معركة المنصورة الجويّة (2)
دور قاعدة المنصورة والقواعد الجوية الأُخرى:
كان لقاعدة المنصورة الجويّة الدور المركزي في المعركة، لكن المواجهة لم تكن عملاً منفصلاً عن بقية منظومة القوّات الجويّة المصريّة، فقد شاركت طائراتٌ من قواعدَ أُخرى - من بينها طنطا وأنشاص - في التصدّي للهجوم، وأتاحَ توْزيعُ الطائرات على أكثرِ من قاعدة دعم عمليات الاعتراض وتخفيف العِبء عن التشكيلات الموْجودة في الجو.
كذلك كان التنسيق بين الطائرات ومراكز التوجيه الأرضي عُنصراً حاسماً؛ إذ لا يكفي أن تكون المقاتِلة سريعةً أو مسلحةً تسليحاً جيّداً إذا لم تحصل على معلوماتٍ دقيقة عن موْقع الطائرات المُعادية واتجاه حركتها.
وقد أدّى أطقُم الصيانة والفنيّين دوْراً مُهمّاً في استمرار العمليات من خلال إعادة تجهيز الطائرات وتزويدها بالوقود والذخائر وإعادتها إلى الخدمة للمشاركة الفوْريّة في المعركة.
وهذا الجانب مهم عند تقييم المعركة؛ لأن ما حدث لم يكُن مُجرَّدَ اشتباكٍ انتهى بمجرَّد ابتعاد الطائرات المعادية، بل كان اختباراً لقُدرة القواعد الجوية على مواصلة العمل في ظل هجومٍ واسعٍ ومتواصل.
وقد ساعدت خبرات القوات الجوية المصرية المتراكمة خلال حرب الاستنزاف في تطوير أساليب التعامُل مع الطيران الإسرائيلي، وفي تحسين التنسيق بين الطيّارين ومراكز القيادة والتوجيه.
نتائج المعركة وخسائر الطرفيْن:
تُعد نتائج معركة المنصورة من أكثر جوانبها تداولاً في الكتابات المتعلِّقة بحرب أكتوبر، لكن من المهم التمييز بين الأرقام الواردة في الروايات المصرية وبين ما يمكن إثباته بصورةٍ مستقِلّةٍ من مصادر الطرفيْن.
الخسائر الإسرائيلية: تذكر الروايات المصرية الرسمية والإعلامية أن الطيران الإسرائيلي فقد ما بين 17 أو 18 طائرةً خلال المعركة، ويُقدَّم هذا الرقم عادةً بوصفه دليلاً على فشل الهجوم في تحقيق أهدافه الرئيسية، واضطرار الطائرات المُهاجمة إلى الانسحاب، لكن المصادر الإسرائيلية لا تُقِرُّ بالضرورة بهذه الحصيلة، ولذلك ينبغي التعامل مع رقم 17 أو 18 بوصفه الحصيلة الشائعة.
الخسائر المصرية: تذكر الروايات المصرية أن القوات الجوية المصرية فقدت خمس طائراتٍ خلال المعركة بالإضافة إلى طائرتيْن فُقِدَتا بسبب نفاد الوقود.
وعموماً فالطائرات الإسرائيلية لم تنجح في تحقيق الهدف الأساسي من الهجوم: وهو تحييد القواعد الجوية المصرية في الدلتا وإضعاف قدرتها على مواصلة العمليات.
لماذا تُعَد معركة المنصورة حدثاً مهمّاً في تاريخ الطيران العسكري؟:
لا ترجع أهمية المعركة إلى أعداد الطائرات والخسائر المُعلَنة وحدها بل إلى مجموعةٍ من الدروس العسكرية التي كشفتْ عنها:
أهميّة الاستعداد والإنذار المُبَكِّر: أثبتت المعركة أن اكتشاف اقتراب الطائرات المعادية ونقل المعلومات بسُرعة إلى القيادة عاملان أساسيّان في تقليل عُنصُر المُفاجأة ومنح المقاتلات الوقت اللازم للإقلاع والاعتراض.
أهميّة القيادة والسيْطرة: في المعارك الجوية الكبيرة يصبح التنسيقُ بين الطائرات ومراكز الرادار والتوجيه الأرضي ضروريّاً لتوْزيع المهام وتجنُّب الفوْضى وتوْجيه المقاتلات نحو الأهداف ذات الأوْلويّة.
أن التفوُّق التكنولوجي لا يَحسِم كل مواجهةٍ بمفرده: توفِّرُ الطائرات الحديثة قُدراتٍ مهمّة لكن الاستفادةَ منها تتوقَّفُ أيضاً على التدريب والتكتيك وكفاءة الطيّارين وجوْدة المعلومات المُتاحة لهم، وتوضِّحُ معركة المنصورة أهميّة اجتماع هذه العوامل في تحديد نتيجة الاشتباك.
دور الفنيّين وأطقُم الصيانة: لا يُمكِنُ فَصْلُ نجاح العمليات الجوية عن كفاءة الأطقُم الأرضية، فسُرعة إعادة تسليح الطائرات وتزويدها بالوَقود وإصلاح الأعطال قد تُحدِّدُ عدد الطلعات التي تستطيع القوّة الجويّة تنفيذَها خلال فترةٍ زمنيّةٍ قصيرة.
أهميّة حماية القواعد الجويّة: تُؤثِّرُ سلامة المطارات ومُنشآت القيادة والاتصالات في قُدرة القوّات الجويّة على مواصلة القتال، ولهذا كانت محاولة تحييد قواعد الدلتا ذات أهميّةٍ استراتيجيّةٍ بالنسبة للهجوم الإسرائيلي.
لماذا أصبح 14 أكتوبر عيداً للقوات الجوية المصرية؟:
أصبح يوم 14 أكتوبر عيداً سنويًّا للقوات الجوية المصرية، تخليداً للمعركة وما ارتبطَ بها من أداءٍ قتاليٍّ للطيّارين الأبطال وأطقُم الدعم والتوجيه والصيانة، وقد ظلَّتْ هذه المعركة موْضوعاً للكتابات الصحفية والعسكرية العالميّة، كما تُستعاد تفاصيلها في المناسبات الوطنية المرتبطة بحرب أكتوبر.
ما الذي بقي من ذِكرى معركة المنصورة؟:
بعد مرور أكثر من نصف قرن على المعركة ما زالت المنصورة حاضرةً في الذاكرة المصرية بوصفها المدينة التي شهدت واحدةً من أهم المواجهات الجوية خلال حرب أكتوبر.
وقد ارتبط اسمها بطيّاري القوات الجوية المصرية الذين شاركوا في الاشتباكات، وبالضُبّاط الذين تولّوا قيادة العمليات، وبأطقُم الرادار والفنيّين الذين ساعدوا في استمرار الطلعات الجوية.
وتحمل الذكرى أيضًا قيمة تتصل بتوثيق التاريخ العسكري؛ إذ إن فَهْمَ المعركة بصورةٍ دقيقة يتطلَّبُ الرجوعَ إلى سجلّات العمليّات، وشهادات المُشاركين، والمصادر المصرية والإسرائيلية، والتمييز بين البلاغات التي صدرت أثناء الحرب والتقييمات التي ظهرت بعد انتهائها، فالتاريخ العسكري لا يكتمل بمجرد سرد البطولات، وإنما يحتاج كذلك إلى فحص الأرقام، ومقارنة الروايات، وفهم القرارات في ضوء الظروف التي اتُخذَت فيها، وهذا لا ينتقص من أهمية المعركة في الذاكرة الوطنية، بل يُساعد على تقديمها للأجيال الجديدة بصورة أكثر دِقّةً وعُمقاً.