خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | فقط هذا الكلب الأسود (2)


شبح اللواء الأعرج روبي ينزل على سلالم قصره ومعه أشباح كلابه ووراءه أشباح راهبات يمسكن شموعاً مضاءة

فقط هذا الكلب الأسود (2)



وقال الناس إن اللواء روبي يتحدَّثُ إلى نفسه كثيراً إذا سارَ في الليْل وحده، وقالوا إنهم كثيراً ما سمعوه في الليْل يتحدَّثُ ولم يكُن هذا الحديث كالذي يدورُ بيْن رجُلٍ وكلب أو حتى وألف كلب ولكنه حوارٌ بيْن عددٍ من الرجال مع أن أحداً لم يدخُلْ بيْته!

وقالوا إن اللواء روبي كانَ يستطيعُ أن يمشي فوق الأرض وتكونُ بينه وبين الأرضِ مسافة، قالوا نصف متر وقالوا متر وقالوا بل إنه يطير، واستراحَ الناسُ في المنطقة إلى أن الرجلَ مجنون، وأن جنونه من النوْعِ الهِندى أي الذي لا علاجَ له ويمكن أن ينتقلَ إلى الناس بالعدوى، بل إن بعضَ الناس يؤكِّدُ أن بعضَ كلاب اللواء روبي تمشي إلى جواره على ساقيْن فقط!

وفي سنة ١٨٧٦ توفي اللواء روبي وأظهرت الوصيّة الأولى أن ثروته يجبُ أن تُعطى لكلبه الأسود، ثم ظهرت الوصيّة الثانية التي قالَ فيها: "سوْفَ أموتُ وسوْفَ أُبعثُ في هذا الكلب فإذا مِتُّ فأكرموني فأنا هذا الكلبُ الأسود!، ثم قال في الوصيّة الثالثة: "لا أحدَ من إخوتي أو أقاربي يستحقُّ مليماً واحداً فلم يرتفعوا إلى مُستوى الكلاب فإذا وعدوا وأقسَموا أمامَ قِسّيسٍ أنهم إذا ماتوا سيعودون إلى الحياة في أجسام هذه الكلاب فلهم أن يتقاسَموا ثروتي مع كلبي الأسود الذي أُوصي له بنصف القصر والمال والمجوهرات والأرض ولهم النصف الآخر!".

وعندما كانوا يُشيِّعون جنازة اللواء روبي كانت الكلابُ تعوي وتئن، ثم سكتتْ مرّةً واحدة، لقد قتلوها جميعاً، أمّا الكلبُ الأسود فقد قتلوه ثم أحرقوه وبعثروا رماد جُثّته في كل مكان!، وبذلك ضمنَ الإخوةُ والأقارب أن اللواء روبي لن يظهرَ بأي حالٍ في واحدٍ من هذه الكلاب إذا صدَقَ في تخريفه!، واستراحَ الجميعُ إلى ما حدث واختلفوا على التِركة ثم تقاسموها وسكنوا جميعاً في القصر، وتردَّدَ بعضُهم أوّلَ الأمر في أن يسكُنَ في غُرفة اللواء روبي، ولكن واحداً من أبناء أُخته اختارها مسكناً خاصّاً له.

وفي ذكرى مرور سنةٍ على موْت اللواء روبي بدأت المتاعب، ففي كل ليْلة تمتلئ الغُرفة بأصوات الكلاب وهيَ تتزاحم وتنبح وتلهث، وعندما تُضاء الشُموع لا يجدون لها أي أثر، وعند الفجر من كل يوْم يَسمعُ مَن ينامُ في هذه الغُرفة صوْتَ حِذاء اللواء روبي وهوَ يدُقُّ على الأرض دَقّةً واحدة فقد كانَ أعرج، ومن دقّاته المتسارعة الغاضبة يفزعُ النائمون وتُضاءُ الشُموع ولا يجدون أحداً!

وهجرَ الجميع هذا القصر دونَ أن يُشيعوا بيْن الناس ماذا يجرى فيه، وجاءَ أُناسٌ آخرون واستأجروا القصر ولكنهم أقاموا بضعةَ أسابيعٍ ثم تركوه فقد كانوا يسمعون في الليْل أصواتَ كلابٍ تتزاحمُ على الباب بل على كل الأبواب وتكادُ تُحطِّمُها، فإذا صحا أهلُ البيْت وفتحوا الأبوابَ والنور لم يجدوا أثراً لشيء.

وفي إحدى الليالي صحا أهلُ البيت على صُراخٍ عنيف، وذهبَ الرجالُ إلى حيْثُ تنامُ سيّدةُ البيْت فوجدوها في شِبه إغماء، فلمّا أفاقت وسألوها قالت إن عشراتِ الكلاب قد داست عليها وعندما حاولت أن تنهض جاء رجلٌ - وصفت ملامحه التي تنطبِقُ على اللواء روبي - وأنهضها ثم سلّمَها لكلبٍ أسودَ ضخم لفَّ لسانَه على عُنُقِها فاختنقت!

وبعد ساعاتٍ تُوفّيَتْ هذه السيّدة وهجرَ البيْتَ سُكّانه الجُدُد، وظلَّ البيْتُ مهجوراً بضع سنواتٍ إلى أن جاءَ أُناسٌ لا يعرفون ماذا حدث من قبل، ولم يمضِ عليهم شهرٌ واحدٌ حتى هربوا منه هم أيضاً بعدَ أن رأوا في الليْل عدداً هائلاً من الراهبات يدخُلن كل الغُرف وفي أيديهن الشُموع ثم لا ينطقن بكلمةٍ واحدةٍ رغمَ أن شفاهَهن كانت تتحرَّكُ بما يُشبِهُ الدُعاء، وعندما تخرج الراهبات يعصف بالبيْت كله هواءٌ من نوْعٍ غريب، ولا يزالُ الهواءُ يهدأ ويهدأ حتى يصبح صوْتُ

ألف كلبٍ يلهث، فهربوا من البيت هم أيضاً!



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX