فقط هذا الكلب الأسود (3)
وفي يوم ٨ يونيو سنة ١٨٩٧ نشرت صحيفة التيمس البريطانيّة بحثاً موْضوعه: هل يحقُّ لأيّة هيْئةٍ عِلميّةٍ أن تدخُلَ بيْتاً مسكوناً بالأشباح دونَ إذنٍ من أصحابه؟، وهل يحقُّ لجمعيّة "الدراسات النفسيّة" أن تبعثَ برجالها إلى هذا البيت المليء بالأشباح والأرواح من أجل معرفة الحقيقة دون أن تستأذنَ أصحاب هذا البيت؟
ولكن أكثرَ رجال القانون قالوا: لا يحق لهذه الهيئة مهما كانت أهدافها علميّةً نبيلة أن تفعلَ ذلك.
واستأذنت جمعيّة الدراسات النفسيّة من أصحاب القصر المهجور أن تُوفِدَ عدداً من العُلماء رجالاً ونساءً لمعرفة حقيقة هذه الأوْهام وأصبحَ معروفاً في بريطانيا كلها أن هذا القصر مليءٌ بهذه الأشياء التي تُرى هائمةً في الفضاء بلا سيقانٍ أو بلا أقدامٍ أو بلا رؤوس، وتُسمَعُ فيها هذه الأصوات دونَ أن يروْنها ولكن يشعرون بها ويفزعون منها!
واستأجرت جمعية "الدراسات النفسية" هذا البيت، ودخلَ البيتَ عددٌ من الرجال أقاموا في غُرفة نوْم اللواء روبي، وكان من بيْن هؤلاء الرجال قِسيسُ الملكة فيكتوريا، وفي مُقدِّمتِهم رجلٌ اشتهرَ في ذلك الوقت بأنه صيّادٌ للأشباح والأرواح في أمريكا وأوروبا واسمه المُقدَّم تايلور وهوَ صاحب الدراسات المشهورة عن هذه الظواهر الغريبة العجيبة على جانبيْ المُحيط الأطلسي.
وفي الليْلة الأولى أحسَّ الجميعُ بصوْتِ الكلاب التي تلهث ولكن أمامَ باب غُرفة النوْم، وفتحوا الباب فلم يروْا شيئاً فكل ذلك مُتوقَّع، وقد عرفوه قبلَ ذلك في بيوتٍ مهجورةٍ كثيرة، وتفرَّقوا في غُرفِ البيْت وناموا اثنيْن اثنيْن.
وفي الصباح روتْ كل مجموعةٍ ما سمعت وما رأت: لا شيءَ إلّا الكِلاب والراهبات وصوْت رجُلٍ أعرج يجري بسرعةٍ وفي حالة غضب، وهذا الغضب واضحٌ من إقفال الأبواب وفتحها بعنفٍ وتخبُّطه في أثاث البيْت.
وكانَ يقومُ بتمويل هذه البعثة رجُلٌ انجليزيٌّ اسمه اللورد بوت، وتلقّى اللورد بوت هذا معلوماتٍ غريبةً لم يُصدِّقْها فقرَّرَ أن ينامَ هوَ وحدُه في غُرفة اللواء روبي واحتاطَ لكل شيء فوضع إلى جواره مُسدَّساً سريعَ الطلقات ووضعَ عدداً من الشُموع، ثم أتى بعشرة كلاب وجعلها تنامُ على السرير المُجاور لسريره كما كان يفعلُ اللواء روبي.
وفي هذه الليْلة قرَّرَ ألّا يشربَ الخَمْرَ وألّا يشربَ أحدٌ في البيت وأن يخرُجَ كل من في البيت وأن يتأكَّدَ بنفسه من ذلك، وقرَّرَ أيضاَ أن يُطعِمَ هذه الكلاب وأن يسقيها ثم يربطها في السرير وأن تكونَ الكلابُ مربوطةً بعضَها ببعض، وأقفلَ كل غُرف القصر، وتأكَّدَ من كل بابٍ وكل نافذة، وأوى إلى فراشه مُبكِّراً، ويبدو أنه قرَّرَ إلّا ينامَ حتى الصباح فقد أخذَ معه كتاباً وظلَّ يقرأُ فيه.
وفي الصباح التالي وبعدَ أن قرعوا أبواب القصر ولم يفتح لهم أحد لم يجد رجالُ جمعية "الدراسات النفسية" طريقةً لدخول القصر سوى تحطيمِ الباب الخارجى فحطّموه ثم حطّموا بابَ الغُرفة التي نام فيها اللورد بوت . ودخلوا الغُرفة، وجدوا الكلابَ كلها ميّتةً في غاية الهدوء، أمّا اللورد فقد نامَ وانكفأَ الكتابُ على وجهه تماماً ولكنه لم يكُن ميّتاً وإنما استغرقَ في نوْمٍ عميق، وأما الذي قاله اللورد بوت فهوَ كل الذي جاء على هذه الصفحات من معلوماتٍ عن حياة اللواء روبي وعن علاقته بإخوته وعن حبه للكلاب وقد سمعها منه أثناء النوْم، ثم قال له اللواء روبي: "ولكى يعرفَ الناسُ جميعاً أننى لستُ مجنوناً فسوْفَ أكتُبُ لهم وصيّتي بخط يدي مرّةً أُخرى!"، ولمّا قلّبوا صفحات الكتاب الذي كان يقرأه اللورد بوت وجدوا صفحاته بيضاء تماماً إلّا من وصية اللواء روبي!
