خبر
أخبار ساخنة

المفتش العام | نيقولاي جوجول | الفصل الثالث | المشهد السادس


المفتش العام يروي مغامراته أمام الحاكم وزوجته وابنته وضيوفهم وسط خوفهم واندهاشهم

المشهد السادس



عندئذٍ تدخلُ أنّا اندرييفنا وماريا أنطونوفنا إلى داخل الغُرفة الرئيسيّة.

  • حاكم المدينة: اسمح لي أن أُقدِّمَ لك أُسرتي: زوْجتي وابنتي.

  • خليستاكوف: (وهوَ ينحني) كم أنا سعيدٌ يا سيّدتي أن أحظى بمتعة رؤيتكِ.

  • أنّا: نحن أكثر سعادةً برؤية شخصيّةٍ مثلك.

  • خليستاكوف: (مُختالاً بنفسه): عفواً يا سيّدتي .. إنه العكس تماماً فأنا الأكثر سعادة.

  • أنّا: هذه مبالغة! .. إنْ ما تكرَّمتَ بقوْله ليس إلّا من باب المُجاملة .. أرجو أن تجلس.

  • خليستاكوف: إن الوقوفَ أمامَكِ سعادةٌ بحد ذاتها .. على كل حال إذا كُنتِ تُصرّين على هذا فسأجلس.

  • أنّا: شكراً .. ولكن كيفَ كانت رحلتُك إلى هُنا .. أعتقدُ أنها بدت لك - بالمُقارنة مع الحياة العامة في بطرسبورغ - في غاية التعاسة. 

  • خليستاكوف: نعم .. فمن أَلِفَ الحياةَ في المجتمع الراقي يشعُر بالتعاسةِ حينَ يجد نفسه فجأةً وسط الخانات القذرة والطُرُق الموحِلة وظُلمة الجهل .. (ينظُرُ إلى أنّا ويتبخترُ أمامها) ولكني أعترف أن مصادفة لقائكِ عوضتني عن كل شيء.

  • أنّا: حقّاً .. لا شكَّ أنك عانيْت.

  • خليستاكوف: ولكنني الآنَ يا سيّدتي في مُنتهى الغِبطة.

  • أنّا: هذه مُبالغة! .. فإنك توليني شرفاً كبيراً لا أستحقّه.

  • خليستاكوف: بالعكس .. إنكِ تستحقينه تماماً يا سيّدتي.

  • أنّا: ولكنني أعيشُ في الريف.

  • خليستاكوف: للريف - على أيّة حال - جماله بروابيه ونُهيْراته وخُضرته .. طبعاً لا يُقارَنُ ببطرسبورغ .. إيهٍ يا بطرسبورغ! .. يا لروْعة الحياة فيها حقّاً! .. (وتأخذه الحماسة فيتمادى في اختلاق الأكاذيب) لعلَّكِ تعتقدين أنني أُبالغُ في حديثي .. كلا .. فأنا لي وَضعي ومركزي هُناك لدرجة أنني لا أذهبُ للعمل سوى دقيقتيْن فقط .. ورئيس القِسم صديقي الحميم .. فهوَ يُربِّتُ على كتفي ويدعوني للغداء معه كثيراً ولا يتخذُ قراراً إلّا بمشورتي أوّلاً .. لقد أرادوا أن يجعلوا مني رئيس شُعبة ولكنني رفضت .. حتى الحارس يجري ورائي على السُلّم والفُرشاة بيده ويرجوني قائلاً: اسمح لي يا سيّدي المحترم أن أُنظِّفَ حذاءَك .. (ويتّجه بنظره لحاكم المدينة ومَن حوْله) لماذا تقفون أيّها السادة؟ .. هلا تفضلتُم بالجلوس!

  • الحاكم: إن رُتبة سيادتك تجعلنا لا نشعرُ بالضير من الوقوف.

  • فيليبوفيتش: لا عليك .. سنظل واقفين.

  • لوقا لوفيتش: لا تُزعِجُ نفسَك.

  • خليستاكوف: بدون رُتَب .. أرجو أن تجلسوا .. (حاكم المدينة والجميع يجلسون) .. لستُ أُحبُّ المَراسم .. على العكس إنني أُحاولُ دائماً أن أتسلَّلَ خَفية ولكن يستحيلُ أن تتخَفّى .. يستحيل! .. فلا أكادُ أخرُجُ إلى مكانٍ ما حتى يقولوا: "ها هوَ ذا إيفان ألكسندروفيتش خليستاكوف قادم" .. وفي ذاتِ مرّةٍ خلطوا بيني وبين القائد العام للجيْش فاندفعَ الجنودُ من غُرفة الحِراسة وأدّوا لي التحيّةَ بالسلاح وبعد ذلك قال لي أحد الضُبّاط وقد كُنتُ أعرفُهُ جيّداً: "لقد ظننّا يا أخي أنك القائد العام بنفسه".

  • أنّا: يا للروْعة!

  • خليستاكوف: كما أعرفُ الممثِّلات الجميلات فأنا أُشاهد الفوديفيل (نوْعٌ من المسرحيّات الخفيفة) وغالباً ما أرى الأُدباء فأنا والأديبُ بوشكين صديقان حميمان وكثيراً ما أقولُ له: "كيْفَكَ يا أخ بوشكين؟" .. وكان يُجيب: "لا بأسَ يا أخي العزيز" .. يا لأصالته العظيمة!

  • أنّا: إذن أنتَ أيضاً تكتُب؟ .. يا لها من سعادةٍ يشعُرُ بها الكاتب .. لا بُدَّ إنك تنشُرُ في المجلّات.

  • خليستاكوف: نعم .. (واستمرَّ يُبالغُ في غِيّه) ولديَّ الكثيرُ من المُؤلَّفات: "زواج فيجارو" - "روبيرت الشيْطان" - "نورما" وغيرها .. حتى العناوين لم أعُد أذكُرُها .. وكل ذلك بالمصادفة البَحتة فلم أكُن أرغبُ في الكتابة ولكن إدارة المسرح تقول: "من فضلك اكتب لنا شيئا يا أخي" .. وفي الأُمسية ذاتِها كتبتُ كُلَّ شيءٍ على ما أعتقد .. لقد أذهلتُ الجميع .. إن لديَّ سُرعةً هائلةً في التفكير .. إن كل ما كان يحمل اسم "البارون برامبيروس" و"طائر الأمل البحري" و"تلغراف موسكو" أنا الذي كتبته في الأصل.

  • أنّا: اللّه .. إذن فأنت الكاتب برامبيوس؟

  • خليستاكوف: كيفَ لا .. فأنا أُنقَّحُ مقالات الكُتّاب كلهم ولقاء هذا يدفعون لي الكثير.

  • أنّا: ومن المؤكَّد أن قصة "يوري ميلوسلافسكي" من تأليفك أيضاً .. أليس كذلك؟

  • خليستاكوف: نعم من تأليفي.

  • أنّا: لقد استنتجتُ ذلك.

  • ماريا: ولكن لقد كُتِبَتْ عليها يا ماما أنها من تأليف زاغوسكين.

  • أنّا:  (ساخرة) كنتُ أعرفُ إنكِ ستُجادلين حتى في هذا.

  • خليستاكوف: (بعد تفكيرٍ خاطف) آه .. هذا صحيحٌ فعلاً! .. ولكن قصة "يوري ميلوسلافسكي" المكتوب عليها زاغوسكين مختلفةٌ تماماً عن  قصّة "يوري ميلوسلافسكي" الأصليّة التي ألّفتُها أنا أوّلاً.

  • أنّا: إن ما قرأتُه هو كتابك أنت .. إنه مكتوبٌ بشكلٍ جيّد.

  • خليستاكوف: أعترفُ أن الأدب هوَ حياتي .. إن بيْتي هو الصالون الأوّلُ في بطرسبورغ فالكل يعرف: صالون إيفان ألكسندروفيتش .. (يوجِّه كلامَه للجميع) أرجوكم أيُّها السادة .. أرجوكم إذا ما جئتم بطرسبورغ أن تتفضَّلوا إلى عندي .. فأنا أُحيي الحفلات الراقصة أيضاً.

  • أنّا: أتصوَّرُ مدى الروْعة والذوْق الرفيع في إحياء تلك الحفلات.

  • خليستاكوف: هذا أقلُّ ممّا يُقال فعلى المائدة - مثلاً - بطيخةٌ حمراء بسبعمائة روبل .. أمّا الحساء فقد جيءَ به في الطنجرة على الباخرة من باريس مُباشرةً .. يُرفَعُ الغطاء فيتصاعدُ البُخار الذي لا مثيلَ له في الطبيعة .. وفي كل يوْمٍ أذهب إلى الحفلات الراقصة .. ولديْنا مجموعتُنا أو شِلّتنا الخاصّة: وزير الخارجيّة الروسي والسفير الفرنسي والسفير الإنجليزي والسفير الألماني وأنا .. نستغرقُ في اللعب إلى حَدٍّ لا مثيلَ له .. وما إن أرتقي الدَرَجَ مُسرعاً إلى جَناحي في الطابق الرابع حتى أكتفي بأن أقول للخادمة: "هاك المعطف يا مافروشكا" .. ومن المُدهشِ أن تروا مدخل جناحي قبلَ أن استيْقظَ فالكونتات والأُمراء يتزاحمون ويطنّون كما النحل الطنّان .. فلا تسمعُ إلّا: "زززززززز" .. وقد يحدُثُ أن يكونَ بيْنهم الوزيرُ نفسه (حاكم المدينة والآخرون ينهضون عن كراسيهم بوجلٍ احتراماً لذِكْر الوزير) حتى أنهم يكتبون لي على المظاريف: "يا صاحبَ السعادة" .. هاكم هذه الواقعة التي حدثت في بطرسبورغ: ذاتَ يوْمٍ سافرَ مدير المُؤسَّسة إلى مكانٍ غيْر معروف وخلا كُرسي منصبه وأخذَ كبار المسؤولون يُفكِّرون فيمَن يخلفه .. وراجت الأقاويل بشكلٍ كبير: من سيتسلَّم المنصب وكيفَ وماذا؟ .. وقد حاولَ الكثيرون من الجنرالات أن يفوزوا بالمنصب ولكنهم ما كادوا يتولّون الأمر حتى تخلّوا عنه قائلين: لا .. إنها عمليّةٌ صعبة ومسؤوليّةٌ كبيرة .. ففي الوهلة الأولى يبدو الأمر سهلاً ولكن ما أن تتمعَّنَ فيه حتى تكتشف كم هوَ صعبٌ إلى حد اللعنة .. ولم يبقَ أمامهم من خيارٍ إلّا أن يأتوا إليَّ .. وفي نفس اللحظة غصّت الشوارع بالموظّفين الذين احتشدوا للمطالبة بتعييني في هذا المنصب الرفيع .. هل تتصوَّرون! .. خمسةٌ وثلاثون ألفاً من الموظّفين وحدهم .. وسألتُهم عن مطلبهم فقالوا: "هيّا يا إيفان ألكسندروفيتش .. اذهَبْ وأدِرْ المُؤسّسة" .. وأعترفُ أنني ارتبكتُ إلى حَدٍّ ما .. كنتُ قد خرجتُ لهم في الروب وأردتُ الرفْض ولكنني فكَّرت: سيصلُ الأمرُ إلى القيْصَر ناهيكَ عن سجل الخِدمة .. فقلتُ لهم: "كفى يا سادة .. إنني أقبلُ المنصب .. أقبله وما باليدِ حيلة .. أقبله ولكن تحت إدارتي لن أسمحَ بأي تسيُّبٍ أو تهاون فعينايَ لا تغفلان عن المُصِّرين" .. وبالفعل تولَّيْتُ المنصب .. وحينَ كنتُ أمُرُّ عبرَ المؤسّسةِ كانَ الأمرُ يبدو وكأنه الزلزال فالجميعُ يرتجفُ ويرتعشُ كما الورقةِ (حاكم المدينة والآخرون يرتعشون من فرط الخوْف والهيْبة في حين تزدادُ حماسةُ خليستاكوف في الكذب وقد لعبتْ الخمرُ برأسه) .. هيه .. إنني لا أُحبُّ المُبالغة ولكني أثرتُ الذُعرَ في نفوسهم جميعاً .. حتى مجلس الدوْلة نفسه يهابُني .. إنني هكذا: لا أهتمُّ بأحد .. وأقولُ للجميع: "أنا أُعرِّفُ نفسي بنفسي" .. وتجدوني في كل مكان فأنا أذهبُ إلى البلاطِ في الوقتِ الذي أُريدُه .. وبلا شك ففي المستقبل سيرفعونني إلى رُتبة فيلد مارشال .. (يتزحلقُ ويكادُ يسقُطُ على الأرض لوْلا أن مَن حوْله سندوه باحترام) لا بُدَّ من ترقيتي قريباً. 

  • الحاكم: (يقتربُ وهوَ يرتجفُ من رأسِه حتى إخمص قدميْه باذلاً قصارى جهده لينطق) يا صا .. صا .. صا…

  • خليستاكوف: (بصوْتٍ سريعٍ متقطِّع) ماذا تُريد؟

  • الحاكم: يا صا .. صا .. صا…

  • خليستاكوف: (بنفس الصوت) لستُ أفهمُ شيئاً .. ماذا تقول؟

  • الحاكم: يا صا .. صا .. صاحب السعادة .. ألا ترغبُ بالراحة؟ .. فهاكُم الغُرفة وكل ما هوَ لازم.

  • خليستاكوف: حسناً .. أنا على استعدادٍ للراحة .. فالفطور عندكم يا سادة جيّدٌ لدرجة الثُمالة .. ها ها ها .. ولكنني سعيد .. سعيدٌ للغاية .. (يترنَّم كأنه يُغني) سمك لاباردان! .. لاباردان!

ثم يدخُل خليستاكوف الغُرفةَ الجانبيّة وفي أثره حاكم المدينة.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX