هذه الأصوات قد صدرت من إنسانٍ أو من شبح.
وقرَّرَ الكونت وسكرتيره أن يناما في غُرفةٍ واحدةٍ ومعهما الكلب، ولم يكُن من المعقول - طبعاً - أن يؤدّي وجود كلبٍ في البيْتِ إلى أن تخافَ هذه القوى الهائلة التي لا تهابُ إنساناً ولا يُخيفُها نارٌ ولا شَرار.
وفي الساعة العاشرة حدثَ كل شيءٍ بنفس الترتيبِ والعُنف، فنهض الاثنان يفتحان الباب، وانفتحَ الباب وخرجَ الكلب الذي لم يتبعْ أحداً، ووجدا أن المصابيحَ قد أُضيئَتْ كلها، وراح الرجُلان يُفتِّشان كل غُرفة: غُرَفَ الطابق العُلوي وغُرَفَ الطابق السُفلي، وكانت هُناك غرفةٌ صغيرةٌ لم يشأ الكونت أن يأمرَ بتنظيفِها أو تجميلِها وإنما تركها كما هيَ، وعندما فتحَ الكونت الغُرفة - ووراءه سكرتيره - وجدها مظلمةً رطبةً ثقيلةَ الهواء، ولم يكَد يدخُلُها حتى أحسَّ بقشعريرةٍ وضيقٍ منها، ففيها شيءٌ غريبٌ كريهٌ ومُخيفٌ أيضاً، وكان ذلك نفسَ شعور السكرتير، وحاولَ الكونت أن يُدخِلَ الكلب ولكن الكلبَ كانَ يرتجفُ من الخوْف بل كانَ يلوذُ بهما ويعوي مُختبئاً وراءهما وينظرُ إلى أشياءٍ غريبةٍ لم يرَها أحد، وحاولَ الكونت أن يدفعَ الكلب بالقوّة إلى داخل الغرفة ولكنه لم يستطِع فالكلبُ يكادُ يموتُ من الخوْف، ثم أقفلَ الكونت تلك الغُرفةَ الصغيرة وجلسَ هوَ والسكرتير يُفكِّران في الأمر، قال الكونت:
هل شعرتَ بالخوْفِ والقَرَفِ معاً مثلي؟
تماماً!
حتى الكلب خاف!
إنه مثلُنا تماماً .. ثم إنه لم ينبح .. أن شيئاً جعله عاجزاً عن الوقوف أو النُباح.
وفي هذه اللحظة سمعَ الاثنان ضحكةً مُجلجِلةً جافّة لا أحدَ يعرفُ مصدرَها، ولم يعُد لدى الكونت أيُّ شَكٍّ الآن في أن الذي يُفزِعُه هيَ روحٌ شرّيرة أو روحٌ مُعذَّبة، وكانت الخطوة التالية هيَ كيْفَ يتصِّلُ بهذه الروح؟، هوَ يعرفُ الطريقةَ طبعاً وقد جرَّبَها مئاتِ المرّات، وكأن هذه الروح تعرفُ ما يدورُ في رأسه فلم تعُد تظهرُ أُسبوعاً بل أسبوعيْن آخريْن، وفي بداية الأسبوع الثالث أتى الكونت بالوسيط الذي يستعينُ به عادةً في مثل هذه الظروف المُخيفة، وجاءَ الوسيطُ وكانَ أعمى، وجلسَ الكونت وسكرتيره وعشرةٌ آخرون على شكل دائرة، وفي منتصف الدائرة جلسَ الوسيطُ إلى منضدةٍ عليها مصباحٌ أحمر، وفجأةً تعالَتْ الطَرْقاتُ على الباب وبنفس الحِدّة، وكان الكونت قد أدركَ ما تُريدُه هذه الروح فطلبَ من الحاضرين أن ينصرفوا وأن يعودوا في اليوْم التالي.
وعندما تركوا البيْتَ جلسَ الكونت إلى المنضدة وحده وكتبَ الحروفَ الأبجديّةَ أمامَهُ على ورقةٍ كبيرة، وراحَ يمُرُّ بأصابعه على الحروف، وعند بعض الحروف كان يسمعُ صوْتاً كصوْتِ طَرْقٍ على زُجاجٍ كريستال، ثم جمعَ هذه الحروف معاً فإذا هيَ هذه العبارةُ الطويلة:
أنا اسمي كارل كلينت .. وُلِدتُ ومِتُّ هُنا منذُ ١٢٠ عاماً .. ولا أعرفُ لماذا لا تتركوني وحدي في هدوء؟!
وقال الكونت:
إننا نريدُ مساعدتك.
وكانَ رَدُّ كارل بالحروفِ أيضاً:
لا أحدَ يستطيعُ مُساعدتي .. فأنا سوف أعيشُ هُنا إلى الأبد.
وقالَ الكونت:
ولكن لا بُد أنك مُعذَّبٌ وإلّا ما اضطُرِرتَ إلى إزعاجِ الناس.
وقالت الحروف:
هذا شأني وحدي.
