خبر
أخبار ساخنة

ملحمة المنصورة الجوية | أعظم وأطول معارك الطائرات في التاريخ (1)

ابن أبي صادق
الصفحة الرئيسية


معركة المنصورة الجويّة (1)



مقدمة:

تحتل معركة المنصورة الجويّة - التي وقعت يوم الأحد 14 أكتوبر 1973 - مكانةً بارزةً في تاريخ القوات الجويّة المصريّة وحرب أكتوبر، فقد شهدت سماء دلتا النيل مواجهةً جويّةً واسعةً بين الطائرات المصريّة والطائرات الإسرائيليّة في وقتٍ كانت فيه الحرب تدور على جبهتيْ سيناء والجولان، وكانت القوات المسلّحة المصريّة تحاول تثبيت رؤوس الكباري شرق قناة السويس وتوسيع نطاق عمليّاتها.

ولم تكُن أهميّة هذه المعركة مُرتبطةً بمجرَّد عدد الطائرات التي شاركت فيها بل بما كشفته من أهميّة التدريب والاستعداد وسُرعة اتخاذ القرار وقُدرة الطيّارين على العمل في ظروفٍ بالغة الصعوبة، كما ارتبطَ اسمُها بقاعدة المنصورة الجويّة، التي أدَّتْ دوْراً أساسيّاً في الدفاع عن المجال الجوي المصري في منطقة الدلتا.

وأصبحت المعركة - في الذاكرة العسكريّة المصريّة - رمزاً للصمود والاشتباك الجوّي المُنظَّم، وتُحيي مصر ذكرى القوّات الجويّة في 14 أكتوبر من كل عام تخليداً لهذه المناسبة.


الظروف التي سبقت المعركة:

لفهم أهميّة معركة المنصورة، لا بُد من العوْدة إلى الأيّام الأولى من حرب أكتوبر 1973، حين عبرتْ القوّات المُسلّحة المصريّة قناة السويس يوم 6 أكتوبر، ونجحت في اقتحام خط بارليف وإقامة رؤوس كباري على الضفة الشرقية للقناة.

أدّت القوّات الجويّة المصريّة دوْراً مُهِمّاً في بدء الحرب، إذ نفَّذتْ ضربةً جويّةً ضد أهدافٍ عسكريّةٍ إسرائيليّة في سيْناء، بالتزامُن مع انطلاق الهجوم البرّي، وبعد ذلك واصلتْ الطائرات المصريّة تنفيذ مهامها في دعم القوّات البريّة وحماية المجال الجوي بالتعاون مع منظومة الدفاع الجوي المصرية.

ومع استمرار القتال أصبحت القواعد الجوية المصرية في منطقة الدلتا أهدافاً مهمّةً للطيران الإسرائيلي، فقد كان إضعاف هذه القواعد من شأنه تقليل قُدرة المقاتلات المصرية على الإقلاع والتصدّي للهجمات الجوية، فضلاً عن الحد من قُدرتها على مساندة القوات البريّة.

ومن هنا جاءت أهمية مطارات المنصورة وطنطا وأنشاص وغيرها من القواعد الجويّة، التي كانت تُمثِّلُ جُزءاً من منظومة الدفاع عن شمال مصر ووسطها.

ووفقاً للروايات المصرية عن المعركة كانت قاعدة المنصورة الجويّة قد تعرّضت لمحاولات هجوم إسرائيلية في الأيام السابقة، الأمر الذي جعل الاستعداد لاحتمال تكرار الهجوم أمراً ضروريّاً.

لماذا اختارت إسرائيل مُهاجمة قواعد الدلتا؟:

كان الهدف من الهجوم الإسرائيلي في 14 أكتوبر إضعاف القدرات الجوية المصرية في منطقة الدلتا وإلحاق الضرر بالطائرات الموجودة على الأرض أو إجبارها على الانشغال بالدفاع عن القواعد بدلاً من أداء مهامها القتاليّة الأُخرى.

وكانت الطائرات الإسرائيلية تتمتّع بقدراتٍ قتاليةٍ متقدِّمة، ومن أبرزها المقاتلات الأمريكية الصنع من طرازيْ F-4 Phantom II وA-4 Skyhawk اللتان استخدمتهما إسرائيل على نطاقٍ واسعٍ خلال الحرب.

وفي المقابل، اعتمدت القوات الجوية المصرية على طائرات من بينها ميج-21 السوفيتية الصنع، إلى جانب طائراتٍ مقاتلةٍ وهجوميةٍ أُخرى.

ولم يكن التفوق في هذه المواجهة مرتبطاً بمواصفات الطائرات وحدها؛ إذ كانت هناك عوامل أخرى بالغة الأهمية، منها: كفاءة الطيّارين والتوجيه بالرادار والتنسيق بين القواعد الجوية وسُرعة تجهيز الطائرات لإعادة الإقلاع.

وقد دخل الطرفان المعركة في ظل ظروفٍ قتاليّةٍ معقَّدة تتطلَّبُ سُرعةً في اتخاذ القرار وقُدرةً على تمييز الطائرات الصديقة والمعادية والعمل تحت ضغط زمني شديد.

كيف بدأت معركة المنصورة الجوية؟:

بدأت أحداث المواجهة بعد ظُهر يوم 14 أكتوبر 1973، وتُشير الروايات المصرية المنشورة إلى أن محطات الرادار رصدت اقتراب تشكيلاتٍ من الطائرات الإسرائيلية من جهة البحر المتوسط في اتجاه منطقة الدلتا.

وتذكر روايةٌ تفصيليّةٌ نشرتها صحيفة الأهرام أن الإنذار الأوّل جاءَ في نحو الساعة الثالثة والرُبع عصراً عندما رُصِدَتْ مجموعةٌ من طائرات الفانتوم ثم ظهرت تشكيلاتٌ أكبرُ قادمةٌ من اتجاهاتٍ مُتعدِّدةٍ من بينها اتجاهات بورسعيد وبلطيم ودمياط.

استدعت هذه التطورات تحرُّك المقاتلات المصرية من قاعدة المنصورة الجوية ثم انضمَّتْ إليها طائراتٌ من قاعدة طنطا، وتوالت عمليّات الإقلاع والاعتراض مع ازدياد حجم الهجوم.

وكانت إحدى المسائل الحاسمة هيَ كيفية التعامُل مع أسلوب الهجوم الإسرائيلي، فحاولتْ بعض التشكيلات الإسرائيليّة استدراجَ المقاتلات المصرية بعيداً عن الأهداف التي يُفتَرَض أن تحميها بينما تتقدَّمُ تشكيلاتٌ أُخرى لمهاجمة القواعد والمُنشآت العسكرية.

ولذلك لم يكن القرار الصحيح هو مطاردة كل طائرة معادية بلا تمييز وإنما تنظيم الاعتراض وفقاً للموْقف الجوّي للمحافظة على حماية الأهداف الأساسيّة وتنسيق تحرُّكات المقاتلات مع توجيهات القيادة الأرضيّة.

ومع تصاعد الهجوم، تحوَّلت سماءُ الدلتا إلى ساحة اشتباكٍ جويٍّ واسعٍ شاركت فيه تشكيلات من الطائرات المصريّة والإسرائيليّة.

53 دقيقةً من القتال في سماء الدلتا:

تُقدَّر مدة معركة المنصورة بنحو 53 دقيقة، وهي مُدّةٌ طويلةٌ نسبيّاً بالنسبة إلى اشتباكٍ جويٍّ كثيف تتغيّر فيه مواقع الطائرات بسُرعة وتتداخلُ خلاله مهمات الاعتراض والمطاردة وحماية القواعد.

ومن الأرقام الشائعة أن نحو 120 طائرة إسرائيلية شاركت في الهجوم في مواجهة 62 طائرة مصرية أقلعت من المنصورة والقواعد الجوية الأخرى.

لم يكن الطيّارون المصريّون يواجهون مهمةً بسيطة؛ فقد كان عليهم الاشتباك مع طائراتٍ معادية تتمتّع بقدراتٍ تسليحيةٍ وإلكترونيةٍ مُتقدِّمة، مع المحافظة على الوقود اللازم للعودة إلى قواعدهم وتجنب الاصطدام بالطائرات الأخرى في سماءٍ ازدحمت بالمُقاتلات.

وفي الوقت نفسه كان على أطقُم التوجيه الأرضي متابعة الموْقف وتحديد الاتجاهات التي تأتي منها الطائرات المعادية، وعلى الفنيّين وأطقُم الصيانة تجهيز الطائرات وإعادة تسليحها وتزويدها بالوقود بأسرع ما يُمكِن.

وقد أظهرت هذه المعركة أن القتال الجوي ليس مواجهةً فرديّةً بيْن طيّارين فحسب، بل هو منظومةٌ متكاملةٌ يشتركُ فيها الطيّارون وقادةُ التشكيلات ومُراقبو الرادار وأطقُم الصيانة والتسليح والاتصالات، ومن دون هذا التنسيق يصعُبُ على المقاتلات الاستمرار في القتال أو العوْدة إلى الجو بعد الهبوط والتزوُّد بالوقود.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX