خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | يكفي جداً: غرفة ومنضدة ومقعدان (3)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية

صورة فوتوغرافية لصاحبة المنزل المسكون خرجت من الدولاب ووضعت على المنضدة

يكفي جداً: غرفة ومنضدة ومقعدان (3)



وفي اليوم التالي انعقدتْ جلسةٌ دائريّة، وجلسَ الوسيطُ في مركز الدائرة، وفجأةً رأى الجالسون سحابةً سوْداءَ كثيفةً تدخُلُ من الباب، ثم إذا بهذه السحابةِ تتحوَّلُ إلى دُخانٍ أبيض ثم شيءٍ أبيض ثم ملامحَ واضحةٍ تماماً، إنه النصف العُلوي لرجُلٍ ألمانيٍّ في الخمسينَ من عُمره يقول: 

  • أنا اسمي كارل كلينت .. عِشتُ هُنا منذ ١٢٠ عاماً .. وقتلتُ صديقي لأنه كانَ يُعاكِسُ زوْجتي .. وتعاونتُ أنا وزوْجتي على دفنه في الحديقة .. صببنا على جسمه الجيرَ الحَيْ .. ثم غطَّيْناهُ بالتُراب .. أمّا زوْجتي فقد دُفِنَتْ وراءَ التلِّ القريب .. وأنا في هذا البيت منذُ وجدتُ نفسي ميّتاً.

وقال الوسيط: 

  • وهل نستطيعُ مساعدتَك؟

قال كارل: 

  • لا أُريدُ مُساعدةَ أحد .. أُريدُ أن تتركوني وشأني .. لا أُريد أحداً أن يجيءَ هُنا .. أن وجودَكم يُضايقُني.

وسأله الكونت: 

  • صحيحٌ إنني لا أُحبُّ أن أُساعدَ قاتلاً مثلَك .. ولكني أُريدُ أن أُنهيَ هذا الوضعَ المُخيف بالنسبة لأى أحدٍ يسكُنُ هذا البيت .. فما الذي نفعلُه لك؟

قال كارل: 

  • إذا ذهبتَ إلى الغُرفةِ الصغيرةِ وحدك فسوف أقولُ لك كلَّ شيء .. وسوف يكونُ صوْتي أوْضَح .. أُريدُ أن نكونَ وحدَنا .. أنتَ وأنا.

ورُفِعَتْ الجلسة وتلاشى الشبح، وذهبَ الكونت إلى الغُرفةِ الصغيرة وجلسَ وأمسكَ ورقةً عليها الحروف، وراحَ يُحرِّكُ إصبعَه ومع الصوْت الزُجاجي كانَ يُسجِّلُ الحروف، وكانتْ رغبةُ كارل أن يترُكَ له هذه الغُرفة وألّا يدخُلَها أحد، ثم رجاهُ أن يترُكَ بها منضدةً ومقعديْن فهوَ سوف يلتقي بروح زوْجته، وإنه لن يترُكَ المكانَ الذي

عاشَ فيه سعيداً منذُ وقتٍ طويل.

وفي اليوم التالي نَقلَ الكونت إلى الغرفة الصغيرة منضدةً ومقعديْن وأقفلَ الغُرفة تماماً.

وأقامَ الكونت في هذا البيت بعد ذلك عشر سنواتٍ لم يسمعْ فيها صوْتاً على السلالم أو على الباب، ثم قرَّرَ الكونت أن يتركَ هذا البيت نهائيّاً، ورأى من المناسب أن يستدعيَ روح كارل كلينت قبل رحيلِه فذهبَ إلى الغرفة الصغيرة وجلسَ ومعه ورقةٌ عليها الحروف الأبجديّة وهوَ يقول: 

  • سوف أتركُ هذا البيت .. هل تُريدُ منّي أيّةَ خِدمة؟

وقالت الحروف: 

  • خُذني معك.

وقال الكونت: 

  • ولكن لماذا؟

  • لأنك الوحيد الذي كنتَ رقيقاً معي.

  • ولكن كيف آخذُك؟

  • في الدولاب الذي إلى جوارك صورةٌ لزوْجتي .. خُذها معك .. وسوفَ أكونُ حيثُ توجدُ هذه الصورة .. ولكن لا تنسَ المنضدة والمقعديْن.

  • ولكن أين أضعُها؟!

  • في أيّةِ غُرفةٍ صغيرةٍ مهجورة.

  • ألن تُزعِجَ أحداً؟

  • طبعاً لا.

  • ولكن هل زوْجتُك تُريدُ نفسَ الشيء؟

  • طبعاً.

  • ولماذا لا تُكلِّمني هيَ أيضاً؟

  • في استطاعتِها أن تُكلِّمَك.

  • أتمنّى ذلك.

وبأت الزوْجة في حوارٍ مع الكونت بنفس الطريقة:

  • أنا اسمي شارلوت .. زوْجي يُحبُّني وأنا أُحِبُّهُ أيضاً .. وكان هذا الرجُل - صديقُ زوْجي - يُعاكِسُنى كثيراً .. واحتملتُهُ أوّلَ الأمر .. ولكن وجدتُ أن صبري قد نفد فقُلتُ لزوْجي على كل شيء .. فقتله ودفنّاه معاً .. كان زوْجي يبكي وهوَ يدفِنُه .. يبكي صديقَه العزيز .. وخيانةُ الصديق شيءٌ فوْق الاحتمال.

  • وهل حزنتِ أنتِ أيضاً؟

  • أنا حزنتُ على عذابِ زوْجي .. فقد كانتْ صدمتُهُ لا قَرار لها.

  • وهل يُسعِدُكِ أن تُرافقيه إلى بيْتي؟

  • أتمنّى ذلك .. إذا لم يكُن هذا يضايقُك.

  • ولكن أخشى أن يُضايقَكما أحد.

  • لن يحدُثَ ذلك.

  • وكيْفَ تقطعينَ بذلك؟

  • إننا هُنا نعرفُ أشياءً كثيرة .. وليْسَ من الضروري أن تعرفَها أنت .. لن يُضايقَنا أحدٌ بعد اليوْم .. لقد انتظرنا قدومَك بفارغ الصبر.

  • وهل كنتما تعرفان أنني سوف أجيء؟!

  • نعرفُ تماماً.

  • كيْف؟!

  • هذه قِصّةٌ طويلة.

  • ألا أستطيعُ أن أعرفَها؟

  • لا أستطيعُ أن أقولَها لك؟

  • سِر؟!

  • ربما كانت .. ولكني لا أستطيعُ على أي حال.

  • هل لديْكُما أيّةَ طلباتٍ أُخرى؟

  • هذا يكفي.

ونهضَ الكونت فقد تصبَّبَ وجهُهُ بالعَرَقِ البارد، ثم فتحَ الدولاب ووجدَ صورةً لفتاةٍ جميلةٍ ألمانيّةِ الملامحَ أيضاً، إنها إذن زوْجةُ كارل.

وعندما انتقل الكونت لوي هامون إلى بيْتٍ آخر أخذَ هذه الصورةَ معه، ثم وضعها في غُرفةٍ صغيرةٍ وأغلقَ البابَ ولم يعُد يُفكِّرُ في كل ما حدث، وبعد وفاة الكونت شبَّتْ النار في هذا البيْت ولم يبقَ منه شيء، أمّا الآن فهوَ جُزءٌ من حديقةٍ كبيرةٍ في إحدى ضواحي لندن، ومن الصُدَفِ العجيبة - أو هكذا يُقال - أن البيْتَ الذي يبعُدُ عن هذه الحديقةِ عشرينَ متراً مكتوبٌ عليه: "بيت شارلوت".

وشارلوت هذه سيّدةٌ ألمانيّةٌ عُمرُها الآن سِتّونَ عاماً وأغرب من ذلك أن زوْجَها اسمه كارل كلينت وهوَ صاحبُ محل بقالة وله ولدٌ وابنة، الولد اسمه كارل والبنت اسمها شارلوت أيضاً!!



(تــــــــــمَّـــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX