المشهد الرابع
وأثناء جلوس خليستاكوف وحده وهوَ يعد الأوْراق الماليّة التي تركها القاضي يدخُل عليه مدير البريد بمفرده وهوَ مُنتصب القامة ويرتدي البدلة الرسميّة لهيْئة البريد ويضع يده على مقبض السيْف.
لي الشرفُ أن أُقدِّمَ نفسي: إيفان كوزميتش شبيكين .. برُتبة مُستشار شرف .. مُدير البريد.
آه تفضَّل .. كم أحب المجتمع اللطيف .. اجلِس .. هل تعيش هنا دائماً؟
بالضبط!
إن هذه المدينةَ تُعجبُني .. صحيح أن الناسَ هُنا قِلّة ولكن ما ضيْرُ ذلك؟ .. فهيَ ليستْ العاصمة .. ألا توافقني؟
إنها الحقيقة بعيْنها يا سيّدي.
في العاصمة وحدها تجد المُثقَّفين والعُظماء .. ألا تُشاطرُني الرأي؟
هكذا بالضبط! .. (جانباً في نفسِه) إن المُفتِّشَ - في الواقع - ليسَ متعجرفاً .. فهوَ يسأل عن كل شيء.
ورغم ذلك أعتقدُ أنك تُوافقُني في أنه - حتى في المدينة الصغيرة - يُمكِنُ للمَرءِ أن يحيا حياةً سعيدة؟
هكذا بالضبط.
إن ما يحتاجُه المَرءُ برأيي هوَ أن يحترموه ويحبّوه عن شعورٍ صادق .. أليسَ كذلك؟
هذا عيْنُ الصواب.
أعترفُ أنني مسرورٌ كوْنك تشاطرني الرأى يا رفيق شبيكين .. ربما يعتبرُني البعضُ غريباً ولكن هذا هو طبعي فأنا صريحٌ للغاية .. (يقول في نفسه وهو ينظر في عيْنيْه) سأطلبُ قرضاً من مدير البريد هذا .. (بصوْتٍ عالٍ) يا للحَدَث الغريب الذي جرى معي: فقد استنفدتُ نقودي في السفر .. ألا تستطيعُ أن تقرضني ثلاثمائة روبل؟
وكيف لا يا سيّدي؟! .. سأعتبرُ ذلك شرفاً كبيراً بالنسبة لي .. هاكَ تفضَّل .. إنني مُستَعِدٌّ لتقديم خدماتي من كل قلبي.
شُكراً جزيلاً .. أمّا أنا فأعترفُ أنني لا أُحِبُّ أن أبخلَ على نفسي بشراء شيءٍ أثناء السفر. ثم ما الداعي؟! .. أليسَ هكذا؟
هكذا بالضبط .. (يقف مُنتصِباً وهوَ يضعُ يده على قبضة السيْف) لا أجرؤُ على مُضايقتك أكثر بوجودي .. ألا توجد لديكم مُلاحظاتٌ بخصوص الإدارة البريديّة؟
كلّا.
وينحني مدير البريد ويخرج مُحيّياً خليستاكوف الذي يُخرِجُ سيجاراً ويقولُ لنفسِه وهوَ يُشعِلُه:
أعتقدُ أن مديرَ البريدِ إنسانٌ طيّبٌ بدوْره .. إنه خدومٌ على الأقل .. إني أُحب مثلَ هؤلاء الناس!
