خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | بالضبط كما رآها في النوم (2)


القبطان والضابط الأول يقفان على سطح السفينة التي تقترب من الجبال الجليدية حيث السفينة الغارقة

بالضبط كما رآها في النوم (2)



وتابعَ القبطان حكايته:

  • وضحكتُ ممّا قاله الضابطُ الأوّل وقُلتُ له: هذه هلوسة أو لعلّكَ تعبان .. ولكن أمام صوته الجاد وما أعرفه عنه من صدق طلبتُ إليه أن يذهبَ ويأتيَ بهذا الشخص الغريب .. ولكن الضابط كانَ خائفاً .. وطلبَ مني أن أُرافِقَه .. وذهبتُ معه ولم نجِدْ هذا الشخص الغريب .. وهززتُ رأسي وكتفي وأنا أقول: طبعاً هذا ما كنت أتوقعه .. ولكن الضابط الأوّل لم يُصَبْ بخيْبة أمل .. فلا يزالُ في وجهه إصرارٌ على كل كلمةٍ قالَها .. ثم إنه اتجه بسُرعةٍ إلى المكتب ووجدَ الورقةَ وفوْقَها القلم .. وقدَّمَ لي الورقة وهوَ يقول: اقرأ لقد كتب شيئاً بخط يده .. ومددتُ يدي إلى الورقة ووجدتُ هذه العبارة: اتجهوا إلى الشمال الغربي .. ولم أُصدِّق أيضاً .. إن هذا خطُّ أحدٍ غريب .. فطلبتُ إلى الضابطِ الأوّل أن يكتبَ نفس العبارة فكتبها .. إنه خَطٌّ مُختلف .. وأتيتُ بجميع أفراد طاقم السفينةِ واحداً واحداً .. ليْسَ بيْن ما كتبوه حرفٌ واحدٌ يُشبِهُ هذا المكتوبَ على الورقة .. إذن هُناك شخصٌ غريبٌ على هذه السفينة ولا بُدَّ من القبض عليه حيّاً أو ميّتاً حتى يتبدَّدَ خوْفُ كل طاقم السفينة .. وخوْفي أنا أيضاً .. أمّا الضابطُ الأوّل فهوَ أكثرُنا تصديقاً لما حدث .. وظللتُ طوال الليْل أُفكِّرُ في هذا الأمر .. ورُحتُ أسألُ طاقَمَ السفينةِ إنْ كانَ أحدٌ قد لاحظَ على الضابط الأوّل أيَّ تغييرٍ أو مرضٍ في الأسابيعِ الماضية .. ولكن أحداً منهم لم يُلاحظْ شيْئاً .. وسألتُ إنْ كانَ أحدٌ قد لاحظَ أنه يُسرفُ في الشراب فأجابوا بالنفي .. وسألتُ إنْ كانت له همومٌ خاصّةٌ أفضى بها لأحدٍ منهم .. لا شيءَ من ذلك .. فهوَ رجلٌ في غاية الكفاءةِ والأمانة وهوَ شخصيّةٌ نموذجيّة .. وقد ضاعفت هذه المَزايا الأخلاقيّة والعمليّة من صعوبة الموْقِف .. ولكن أهمَّ شيءٍ يجب أن أتخذَ فيه قراراً سريعاً هوَ اتجاهُ السفينة .. فذهبتُ إلى الضابط الأوّل وقُلتُ له: إنَّ الرياحَ معنا والموْج مُتوسِّط فلماذا لا نتجهُ إلى الشَمال الغربي؟! .. وفرحَ الضابطُ الأوّلُ وقال: سيّدي القُبطان كان في نيّتي أن أقولَ لك ذلك ولكن الرأيَ لك! .. واتّجهَتْ السفينةُ إلى الشَمال الغَربي .. وعند الظهيرة سمعتُ أحدَ رجالي يصرُخُ في أعلى السفينة .. لقد رأى أحدَ الجبالِ الجليديّة .. وبالقُربِ من جبل الجَليد كانت سفينةٌ قد ارتطمَتْ به فتمزَّقتْ تماماً .. واقتربنا من السفينةِ المُحطَّمة ووجدنا بعضَ الزوارقَ الصغيرة التي تغطَّتْ بجُثثٍ لبحّارةٍ ومُسافرين قد تجمَّدوا حتى الموْت .. ووجدنا زوْرقيْن آخريْن وفي كل زوْرَقٍ رجُلٌ بيْنَ الحياةِ والموْت .. وكان لا بُدَّ أن نلمِسُهما برفقٍ شديد .. فالأطرافُ مُتجمِّدةٌ تماماً وإذا حملنا الواحدَ منهما بشدَّةٍ تحطَّمتْ أضلاعُه أو انكسرت ذِراعُه أو ساقُه .. وبمُنتهى الرِقّةِ واللُّطفِ نقلنا الاثنيْن إلى ظهر السفينة حيْثُ الدِفءِ .. وبدأنا نصُبُّ الماءَ الساخنَ على جسمِ كُلٍّ منهما ونملأُ فَمَ كل واحدٍ بالكحول .. وبعد ساعةٍ تحرَّكَ الاثنان .. ومن المُؤكَّدِ أن الحياةَ قد استأنفتْ دوْرتها العاديةَ في كلٍّ منهما .. وكان أحدُهما هو قُبطان السفينة الغارقة .. والتفتَ هذا القُبطان يشكُرنا .. ولم يكَد يُديرُ لنا وجهه حتى صرخَ الضابطُ الأوّلُ في سفينتي ثم ابتعدَ قليلاً .. وعندما نظرتُ إليه وجدتُه يُصلّي ويتجهُ إلى السماء .. ويبدو أنه كانَ يتلو بعضَ الآيات .. وبعدَ أن استرحتُ إلى حالة القُبطان والرجل الآخر ذهبتُ إلى الضابط الأوّل وسألتُه فقال: إن هذا القُبطان الذي أنقذناه هو نفسه الرجلُ الغريبُ الذي كانَ يجلسُ على مكتبِك وهوَ الذي كتب على الورقة أن نتجه إلى الشمال الغربي فالعناية الإلهية قد أرسلت هذا الرجل أو صورته أو شبحه أو روحه .. أو أحداً شبيهاً به لكي نجيءَ إلى هُنا ونُنقِذَ ما تبقّى من السفينة! .. إنه هو! .. وازدادت دهشتي فكل ما اتصوَّرُه عن الأشباح والأرواح إنها لأُناسٍ ماتوا أو قُتِلوا ولكن هذا القبطان لا ماتَ ولا قُتِل .. وتحيَّرتُ هل أُصدِّقُ الضابط الأول أو أُكذِّبُه .. فالاتجاه إلى الشمال الغربي كان نوْعاً من نداءِ السماء .. أو توجيهِ العِنايةِ الإلهيّة .. وذهبتُ إلى قُبطان السفينة الغارقة .. وقُلتُ له أنني سوْفَ أطلُبُ منه شيْئاً سخيفاً لا يليق ولكني مُضطَّرٌ إليه .. فقال القُبطان: سيدي القبطان أنتَ أنقذتَ حياتي ولكَ مني الطاعة بل لكَ مني عظيمُ الامتنان .. فأعطيْتُه ورقةً وقلماً وقُلتُ له: أكتُب هُنا هذه العبارة "اتجهوا إلى الشمال الغربي"!



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX