خبر
أخبار ساخنة

أرواح وأشباح | أنيس منصور | فقط هذا الكلب الأسود (1)


اللواء روبي يجلس في قصره وحوله عدد كبير من الكلاب وأهمهم الكلب الأسود

فقط هذا الكلب الأسود (1)



أسهلُ أن تصفَ أيَّ إنسانٍ بالجنون .. فالإنسان ليس عاقلاً طولَ الوقت، ولا مع كل الناس ؛ فلكل إنسانٍ لحظةُ جنون، وصعبٌ جداً أن تقولَ عن إنسانٍ إنه عاقلٌ في كل تصرُّفاته، فهناك أفعالٌ يقومُ بها الإنسان لا يمكن أن تتَّصفَ بالحِكمة: كأن يلعبُ في أُذُنه أو يبتسمُ وهوَ جالسٌ وحده أو يُشغِلُ نفسَه بالبحث عن مستقبل البشريَة في المائة عامٍ القادمة.

ولكن اللواء روبي وصفه أهلُه بالجنون لعدّة أسباب، أوّل هذه الأسباب أنهم وجدوا بيْن أوراقه هذه المُذَكِّرات التي تتحدَّثُ كلها عن مزايا الكلاب وفضلها على الإنسان أو تفضيله لها على الإنسان فيقول اللواء روبي: 

  • الكلب صديق الشحّاذ والراعي.

  • إن ظهور الكلاب في بلاط الملوك معناه أن هؤلاء الملُوك لا يجدون الوفاء بين الناس .. فوجود هذه الكلاب هوَ توْبيخٌ مستمر لكل رجال الحاشية.

  • إنها جُملةٌ حكيمةٌ تلك التي قالها القدّيس برنارد: مَن يُحب كلبي فأنه يحبني أيضاً.

  • ما أصدق ما جاء في الكتاب المقدس: كلبٌ حَيٌّ خيْرٌ من أسدٍ ميّت!

  • ما أسهل أن تجدَ عصا لتضرب بها أي كلب .. وما أصعب أن تجد قطعةً من الخُبز لأي كلب!

  • الكلاب التي تنبح هيَ الكلاب التي لا تعُض!

  • إذا أطعمتَ كلباً فأنه لن يعُضَّك .. وهذا هوَ الفرق بيْن الإنسان والحيوان.

ومن أجل هذه الكلمات المعقولة جداً قال أهلُ اللواء روبي إنه رجلٌ مجنون.

وثاني هذه الأسباب أنه ملأَ بيْتَه بعشرات الكلاب وجعلَ في غُرفته

سريريْن كبيريْن: أحدهما ينامُ عليه والآخر قد تزاحمتْ عليه الكلاب وكانت عشرين كلباً، ولكن أحبَّ هذه الكلاب إليه كلبٌ أسودُ طويل، هذا الكلب كانَ ينامُ في حُضن اللواء روبي وكان يضع رأسه على ذراعه، وكان اللواء يستغني بهذا الكلب عن أغطية الشتاء فالحرارة التي تخرُجُ من جسم الكلب تجعلُ اللواءَ روبي يُجفِّفُ عرقه طولَ الليْل!

وهوَ مجنونٌ ثالثاً لأنه بعد أن مات وجدوه قد أوْصى بكل ثروته لهذا الكلب الأسود مع أن اللواء روبي له أربعة أخوة وست أخوات، واحدةٌ من أخواته قد دخلت الدير ولا تريدُ من متاع الدُنيا شيئاً، أمّا أخوته الباقون فقد ماتوا الواحدُ بعدَ الآخر، وكانت هذه الوصيّة قد تركها اللواء روبي في بيْت ابن أخته ولكن أبن أخته هذا لم يشَأْ أن يُعلِنَ عن هذه الوصيّة، وفي نفس الوقت لم يشَأْ أن يُمزِّقَها .. لماذا؟ .. نحن لا نعرفُ السببَ الآن، ولذلك عندما مات ابن أخته هذا

عثرَ المؤرِّخون على هذه الوصيّة!

أمّا اللواء روبي نفسه فكان اسمه الحقيقي هو روبرت ستيوارت من سكوتلاندا، ولمّا بلغَ الثانيةَ والعشرين من عُمره سافرَ إلى الهند وعملَ في شركة الهند الشرقيّة، وفي أثناء وجوده في الهند ماتَ جدّه فورثَ عنه قصراً كبيراً اسمه قصر الاثنيْن والعشرين فقد كانت به اثنتان وعشرون غُرفة.

وقد أُعجِبَ روبرت هذا بالحياة في الهند، وتصوَّفَ وعرفَ فنونَ اليوجا وسارَ عارياً ومشى على النار وعاشَ وماتَ نباتيّاً، بل إنه كانَ لا يقطُفُ وردةً لأن الوردةَ كائنٌ حَي وقطفُها هوَ اغتيالٌ لها، ولذلك كان يتركُ ذلك لغيْره من الناس، وكانَ لا يصيدُ السمك ويتركُ ذلك لغيْره، إنه لا يُريدُ أن يكونَ المُجرمَ الأوّل، إنه قانعٌ بكوْنه المُجرم الثاني.

وقد اعتزلَ روبرت العملَ في الهند بدرجة لواء، واشتُهِرَ باسم اللواء روبي، وعندما أُحيلَ إلى المعاش قرَّرَ أن يُقيمَ في قصره هذا ،ولكن القصر كانَ قد استأجرَه بعضُ الأثرياء، وبنهاية عقد الإيجار انتقل هوَ إلى القصر، ولم يتزوَّجْ اللواء روبي وإنما كانت تُقيمُ معه في البيْت مُشرفةٌ وخادمان واثنان من الطُهاة وأكثرُ من عشرين كلباً!

ويبدو أن اللواءَ روبي عندما عادَ إلى سكوتلاندا قرَّرَ أن ينقلَ معه كل أجواء الهند: السحر والبخور والطلاسم والكثير من المخطوطات والتُحَف القديمة.

ولم يعُدْ سِرّاً أن هذا الرجل كانَ غريبَ الأطوار أو كانَ مجنوناً - هكذا قالَ عنه كل الناس - فهوَ مُنعزلٌ عن الناس تماماً، إمّا لأنه غني وإمّا لأنه قرر أن يمضي ما تبقّى من عمره في التأمُّلِ أو الحياةِ مع الكلاب، فهوَ - على الأقل - سيّدٌ مُطاع، وهو أيضاً آمنٌ تماماً أن أحداً لن يعُضَّ اليد التي تُطعمه!



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX