المشهد الأول
غرفة صغيرة في الفندق: سرير، طاولة، حقيبة، زجاجة فارغة حذاء، فرشاة ثياب وما إلى ذلك وأوسيب يرقُد في سرير سيّده ويُكلِّم نفسه:
اللعنة .. يا له من جوعٍ هذا! .. أشعرُ ببطني تُقرقِرُ وكأن عصافيرَها كلّها تنقنِقُ وتُزقزِق .. لم نعُد نستطيعُ الوصولَ حتى إلى البيت! .. وهاكَ الوضْع .. ما الذي يُمكِن عمله؟! .. فقد دخلَ الشهر الثاني على مغادرتنا بطرسبرج ! ولقد بذَّرَ سيّدي خليستاكوف النقود في الطريق أمّا الآن فها هوَ قد قعدَ عن الحركة وفترَ حماسُه .. كان يمكن أن يكفينا ما صرفناه ويزيد .. ولكنه يُريدُ إبراز نفسه في كل مدينة .. (يُقلِّدُ سيّده بتهكُّم) "هيّا يا أوسيب اذهبْ واخترْ الغُرفة الأفضل واطلُبْ الطعامَ الأحسن فأنا لا أستطيعُ تناوُلَ طعامٍ آخر" .. (يعودُ يُحدِّثُ نفسَه) ولا بأس لوْ أنه كانَ بالفِعلِ إنساناً ذا قيمة ولكنه مُجرَّدُ مُوظَّف سكرتارية بسيط! .. تراهُ يتعرَّفُ على المسافرين ثمَّ بعدَ ذلك يلعب الورق .. وها هيَ نتيجة لعبه .. هيه .. لقد سئمتُ هذه الحياة! .. إن الحياةَ في الريف أفضل فعلاً .. صحيحٌ أنه لا يوجد فيها حياةٌ اجتماعيّةٌ مثل هُنا في المدينة ولكن بوسعك أن تتزوَّجَ امرأةً تُسعِدُك وتصنعُ لك الفطائر الشهيّة .. ولكن هل يختلف اثنان على أن الحياةَ في بطرسبرج أفضلُ من أي مكان؟! .. المُهم أن تتوفَّرَ النقود حيْثُ تعيشُ فيها حياةً لطيفة وتسيرُ وفق أصول الإتيكيت فبها مسارحٌ وملاهٍ وكل ما تُريد .. تتحدَّثُ بلباقةٍ رفيعة .. لا يفوقُكَ فيها إلّا النبلاء .. وحينَ تذهبُ إلى السوق يُناديك التجّار بلقب "يا مُحترَم" .. وفي المواصلات تجلسُ مع الموظَّفِ والمُدرِّسِ والمُحامي .. وإذا أردتَ قضاء الوقتِ مع صُحبةٍ فاذهب إلى أي مقهى أو مطعم .. وهُناك يُحدِّثُكَ جُندي الخيّالة عن المُخيّمات ويُعلِنُ لك أن لكل نَجمٍ في السماء اسماً وفائدة .. فترى كُلَّ شيءٍ وكأنه في راحة يدك .. وتُحدِّثُك زوْجة الضابط العجوز بالحكايات الفريدة .. وأحياناً تجيء وصيفةٌ من الوَصيفات الحِسان .. يا لهن من نساء .. (يبتسم بسخريةٍ ويهز رأسَه) اللعنة .. كم هيَ رائعةٌ هذه المُعاملة! .. ولا يمكن أن تسمعَ كلمةً نابية فالكل يُخاطِبُكَ بصيغة احترام قائلاً "سيادتك" .. وإذا ما سئمتَ السيْر تأخذُ عربةً وتجلسُ كما الوجهاء .. وإذا كُنتَ لا تُريدُ أن تدفع له فلا مانع فلدى كل منزلٍ بوّابتان مُتقابلتان وإذا ما اختفيْتَ عجزَتْ الأبالسة عن العثور عليك .. شيءٌ واحدُ سيّء: فمرّةً تأكلُ وَجبةً دَسِمة وفي أُخرى تكادُ تموتُ من الجوع كما هو الحال الآن .. وسيّدي خليستاكوف هو المُذنبُ في هذا كله .. فماذا أفعلُ معه؟ .. لا يكادُ أبوه يُرسِلُ إليه المالَ حتى يقوم ببعزقته بدلاً من إنفاقه بتدبير: يركب العربات ولا يسير وكل يوْمٍ يدخُلُ المسرح وبعد أسبوعٍ يُرسِلُكَ إلى سوق الأشياء المُستعمَلة لبيْعِ بَدلة سهرةٍ جديدة .. وفي بعض الأحيان يخسرُ كل ما معه حتى آخر كوبيك فلا يبقى عليه إلّا السُترةُ الصغيرةُ والمعطف القصير .. قَسَماً بالله إنها الحقيقة .. فذات يوْمٍ باع بَدلةَ جوخٍ انجليزيٍّ فاخرة كان ثمنُها مائةً وخمسين روبلاً بحوالي عشرين فقط .. أمّا بالنسبة للسراويل فحدِّثْ ولا حَرَج فهي تذهبُ بدونِ مُقابل والسبب أنه لا يُزاوِلُ عملاً وبدلاً من أن يعملَ يذهبُ للتَنزُّهِ في الشارع الرئيسي ويلعب بالورق .. إيهٍ لو عرفَ السيّد الكبير بهذا .. لم يكُن ليتورّعَ عن أن يوسِعَ ابنه ضرباً يجعله يتألّم أيّاماً وليالٍ .. وها هوَ صاحب الخان (الفندُق) يقولُ إنه لن يُقدِّمَ لنا طعاماً إلّا بعد أن ندفعَ ثمنَ ما سبق .. ولكن ماذا إذا لم ندفع؟ .. (يتنهَّد) آه .. يا إلهي يا ليتني أجدُ طبَقاً واحداً من الحساء! .. يُخيَّلُ إليَّ أنني على استعدادٍ لالتهام العالَم كله .. ها .. ثَمّة مَن يطرُقُ الباب .. لا بُدَّ أنه هوَ القادم.
وينهض أوسيب من على السرير على عَجَل.
