خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل طيّب (1)


فتاة تحلم بحياة زوجية مع زوج لتكوين أسرة وأبناء ويتحقق لها ما تريد بعد أن يتقدم لها عريس لخطبتها

رجل طيّب (1)

 

 

كانت تشعر بأنها تمر بتجرِبةٍ عسيرة، وأن المشاعرَ تصطرع (تتصارع) في جوْفها وتصطخب، إنها باتتْ أشبهَ بريشةٍ في مهب ريحٍ هوْجاءَ عاصفةٍ عاتية.

تُرى كيْفَ هبَّتْ عليها الرياح فزلزلتْ حياتها الهادئة وعصفتْ بنفسِها الراضية القانعة المُستَقِرَّة؟ بدأت الريحُ طيّبةً حنوناً كالنسمة الرقيقة الناعمة لا تُنبِئُ بخطرٍ ولا تُنذرُ بشَر.. فأمِنتْ لها واطمأنَّتْ إليها، وتركتْ نفسَها تستمتعُ بها في دَعةٍ واستسلام، حتى بدأتْ الريحُ تشتدُّ وتعصفُ وتجرفها في سبيلها فإذا بها شاردةً تائهةً ضالّةً هائمة.

كانت أوّلَ تجرِبةٍ تمُر بها، تجرِبةٌ شاقّةٌ مُرهِقة، وهيَ التي تعوَّدت الهُدوء والاستقرار منذُ نعومة أظفارها، ولم تكن تعرف عن الحياة إلّا أنها مَوْكِبٌ يسير وصورةٌ تتكرَّر.

إنها تذكُر حياتَها مع أبويْها عندما كانوا يقطِنون في دارهم بمصر الجديدة، وعندما كانوا يتمتَّعون بحياةٍ هادئةٍ هانئةٍ لا يشوبُ صفوَها كدر، وكانَ أُفُقُ حياتها لا يكادُ يتعدّى البيْت والمدرسة، ومن آنٍ لآخر سهرةً في إحدى دور السينما أو زيارةً لأحد الأقارب أي الأصدقاء برفقة أبويْها.

كانت سعيدةً بغُرفتها الصغيرة التي لا يشاركُها فيها أحد، وكانت دائمةَ الترتيب لدولابها الصغير الذي حوى بيْن جُدرانه جميعَ مُمتلكاتها من دُمىً قديمةٍ وملابسَ وكُتُب، سعيدةً بكل شيء.

وكانت سعيدةً بأبويْها الرقيقيْن الطيّبيْن الحنونيْن اللذيْن لا يرفُضان لها طلباً ولا يُخيِّبان لها رجاء.. سعيدةً بالدار النظيفةِ الأنيقة والحديقةِ المُورِقةِ المُزدَهِرة.. سعيدةً بمدرستها التي لا تكادُ تَبعُدُ عن الدار أكثرَ من مسيرة بِضْعِ دقائق.. سعيدةً برفيقاتِها ومُدرِّساتِها في المدرسة.

كانت - بطبيعة خَلْقِها ونشأتِها - هادئةَ الطَبع شديدةَ القَناعة، فلم تُحاوِلْ قَط أن تتطلَّعَ إلى أكثرِ ممّا وهبهُ اللهُ لها، وأراحها هذا الهدوء وتلك القَناعة وشغلتها توافِهُ الحياةِ ومُتعاتِها البَسيطةِ السهلة عن التطلُّع إلى مطالبَ المشاعِرِ المُرهَفةِ ورغباتِ النفسِ الحسّاسة.

علَّمتها أُمُّها أن على المرأةِ ألّا تُحِبَّ إلّا بعد أن تتزوَّج، فكفَّت نفسَها مَؤونةَ التشوُّقِ والتشوُّف، وكفَّت نفسَها شرَّ الرجّاتِ القلبيّةِ والزلازلَ العاطفيّة، وباتت تنتظرُ في هدوءٍ وفي غيْر تعجُّلٍ ولا قلق، وتنعمُ بحياتها المدرسيّة والمنزليّة حتى يحينَ اليوْمُ الموْعود، ويتقدَّمُ إليها الزوْجُ الذي يجبُ أن تُحبه.

ولم يتأخَّرْ اليوْمُ كثيراً، ولم يطُلْ بها الانتظارُ حتّى تقدَّمَ الزوْج، إنها تذكره جيّداً.. في يوْمٍ من أيّام الخَريفِ اللطيفةِ الجوْ، ولم يكُن قد مضى سوى بضعةِ أيّامٍ على بداية العام الدراسي، وقد عادت من المدرسةِ وقذفتْ بحقيبتِها على أحد المقاعد ثم استلقت بملابسِها على الفِراش في تكاسُلٍ واسترخاء، عندما أقبلتْ أُمّها تستنهِضُها وتسألُها أن ترتدي ثيابَها بسُرعة استعداداً لاستقبال بعضِ الضُيوف.

وبدَّلتْ ملابسَها وأخذتْ تُعِدُّ حُجرةَ الصالون لاستقبال الضُيوف فوضعتْ الزُهور في الزُهريّات وأعدَّت المُرطِّبات، ولم تكَد تنتهي من إعدادها حتى أقبلَ الزائرون، وكانوا عائلةً صديقة، بصُحبتهم رجُلٌ غَريب.

وكانَ الرجُلُ الغريبُ هو طالبُ الزواج، أو الزوْجُ المُنتَظَر، أجل.. لقد أدركتْ حقيقته بوحي إحساسِها، إن أُمَّها لم تُفصِحْ عن شيءٍ ولكن إلحاحَها في أن تعتني بهِندامها وفي أن ترتدي حُليَّها كانَ إلحاحاً يبعثُ على الشك، والرجُلُ الغريبُ نفسه ونظراتُه المُسترِقةُ من آنٍ لآخر جعلها تُجزِمُ في نَفسِها أن في الأمر شيْئاً.

ومضت بضعةُ أيّام.. ثم وضحتْ الحقيقة، وسألتْها أُمُّها عن رأيِها فيه، لأنه قد تقدَّمَ لخِطبتِها.. وعرضتْ أمامَها مُؤهلاته فكانت جَمّة: كان مُدرِّساً في الجامعة يحملُ شهادةَ الدُكتوراة، وكان شابّاً لا يتجاوزُ الخامسة والثلاثين ذو مُستقبَلٍ باهر، كريمَ المَنبَت، طيّبَ العائلة، له من الأملاكِ - غير مُرتَّبه - ما يجعلُه في بَسْطةٍ من العيْش.. وهكذا لم تكُن به أيةُ عِلّةٍ ولا هَنّة (عيب بسيط) من حيْث الموْضوع بل كان يُعتَبر زوْجاً نُموذجيّاً.

أمّا من حيْثُ الشكل: فقد كان عاديّاً.. لم يكُن قبيحاً ولا مُشوَّهاً، ولم تكُن العيْنُ تستطيعُ أن تلمحَ به شيْئاً مُميّزاً، جميلاً كانَ أم قبيحاً، بل كانَ مُمَثِّلاً للشكلِ العادي الذي يُمكِنُ أن تُبصِرَهُ في آلافِ الموَّظَفين والمُدرِّسين والكتبةِ والتُجّار، والمصريين عامّةً!.. كان أميلَ إلى القِصَرِ والامتلاء، ولكنه لم يكن قِصَراً مُعيباً ولا امتلاءً مُشوِّهاً، وكان يضع على عيْنيْه مِنظاراً، ولم يكُن هذا بالشيء الغَريب، فثلاثةُ أرباع مَن في مِثل سِنّه ومركزه يضعون على أعيُنِهم منظاراً. كانَ الرجُلُ مقبولاً شكلاً وموْضوعاً.

ولم يكُن هُناكَ مُبرِّرٌ لأن تقولَ - حتى فيما بيْنها وبيْن نفسِها - لا.

حقيقةً أنه لم يكُن هُناكَ أيّة صِلةٍ ولا شبهٍ بينه وبين ذلك المَخلوقِ الكائنِ في أُفُقِ أحلامِها.. ذلك المخلوقُ الذي تُجسِّدُه لها قِصصُ الهَوى وأحلام الدُجى (ظلام الليل).

وحقيقةً أنه لم يكُن جميلاً، فارعَ الطول، مَمشوقَ القَوام كأبطال الشاشةِ البيْضاء.. ولكنها لم تكُن من الغباء بحيث تتصوَّرُ أن هذا الشيء كائنٌ في الواقِع، وأن عليها أن تنتظرَ حتى يُقبِلَ ذلك المخلوقُ من أُفُقِ الأحلام!

كانت قناعتُها وهدوءُ طبعِها وحُسْنُ تربيتِها، تجعلُها تُؤمِنُ بالواقِع، وتُدرِكُ بسهولةٍ أن هذا الرجُل المُتقدِّمِ إليها يُمكِنُ أن يكونَ زوْجاً صالحاً مُحترماً، وأنها يجبُ أن تقبلَهُ حامدةً قَريرة، وأن تشكرَ اللهَ على نَعمائه وفَضْله.

وقالت نعم.. لأنها لم تستطِع أن تقولَ لا، فما كانت تجدُ لها مُبرِّراً، وما كانت من الجُنونِ بحيْثُ تقولُ أنها كانت تُفضِّلُ أن يكونَ أطولَ قامةً، وَأوسمَ وجهاً، وأرشقَ قَدّاً.

وخيْراً فعلتْ.. فلقد أثبتتْ لها الأيّام التي مرَّتْ بعد ذلك أن القدرَ قد أكرمها، وأنها لم تُخطِئُ قَط بقَبول الرجلِ زوْجاً.

كانَ رجُلاً رقيقاً مُهذَّباً، رَضيَّ الخُلُق، هادئَ الطَبع، ولم يكُن هذا الخُلُقُ الرَضيُّ بالشيء المُفتَعَل المُتصنَّع الذي يتكلَّفه الرجال في أيّام الخِطبة، والذي سُرعان ما يتبدَّدُ عندما يُصبِحون أزواجاً، فينقلبُ هدوءُهم غضباً، ورِقَّتُهم فظاظةً ولينُهم غِلظةً.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX