بالضبط كما رآها في النوم (1)
التفتَ أحدُهما للآخر وقال له:
لا أعرفُ ما الذي جعلني أتذكَّرُ دائماً قصّةً رويْتُها عشرات المرّات .. ولا أدري لها تفسيراً وإن كنتُ أومِنُ بها تماماً .. رُبما الأمواجُ وهؤلاء الفتيات وهذه السُفُنُ القادمةُ من بعيد .. رُبما هذا الجوُّ كله هوَ الذي دفعني إلى أن أسألك .. وأرجو ألّا تسخرَ مني.
وكانَ المُتحدِّثُ هو القبطان كلارك، وهوَ بحارٌ أمريكيٌّ قديمٌ ارتادَ المُحيط الأطلسي شمالاً وجنوباً بيْن نيويورك وهافانا، أمّا الآخر المُستمِعُ فهوَ مستر أوين السفيرُ الأمريكي السابق في مدينة نابولي بإيطاليا وكان في ذلك الوقت على المعاش؛ وأي معاش؛ أنه يملك فيلّا جميلةً ولها حديقةٌ هيَ الجنّةُ نفسُها لوْ تمنّاها أكثرُ الناسِ إيماناً لنفسه ولأوْلاده من بعده، ففيها طيورٌ استوائيّة وفيها غزلانٌ وببغاواتٌ وقِرَدة، وفيها أيضاً بعض الأفاعي غيْر السامّة وبعضُ التماسيح، ثم إنه رجلٌ هادئٌ سعيد يُريدُ أن يعيشَ ما تبقّى له من العُمر على مهله، فهوَ يأكُلُ بمُنتهى التأنّي ويشربُ ويستطعمُ قطراتِ الماءِ والكونياك، وإذا أكلَ اللحمَ تحسُّ إنه لا يُريدُ أن يبتلعَه وإنما يُريدُ أن يستبقيه في فمه . . وحياته كلها على لسانه وعلى شفتيْه، والدُنيا حوْله وفي داخله جميلةٌ ناعمة.
ولمّا أرادَ القُبطان أن يُثيرَه التفتَ إليه بسرعة، وهذه الالتفاتةُ السريعة تُعتبَرُ عملاً عنيفاً، ولمّا لاحظَ القُبطان ذلك بادره قائلاً:
هل سمعتَ إنني مُخرِّف؟
قالَ السفير:
أبداً.
فقال له القُبطان:
هل تُؤمِنُ بالأرواحِ والأشباح؟
أجابَ السفير:
لا طبعاً .. كيْفَ أُصدِّقُ شيْئاً من ذلك ونحن الآن في عام ١٨٥٣ بعد ميلاد المسيح.
ولكن الملائكةَ والشياطين جاءت في الكتاب المُقدَّس .. وجاءَ أيضاً أن أحدَ الملائكةِ قد أنقذَ بُطرُس من سِجن الملك هيرود.
أعرفُ ذلك .. ولكني لم أرَ شيْئاً من ذلك.
أنتَ تُؤمنُ بالله ومع ذلك لم ترَه.
هذا صحيح.
تُؤمنُ بالأنبياء والقدّيسين وغيرهم من عُظماء التاريخ ولم تعِش في عصرهم.
صحيح.
إذن ما الذي يمنعُك أن تؤمنَ بهذه الظواهرَ الغريبةِ التي لم يجد لها العقلُ تفسيراً بعد.
ما دامَ العقلُ لم يجد لها تفسيراً فاعذُرني إذا لم أُصدِّقْها!
على كل حالٍ هذا رأيُك .. وأنا بهذه المناسبة أذكُرُ عبارةً قرأتُها لإحدى سيّدات الصالونات بباريس واسمها مدام دي ديفان وكانت صديقةً لأعلام الفِكْر الفرنسي في ذلك الوقت مثل فولتير ومونتسكيو وفونتنيل ودالمبير ثم إنها كانت صديقةً للكاتب الإنجليزي هوراس والبول.
أعرفُ ذلك .. وأعرفُ إنها كانت سيّدةً سليطةً أيضاً!
هذا بالضبط ما أردتُ أن أُنبِّهَكَ إليه .. فقد سُئِلَتْ عن رأيها في الأرواح والأشباح فقالت: لا أؤمن بها ولكن أخاف منها!
وضحك الرجلان، ،فأحسَّ القُبطان أن شهيّة السفير قد انفتحتْ لسماع قصّته الغريبة فهذه القصّة لا علاقةَ لها بالأشباح والأرواح وإنها هيَ شيءٌ أغربُ وأعجبُ من ذلك!
يقول القبطان:
كنتُ في رحلةٍ بين ميناء ليفربول بالجُزُر البريطانيّة وميناء نيويورك الأمريكي .. وقد مضى علينا في المحيط أكثرُ من سِتّة أسابيع .. كانت الرحلة عاديّة .. وفي يوْمٍ عند الغروب جاءني الضابط الأوّل في حالةِ فزع .. فسألته: ماذا حدث؟ .. قال: يوجدُ شخصٌ غريبٌ في السفينةِ لم أرَهُ من قبل! .. ولم استرِح لهذا الذي يقوله الضابط .. فقُلت: لم أفهم .. فقالَ إنه عندما كان يقف أمام ليرسم خط سير السفينة ويُحدِّد سرعتَها واتجاه الريح وارتفاع الموج التفتَ إلى الوراء ليسألني عن الاتجاه الذي يجب أن تأخذه السفينة فإذا به يرى شخصاً آخرَ جالساً على مكتبي .. هذا الشخص قد أمسكَ ورقةً وقلماً وراحَ يكتب .. فلمّا نظر هذا الضابط إلى ذلك الشخص الغريب وتحدَّثَ إليه لم يرُد عليه .. فتركه الضابط وراحَ يبحثُ عني حتى وجدني على ظهر السفينة فقال لي: في السفينة شخصٌ غريب.
