خبر
أخبار ساخنة

المفتش العام | الفصل الثاني | المشهد الثامن


حاكم المدينة في زيه الرسمي يزور خليستاكوف في غرفته بالفندق ومعه دوبتشينسكي

المشهد الثامن



دخلَ حاكم المدينة الغُرفة ووراءه دوبتشينسكي في حين انصرف أوسيب، وما إن تلاقت أعيُن الحاكم وخليستاكوف حتى أخذ يحدِّق كلٌّ منهما في الآخر بخوْفٍ وريبة وقد جحظت عيونُهما.

  • حاكم المدينة (وقد استردَّ بعضَ قواه وشَدَّ يديْه الى جانبيْه

كالجُندي): أُقدِّمُ لسيادتكم التحيّة.

  • خليستاكوف (ينحني له في هيْبة): وتحيّتي لسيادتكم.

  • الحاكم: عفوا!

  • خليستاكوف: لا بأس.

  • الحاكم: إن واجبي كحاكم هذه المدينة أن أسهرَ على أن لا تكونَ هُناك مُضايقات لضيوفنا القادمين ولجميع الناس النُبلاء.

  • خليستاكوف (في البداية يتلعثَمُ قليلاَ ولكنه يتحدَّثً بصوْتٍ جهوريٍّ في نهاية كلامه): ولكن ما العمل الآن؟ .. لستُ مُذنباً .. سأدفعُ لاحقاً .. سيُرسل لي أهلي مبلغاً من المال من قريتي .. ولكن الذنب ذنب صاحب الفندق .. فاللحمُ يقدِّمونه لي كما الخشب أمّا الحساء فالشيْطان وحدُه يعرف ماذا وُضِعَ فيه .. كان عليَّ أن أرميه من النافذة .. لقد أذاقني الجوعَ أيّاماً بكاملها .. ناهيكَ عن ذلك الشاي الغريب الذي تفوح منه رائحة السمك العفنة دونَ أي نكهةٍ للشاي .. فما الذي عساني أفعله؟! .. أليست هُناك رقابةٌ على الأكل من أولي الأمر؟!

  • الحاكم (بخوْفٍ ووَجَل): عفوكم .. لستُ الملومَ فعلاً .. فاللحمُ في السوق عندنا جيّدٌ دائماً .. وتُجّار اللحم واعون ولا غُبارَ على سلوكهم .. ولستُ أدري من أيْن يأتي صاحب الفندق بهذا اللحم .. وإذا كان ثَمّة شيءٍ ليس على ما يُرام هُنا فاسمحوا لي أن أقترح عليكم الانتقالَ معي إلى مكانٍ آخر.

  • خليستاكوف: كلا .. لا أُريد بالطَبع .. أعرف ماذا تعني بالمكان الآخر .. تقصد السجن هه؟ .. ولكن مَن خوّلك هذا الحَق؟ .. ثم كيف تجرؤ؟ .. إنني .. أنني موظّفٌ حكوميٌّ عام في بطرسبورغ .. (يزداد حماساً) .. إنني .. إنني .. إنني …

  • الحاكم (في سِرّه): يا إلهي .. كَم هوَ شديدُ الغضب .. يبدو أنه عرفَ كل شيء .. لا بُد أن أحد التُجّار الملاعين أخبره بالرشاوى التي آخذُها لأتغاضى عن تلك السِلَع الرديئة التي يجلبونا إلى السوق هُنا .. أو ربما كانت زوْجة صَف الضابط - التي كانت تُمارس التجارة ورفضت أن تدفعَ لي رِشوة - هيَّ التي أخبرته.

  • خليستاكوف (يستمرُّ في كلامه بجرأةٍ منقطعة النَظير): لن أذهبَ حتى لو أتيْتَ أنت وكل مرؤوسيك .. سأذهبُ إلى الوزير مُباشرةً .. (يضرب الطاولة بقضبته) ماذا دهاك؟ .. هه ماذا دهاك؟

  • الحاكم (وقد راحَ يرتجف كله ويزدرِد ريقه الجاف بصعوبة): ارحمني .. لا تقضي عليَّ .. فلديَّ زوْجةٌ وأطفال .. ارفِق بي ولا تجعلني تعيساً.

  • خليستاكوف (وقد شعرَ بأن جرأته قد أثمرت فاستمرأها وواصل حديثه): وما شأني أنا؟ .. هل لأن لديك زوْجةً وأطفالاً عليَّ أن أذهبَ إلى السِجن؟ .. (بتهكُّم) شىءٌ رائعٌ حقاً! .. كلّا .. أشكرك بامتنان .. لا أُريد هذا ..

  • الحاكم (وهوَ يرتجِف): إنها قِلّة الخبرة .. قِلّة الخِبرة واللهِ .. مع ضيق ذات اليد أيضاً .. احكُمْ بنفسِك من فضلك! .. فالراتب من خزينة الدوْلة لا يكفي حتى للشاي والسكر .. وإذا كانت هُناكَ رشاوى فإنها زهيدةٌ جدّاً .. تُخَصَّصُ لشراء الأكل والملابس .. أمّا فيما يتعلّق بأرملة صف الضابط التي يُشاعُ أنني جلدتُها فهذا تلفيق .. تلفيقٌ واللهِ .. هذا من اختلاق خُصومي .. يا لهم من ناسٍ لا يتورَّعون عن شيء .. إنهم على استعداد لتدمير حياتي كلها.

  • خليستاكوف (غير فاهمٍ لما يقوله الحاكم): ما هذا؟ .. أنا لا أهتم بالتُجّار من قريبٍ أو بعيد .. (وهو يهرشُ في رأسه مُفكّراً) ولكنني لا أفهم لماذا تتحدَّثُ عن الخصوم وعن أرملة صف الضابط؟ .. إن زوْجةَ صف الضابط شيءٌ آخر أمّا أنا فلن تجرؤ على جَلدي .. هذا بعيدٌ عليك .. هذا ما ينقصني أيضاً! .. فلتعلم أنني لستُ بالقليل .. وعلى أيّة حال فسأدفع .. سأدفع المال كاملاً ولكنني الآن خالي الوفاض .. إن سبب جلوسي هُنا يعودُ بالأساس إلى كوْني لا أملكُ كوبيكاً واحداً.

  • الحاكم (في سرّه): يا لهُ من أمرٍ حسّاس! .. انظُر إلى ماذا يرمي! .. انظر الطُعم الذي ألقاه! .. حتى الجان والشياطين لا يُفكِّرون بخُبثٍ هكذا .. لا يعرفُ المَرءُ من أي جانبٍ يبدأ هذا الماكر .. ولكن فلأحاولُ وليكُن ما يكون .. فلأجرِّب لعلَّ وعَسى .. (بصوْتٍ عالٍ) إذا كنتَ بحاجةٍ فِعلاً إلى النقود أو إلى أي شيءٍ آخر فأنا على استعدادٍ لتقديمِ خَدماتي للتو .. فمن واجبي أن أُساعِدَ القادمين إلى هُنا بصفتي الحاكم.

  • خليستاكوف (مُحاوِلاً استغلال الفُرصة): عُموماً يمكنك أن تعطِني قرضاً لأُسدِّدَ الديْن لصاحب الفندق حالاً .. يكفيني حوالي مائتي روبلٍ أو أقل قليلاً وأعدُكَ بردِّها إليك في أقرب فُرصة.

  • الحاكم (وهو يقدم الأوراق المالية): تفضّل .. مائتا روبلٍ تماماً .. لا تُكلِّف نفسك عناء إحصائها.

  • خليستاكوف (وهو يستلم النقود متعجّباً من سذاجة الحاكم وسهولة استجابته بهذه السُرعة): شُكراً جزيلاً لك .. سأرسلها لك فوْر عوْدتي لقريتي .. لقد حدثَ لي هذا فجأة .. أرى أنك إنسانٌ نبيل.

  • الحاكم (يُحدِّث نفسه بصوْتٍ غير مسموع): حمداً لله .. لقد أخذَ النقود .. أعتقدُ أن الأمورَ ستسيرُ الآن على ما يرام .. لقد دسستُ له أربعمائة روبلٍ بدل المائتين.

  • خليستاكوف: يا أوسيب .. نادِ خادم الفندق هنا! .. (مُخاطِباً حاكم المدينة ودوبتشينسكي) ولكن لماذا أنتما واقفان؟ .. اجلسا من فضلكما .. (لدوبتشينسكي) اجلس أرجوك.

  • الحاكم: لا بأسَ من وقوفنا هكذا.

  • خليستاكوف: اجلسا من فضلكما، إنني أرى الآن بوضوح صفاء خُلُقِكَ وطيبتَك وأعترفُ أنني اعتقدتُ في البداية أنكما أتيتما من أجل تـ… .. آآآآ .. ههههه .. (لدوبتشينسكي) هلا جلست!

يجلس حاكم المدينة هوَ ودوبتشينسكي في نفس الوقت الذي ظهرَ فيه بوبتشينسكي واقفاً وراء الباب - الذي لم يُغلَق جيّداً - يطل برأسه من فتحةٍ ضيّقةٍ بين الباب وإطاره ويسترق السَمْع، ويستمر الحاكم في مناجاة نفسه بنفس نبرة الصوت غير المسموع:

  • الحاكم (في سِرّه): يجبُ أن أكونَ أكثرَ جرأةً .. فهوَ يُريدُ أن نعتبره مُفتِّشاً سِريّاً فيخترع أحداثاً غير مفهومة ليُضلِّلنا عن سبب وجوده الحقيقي .. فليكُن هذا الهُراء .. سنتظاهرُ نحن أيضاً بأننا لا نعرفُ مُطلقا أيَّ شخصٍ هوَ .. (بصوت عالٍ) بيْنما كنتُ أقومُ أنا وبيوتر إيفانوفيتش دوبتشينسكي - وهوَ أحدً المُلّاك المحليّين - بجوْلةٍ تفقُديّة - كما تقتضي طبيعة عملنا - عرجنا إلى هذا الفندق قَصداً لكي نعرفَ ما إذا كان النُزلاءُ يتلقون مُعاملةً جيّدة .. لأنني لستُ كغيْري من حُكّام المُدُن الأُخرى الذين لا يهتمّون بذلك أبداً .. فأنا - إلى جانب واجبات الوظيفة - أُريدُ أن يكونَ كل شيءٍ على ما يُرام كما توصي تعاليم الدين بذلك .. يجب علينا أن نتحابَّ وأن يحظى كل الناس - حتى البُسطاء - باستقبالٍ جيّدٍ ومعاملةٍ حَسنةٍ في مدينتنا .. ولحُسن الحظ جاء تعارُفي السعيد بك وكأنه مكافأةٌ لي.

  • خليستاكوف: إنني سعيدٌ بدوْري .. واعترفُ أنني كنتُ سأجلسُ هُنا طويلاً لوْلاك! .. لم أكُن أعرفُ أبداً كيْفَ أدفع.

  • الحاكم (في سِرّه): لم يعرف كيف يدفع! .. هههه .. ويُريدُني أن أُصدِّقُه .. (بصوْتٍ عالٍ) هل أجرؤُ على سؤالك: إلى أين كنت ستذهب؟ وأي الأماكن تقصد؟

  • خليستاكوف: إنني في طريقي إلى محافظة ساراتوف .. حيْثُ قريتي.

  • الحاكم (في سِرّه وبوجهٍ يكتسبُ تعبيرَ السُخرية): هه .. إلى محافظة ساراتوف! .. هه .. إنه يكذبُ ولا يحمَرُّ خجلاً! .. هه .. يجب أن أُجاريه وأكونُ معه في مُنتهى الحذر! .. (بصوتٍ عالٍ) إن ما تنويه هوَ عيْن العقل .. ففي السفر سبعُ فوائد وأنتَ - ولا شك - مُسافرٌ من أجل الترويح عن النَفس على الأغلب هه؟ 

  • خليستاكوف: كلّا .. إن والدي طلبَ مني الذهاب إلى محافظة ساراتوف لأنال وَظيفةً هُناك .. لقد غضبَ مني ذلك الأبُ العجوز لكوْني لم أستطِع الحصولَ على أي منصبٍ في بطرسبورغ .. فهو يعتقد أنني ما إن أصِلَ ساراتوف حتى أتعيّنَ موظّفاً كبيراً بل أيضاً أنالَ الأوْسِمة والنياشين .. بوِدّي لو ذهبَ هوَ إلى هُناك ليتزاحمَ مع الآخرين في الديوان.

  • الحاكم (في سِرّه): انظروا كيفَ هوَ الفَشْرُ على أصوله! .. لقد لَفَّقَ قِصّة والده العجوز في لحظة .. (بصوْتٍ عالٍ) وهل سيطولُ بقاؤكَ هُناك؟

  • خليستاكوف: لا أعرفُ حقاً .. فوالدي عنيدٌ وغبي .. إنه عجوزٌ جامِدُ العقل .. لقد طاوعتُه فقط ولكنني غيْرُ قادرٍ على الحياةِ بعيداً عن بطرسبورغ فلماذا عليَّ أن أقضي حياتي مع أولئكَ الفلاحين الأجلاف؟ .. لقد تغيَّر الزمان وروحي تتعطَّشُ للمعارف.

  • الحاكم (في سِرّه): لكم أجاد هذا المُراوِغُ في ربط العُقدة! .. يكذبُ ويكذب ولا يُمكِن قَطْعُ خيوطَ كذبه أبداً! .. ولكن انتظِر أيها الماكر الداهية ..  سوْفَ أتمكَّنُ من حَلِّ عُقدة لسانك .. سأُجبِرُكَ على الحديثِ أكثر وأكثر .. (بصوتٍ عالٍ) لقد تفضَّلتَ فأبديْتَ مُلاحظةً صائبة بخصوص العيْش بعيداً عن وطنك مع الفلّاحين الأجلاف .. فماذا يمكن أن يفعلَ إنسانٌ مثلي في هذا المكان النائي؟ .. حتى هُنا: فالليْلُ لا أنامه .. أُحاولُ من أجل الوَطن ولا أضنُّ بشيءٍ من أجله .. وليس معروفاً متى ستكون المكافأة .. (يتفحَّصُ الغُرفة بعيْنيْه) أعتقدُ أن هذه الغُرفةَ رطبةٌ قليلاً! 

  • خليستاكوف: يا لها من غُرفةٍ حقيرة .. أظُنُّ أن البَقُّ هُنا ليس له مثيلاً في أي مكان فهو يعُضُّ مثل الكلاب. 

  • الحاكم (يتصنّعُ التعاطُف): يا خبر! .. ضيْفٌ مُتعلِّمٌ مثلك ويتعذَّبُ هكذا! .. وعلى يد مَن؟ .. على يد ذلك البَق الملعون الذي كان الأجدر ألّا يُخلَق .. ثم ألا يُخيّمُ الظلامُ في هذه الغُرفةِ ليْلاً؟

  • خليستاكوف: ظلامٌ دامس فقد اعتادَ صاحب الفندق على عدم تقديم الشمع لنا .. في بعض الأحيان أشعُرُ بالرغبةِ في القيامِ بشيءٍ ما كالقراءة أو الكتابةِ عندما تتفتَّحُ القريحةُ لتأليفِ شيءٍ ما فلا أستطيع .. ظلامٌ ظلام.

  • الحاكم (بخُبث): هل أجرؤُ فأطلبُ منك أن … ولكن كلّا .. فأنا لستُ جديراً بهذا الطلب.

  • خليستاكوف: ماذا هناك؟

  • الحاكم: كلا .. كلا .. أنا لستُ جديراً .. لستُ جديراً!

  • خليستاكوف: ماذا تقصد؟

  • الحاكم: بوِدّي أن أتجاسرَ و … إن لديَّ في البيْت غُرفةً رائعةً لك .. إنها مُشرِقةٌ هادئة .. ولكن كلّا .. إنني أشعرُ أن ذلك شرفٌ كبيرٌ جداً بالنسبة لي .. لا تغضب مني فلم أقترحْ ذلك إلّا لبساطتي واللهِ.

  • خليستاكوف (فَرِحاً): على العكس .. بكُل طيبِ خاطر .. ففي البيْت المُرتَّبِ سأشعُرُ بمُتعةٍ أكبر من الإقامةِ في هذه الخمّارة القَذِرة.

  • الحاكم: كم سأكونُ سعيداً! .. وكم ستكونُ زوْجتي سعيدة! .. فمن عادتي منذ الطفولة وأنا أُحب إقراء الضيْف وإكرامه .. وبخاصّةٍ إذا كانَ هذا الضيْفُ مُتعلِّماً .. ولا يخطُرنَّ ببالك أنني أقولُ هذا من باب التزلُّفِ والرياء .. كلّا .. فهذه الخِصلةُ ليْست لديَّ .. إنني أُعبِّرُ عمّا يجول بخاطري بمنتهى حُسْن الطويّة.

  • خليستاكوف: شُكراً جزيلاً لك .. وأنا بدوْري لا أُحِبُّ المُرائين .. إنني مُعجب جداً بصراحتك وتِرحابك واعترفُ أنني لا أطلبُ منك أكثرَ من أن تُبديَ لي الإخلاص والاحترام .. الاحترام والإخلاص.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX