بالضبط كما رآها في النوم (3)
واستكمل القبطان:
وأمسكَ الرجُل الورقةَ والقلمَ وكتب .. وأخرجتُ الورقةَ الأُخرى من جيْبي فوجدتُ أنه هو نفسُ الخَط .. فقدَّمتُ له الورقتيْن معاً وسألتُه: ماذا تقول في هذا؟! .. واندهش الرجُلُ وقال: هذا عجيب فلوْ لم أكن أنا الذي كتبتُ هذه الورقةَ أمامك لقُلتُ أنني كتبتُ هذه أيضاً! .. هذا أغربُ ما رأيْتُ في حياتي! .. ثم طلبَ مني القُبطان تفسيراً لذلك ولكني لم أستطِعْ أن أقولَ له شيئاً لأنني أنا أيضاً في حاجةٍ إلى مَن يشرحُ لي هذا كله .. كيف يستطيعُ إنسانٌ أن يكتُبَ هذه الورقة وهو في مكانٍ آخرَ غريقٌ يبعُدُ عنّا عشراتِ الكيلومترات .. ثم كيفَ يحدُثُ ذلك وهوَ لا يدري .. وعندما جلستُ إلى هذا القبطان وعرفتُ حياتَه وجدتُ أن لنا أصدقاءٌ كثيرين وإنْ كنتُ لا أعرفه .. بل إنني أستطيعُ أن أقول إننا أقارب .. أي إنه شخصيّةٌ حقيقيّة وليْسَ شبحاً ولا روحاً ولا عفريتاً ولا ملاكاً .. وشغلتني هذه الحادثة فلم أعرفْ للنوْمِ سبيلاً ولكن لم أهتدِ إلى حَل .. وكلّما رأيْتُ الضابطَ الأوّلّ وجدتُه أكثرَ ذُهولاً من أي وقتٍ مضى .. أما قُبطانُ السفينة الغارقة فهو أسعدُنا جميعاً ولا يشغلُ نفسَه بما يدورُ في رؤوسِنا .. إنه رجُلٌ كادَ أن يموت وأنقذناه من الموْت برداً وجوعاً وهو مُمتنٌ بالنيابةِ عن الجميع! .. ولكن بعد ذلك بيوْم أتيْتُ بالقُبطان وزميله الذي أنقذناه وسألته: أُريدُ أن أعرفَ بالضبط ما الذي كنتَ تفعله عند غروب اليوْم السابق على إنقاذنا لكم؟ .. فقال زميل القُبطان: كُنّا في زوْرقيْن مُتجاوريْن ثم وجدتُ من المناسبِ أن أقفزَ إلى زوْرقِ القُبطان ونتقارب لعلّنا نُدفّئ بعضُنا البعض ففي ذلك إطالةٌ لحياتِنا بضعَ ساعات ولكن عند غروبِ ذلك اليوْم لاحظتُ أن القُبطانَ قد نامَ نوْماً عميقاً ولا أعرف كيف استطاع ذلك ولكن لعلّه التعبُ الشديد أو لعلّها الرغبةُ في الموْت وعندما صحا القبطان من النوْمِ وجدتُ وجهَهُ قد أشرقَ وقال لي: سوْف ننجو غداً بعدَ أن تجيءَ إحدى السُفُنِ لإنقاذنا .. ولما سألتُه عن ذلك قالَ إنه رأى ذلك في نوْمه وفي اليوم التالي جئتم بالفِعلِ فأنقذتمونا بل أكثرُ من هذا فأنا عندما رأيْتُ سفينتكم هذه عرفتُها .. وهزَّ قُبطان السفينةِ الغارقةِ رأسَهُ قائلاً: فِعلاً قلتُ له أن سفينتكم هذه هيَ بالضبط التي رأيتُها في النوْم بل إنني أعرفُ بالضبط شكلَ مكتبك وأستطيعُ أن أصِفَهُ لك وأعرفُ ملامحَك تماماً وأعرف أنك ترتدي قميصاً أبيضَ عليه بُقعةٌ حمراء فقد رأيتُها في المنام أيضاً .. وهُنا رفعتُ جاكتتي وعرَّيٍْتُ صدري ورأيْتُ قميصي الأبيض فوجدتُ البُقعة الحمراء .. أليس هذا شيئاً عجيباً؟! .. ومضى قبطان السفينة الغارقة يقول: بل إنني دخلتُ مكتبك وفتحتُ أحدَ أدراجه ووجدتُ فيه صورةً لطفلٍ صغيرٍ جميل فمددتُ يدي إلى الصورة وقبّلتُها ومن العجيبِ أن الصورةَ وجدتُها تطفو على وجه الماء إلى جِواري عندما غرقتْ السفينة وظللتُ أطفو وأسبحُ حتى أمسكتُ بالصورة ووضعتُها في جيْبي .. وصرختُ قائلاً: فِعلاً اختفتْ هذه الصورة .. إنها صورةُ ابني الوحيد الذي مات.. أيْنَ هيَ؟! .. ومَدَّ قُبطان السفينة الغارقة يدَهُ إلى جيْبه وأخرجَ صورةَ الطفل الصغير فكانت الصورة مكرمشة ولكن ملامحَ الطِفل واضحةً تماماً .. ومددتُ يدي إلى الصورة وقبّلتُها .. إنها الأثرُ الباقي لابني الوحيد .. ألا ترى يا سيادة السفير أن هذا شيءٌ عجيب؟!!
ولكن السفيرَ الأمريكي أوين هزَّ رأسَهُ بهدوءِ الرجُلِ الغني الذي أُحيلَ إلى المعاش ولا يُريدُ أن ينزعجَ لأي شيْءٍ مهما كان غريباً ثم قال:
فِعلاً شيءٌ غريب .. ولكني لا أُصدِّقُه كما تقولُ السيّدةُ دي ديفان!
