رجل طيّب (2)
وبدآ
حياتَهما الزوْجيّة، وانتقلا إلى بيْتها بالدُقّى، وأقبلَ عليها زوْجُها إقبالَ مُحبٍّ
عطوف، وأحاطها بعنايته المُفرِطة مُدركا
أنها شيءٌ ثمينٌ يستَحِقُّ الرعايةَ والعناية.. ولقد كانت كذلك فعلاً، إذ هيّأتْ
له زوْجةً مِثاليّة.. ولم يكُن جمالُها وثقافتُها ليمنعاها من أن تكونَ سيّدةَ بيْتٍ
ومن أن تقومَ بالطَهي والنظافة وأن ترعى شؤون زوْجِها تماماً كما كانت تفعلُ أُمُّها
ببيْتِها وبأبيها.
وهكذا
سارتْ بها الحياة الهُويْنى (بتمهُّلٍ ورِفق)، جاعلةً من كليْهما - هي وزوْجها - نموذجاً
لزوْجيْن سعيديْن راضييْن قانعيْن.. حتى بدأتْ الريحُ تهب.. وكان مصدرُها ذلك النادي الرياضي الذي اشتركا فيه..
كانا سعيديْن بالاشتراك به في أوّلِ الأمر، فقد كانَ خيْر مكانٍ يُمكِنُ أن يقضيا
فيه وَقتَهما برِفقة ثُلّةٍ من زملائه وزوْجاتهم.. ولم يكُن النادى يبعدُ عن البيْت
كثيراً، وكانت حديقتُه المُتَّسِعةُ المتراميةُ الأطراف وشُرفتُه المُشْمِسة تُعوِّضُهما
خيْراً عن شقَّتهما البحريّة التي لا تدخُلُها الشمس.
ولقد
بدأ ذهابُهما إلى النادي في أوّل اشتراكهما معاً، فقد كان يصطحبُها برِفقته بعد
الظُهر فتجلسُ هي للتسلّي بالحديث مع بعض الصديقات أو بعمل التريكو إنْ لم تلقَ إحداهن،
ويأخذُ هوَ في لعب التنس، وبعد الانتهاء من اللعب يجلسان معاً لتناوُلِ الشاي
وقضاءِ السهرة في السَمَر مع الأصدقاء أو يذهبان إلى إحدى دور السينما.
هكذا
كان برنامجهما اليوْمي.. حتى أنشأ لنفسه مكتباً للعمل الحُر، فشغلَ وقتَه مُعظم أيّام
الأُسبوع بعد الظهر.
وكان
يكرهُ أن يتركَها وحيدةً طول اليوْم، فوجدَ أن خيْرَ طريقةٍ لتسليتِها هيَ اصطحابُها
إلى النادي وتركُها فيه حتى يعودَ إليها بعد الانتهاءِ من العمل.
وبدأتْ
أيّام الشتاء الأولي تمرُّ دافئةً مُمتعة، وبدأتْ هيَ معرفتها به.. كان زميلاً لزوْجها، سبقَ أن جلسَ في شِلَّتهما
بضعَ مرّاتٍ من قبل، ولكن معرفتها به كانت معرفةً سطحيّةً غير وثيقة.
ولقيَها
وحدَها في أوّلِ يوْمٍ فحيّاها في أدبٍ واستأذنها في الجلوسِ فأذِنَتْ له.. ثم
سألها لِمَ لا تتسلّى بلعب التنس، فأنبأته أنها لم تلعبه من قبل.. فقال لها أنها
يجبُ أن تُحاوِلَ لعبه وعرضَ عليها أن يقومَ بتدريبِها.. وكانت تعلم أنه أحد أبطال التنس المعروفين.. ولكنها
اعتذرتْ فقد خشيَتْ أن يُضايق هذا زوْجها.
وعندما
عادَ زوْجُها عند انتهائه من العمل جلسَ الثلاثةُ يتناولون الشاي.. وقال صاحبنا
مازحاً:
-
يا محمود بك.. لقد عرضتُ على ليلى هانم أن أُعلِّمُها
التنس مجاناً فرفضت.
وأجابَ
محمود بك:
-
إنها مخلوقةٌ مِكسالة (كسولة).. مَن الذي يرفض أن يُعلِّمَهُ
علي عزت بطل التنس؟.. لا.. لا.. يجبٌ أن تتعلَّمي يا ليلى بدل الجلوس هكذا تشتغلين
بالتريكو كالعجائز.. أني أُريدُكِ أن تكوني شريكةً لي عندما تبدأ المباريات الزوْجيّة.
وفي
اليوْم التالي بدأتْ التدريب.. وبدأتْ
تستمتعُ بالريحِ الطيّبةِ الحنون تهب كالأنفاس الناعمةِ الرقيقة.. لا تُنبِئُ بخطرٍ
ولا تُنذِرُ بشر.
كانت
تستمتعُ باللعب وبالصُحبة، وبالشمس الدافئة، وباليوْم الجميل، ولم تُحاوِلْ أن تمنعَ
نفسَها من الاستمتاع.. فما كانت تُدرِكُ أن وراء الريح الهادئة زوبعةً عاصفةً
عاتية، وأن وراء الاستمتاع اندفاعاً واقتلاعاً.
أن
شرَّ ما في هذه
التجارُب أنها تبدأُ هادئةً رقيقة، وأنها تتسلَّلُ إلى النفس تسلُّلَ النوْمِ إلى الجُفون،
لذيذةً مُمتِعة، غَلّابةً مُسيْطِرة.. لا يملك لها الإنسان دفعاً، ولا لسُلطانِها
ردّاً.
كانت
تستمتعُ باللعب وبالصُحبة، سليمةَ النيّة، طيّبةَ القَصد، ولم يخطُر ببالِها أنها
كانت تندفِعُ إلى مُغامرة، وتُساقُ إلى شرِّ تجرُبةٍ يُمكِنُ أن تُساقَ إليها امرأةٌ
مُتزوِّجة.
ولقد
قُلتُ أنها متينةُ الخُلُق، حسنةُ التربية، شديدةُ القَناعة، وأنها.. وأنها.. من
كل محمود الصفات التي يُمكِنُ أن تخطُرَ على بال.. ولكن هل تستطيعُ كل هذه الصفات
الطيّبة أن تصمُدَ أمامَ التجرُبةِ إذا ما استطار (انتشر) شرُّها، واستشرى (تفاقم)
خطرها، واستفحلَ (تعاظم) داؤها؟
لا
تقولوا: نعم.. لا تكونوا حَمقى.. فتُلقوا القوْلَ على عواهنه (دون تفكير).. مُتزوِّجةٌ أو غيْرُ مُتزوِّجةٍ، طيّبةٌ أم فاسِدة،
سعيدةٌ في بيْتِها أم غيْر سعيدة، إن هذه التجارُب إذا ما وقعتْ أوْدتْ بالطيّب
والخبيث والشقي والسعيد، وجرفتْ في طريقها كل شيء، غير عابئةٍ بتقاليدٍ أو أصولٍ أو
أوْضاع.
إن
التجرُبةَ تبدأُ
سهلةً هيّنةً لا تُنبِئُ بشرٍّ حتى يُحاوِلَ الإنسان تجنُّب شرَّها، ولا تُنذِر بخطرٍ
حتى يُحاوِلَ أن ينجوَ من خطرِها، فإذا ماحلَّ الشَرُّ ووقعَ الخطر جرفَ أمامه كل
مُقاومةٍ وسحقَ كل مُحاولةٍ للنجاة.
لقد
أمتعتْها اللُعبةَ والصُحبة، لُعبة التنس، وصُحبة المُدرِّب، وزادَ الاستمتاعُ حتى
خرجتْ المسألةُ عن مُجرَّدِ الاستمتاع، وأصبحَ الأمرُ شيْئاً حيويّاً ضروريّاً،
وانقلبتْ لُعبةُ التنس إلى اللُعبة الشائكة الهوْجاء المُسمّاة بالحُب، ولم يعُد
المُدرِّبُ شَريك اللُعبةِ فحسْب، بل شريكُ الروح وأَنَسُ الحياة.
وبدأتْ
تحسُّ بقسوة التجرُبة وبخطورة الأمر وحيويّته.. وبأن الريحَ الهادئةَ قد اشتدَّت
وباتت رياحاً هوْجاء لا تُبقي ولا تذَر!
وبدأَ النِضالُ الخَفي بيْن الضمير والرغبة.. بيْن
القلب والعقل.. وزادَ النِضالَ قسوةً وعُنفاً طبيعتُها الرزينةُ وعقلُها الهادئ
المُتَّزِن.. فقد كانَ يُمكِنُ للتجرُبةِ أن تمُرَّ بسهولةٍ لو أنها جُبِّلَتْ (خُلِقَت
وفُطِرتْ) على غير ذلك الخُلُق الطيّب والتربية القويمة.. ولو أنها كانت مُستهترةً
مُخادعةً نَزِقةً (مُتهوِّرةً) طائشة.
وحاولتْ
المُقاومةَ في الظاهر وفي الباطن، أمّا مُحاولاتُ الظاهر فلم تُجدِ نفعاً.. فقد
حاولتْ سُدىً (عبثاً بلا فائدة) أن تُقلِعَ عن الذهابِ إلى النادي، وحاولتْ التعلُّلَ
أمامَ زوْجِها بشتّى الأعذار ولكنه كانَ يُصِرُّ على أن تذهب.. أمّا مُحاولات الباطن.. فقد ذهبتْ كلها أدراجَ
الرياح.
