خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل طيّب (3)


الزوجة حائرة بين زوجها وعشيقها وأوراق حياتها تأخذ في البعثرة

رجل طيّب (3)

 

 

كانَ القلبُ جامحاً (مُتمرِّداً) بعد أن طالَ به السكونُ والركود، وكانَ عسيراً عليه أن يرى صِنْوَ (نظير أو توأم) النَفس الذي طالت وَقْفته في أُفُق الأحلام فيُعرِضُ عنه وقد أقبلَ عليه وأضحى حقيقةً واقعة.. أجل.. لقد كانت الكارثةُ في أن فتى الأحلام قد أقبلَ مُتأخِّراً بعد أن ارتبطت بسواه وشُدَّتْ إلى غيْره.

وأخيراً صمَّمتْ على أن تضعَ حدّاً لذلك النضال، وأن تتَّخِذَ إجراءً حاسماً.. إنها تحترمُ زوْجها وتُجِلُّه، وتربأُ بنفسها أن تلوِّثَ عرضه وهيَ تكرهُ الخيانةَ والخديعة، ولذلك فيجبُ أن تختارَ بيْن أحدِهما.. إمّا مالك الجسد وإمّا مالك القلب.. إمّا الزوْج، وإمّا الحبيب.

وغادرتْ الدارَ ذات صباح بعد أن أنبأتْ زوْجَها أنها ستمضي اليوْمَ بطولِه عند أُمِّها لأن بها وعكة.. وذهبتْ إلى صاحبها لتُنبِّئَهُ عَلامَ استقرَّ رأيُها وأيّهما ستختار، هو أو زوْجها.

والتقتْ به في داره حيْثُ كان ينتظرُها في لهفة.. فأنبأتْه أنها قد اختارتْه هوَ، وأنها ستُنبِّئُ زوْجَها بصراحةٍ بجليّة الأمر وتسأله الطلاق.. وغادرتْه عائدةً إلى دارها.. وطالَ بها الانتظار دونَ أن يعودَ زوْجُها، فدفعها القلقُ إلى الذَهاب إلى مكتبه، وكانت تعلمُ أيّةَ صَدمةٍ قاسيةٍ توشِكُ أن توقِعَها به، ولكنها كانت تعلمُ أن عملَها هذا خيْرٌ بكثيرٍ من الخديعةِ والخيانة. ووصلتْ إلى المكتب ودقَّتْ الجرس، وبعد لحظةٍ كان زوْجُها يقف أمامَها في دَهَشٍ وذُهول.. كانت أوّل مرّةٍ تزورُه في مكتبه، وخشيَ أن يكونَ قد أصابَ أُمَّها مكروه.. فسألها مُنزعِجاً:

-       أأصابَ والدتَكِ شيء؟

-       لا.

-       إذن ما بالُكِ مُضطربةٌ هكذا؟!

-       أُريدُ أن أُفضيَ إليك بشيء.

-       الآن!

-       أجل الآن.

-       ألّا يُمكِنُ تأجيلُه حتى نعودَ إلى البيْت؟

-       من الأفضلِ أن نُنهيه الآن.

-       أهو من الأهميّةِ بمكان؟

-       نعم.

وقادها إلى حُجرة المكتب وأغلقَ البابَ وما زالَتْ علائم (أمارات) الدهشة مُرتسمةً على وجهه، ولم تكَد تستقرُّ على مقعدِها حتى صاحَ مُتسائِلاً:

-       حَدِّثيني عمّا بكِ.

وبصوْتٍ خافِتٍ حدَّثتْه عمّا جاءتْ لأجله.. وألقتْ إليه بخبيئة (مكنونٍ مخفي) نَفسها.. وجلسَ يُنصِتُ إليها في ذهول، وقد اتكأ على المكتب مُطرِقاً برأسه في يأسٍ شديد.. وأخيراً كفَّت عن الكلام وسادَ الحُجرةَ صمتٌ عميق.

وبعدَ بُرهةٍ قالَ بصوْتٍ خافتٍ مُتهدِّج:

-       أنتِ مجنونة.. طائشة.

-       لستُ مجنونةً ولا طائِشة، ولكني لا أُريدُ أن أخونَك أو أخدعك لأني أُجِلُّكَ وأحترمُك.

-       ألا تمنحينَ نفسَكِ فُرصةً للتفكير؟

-       لقد فكَّرتُ كثيراً.. أني لم أفعلْ ما يجعلُني أخجلُ حتى الآن.. ولا أُريدُ أن أفعلَهُ أبداً.

وهَزَّ الرجُلُ رأسَه ببُطء، وقالَ وهوَ يُحاوِلُ التماسُكَ والتمالُك:

-       لكِ ما تشائين.

ونهضتْ من مقعدها وغادرت الحُجرة.

وفي الطريق بدأَ الضميرُ يُثقِلُ ضرباتِه، وبدأتْ تحسُّ ثِقَلَ الصَدمةِ التي أنزلَتْها بالرجُل الذي بذلَ كل ما يملك لإسعادِها.. والذي وَهبَها البيْتَ الهادئ والحياةَ المُستقرّة.. وتصوَّرتْ حالَه الذي تركتْه عليها وانهيارَه ويأسَه، فازداد بها الندم، وتمنَّتْ لوْ تستطيعُ أن تُخفِّفَ بعض عِبئِه، وأحسَّت بأنها كانَ يجبُ عليها أن تُضحّيَ من أجله، وأن تُقاومَ رغباتِها ونزعاتِها.

وبلا وعيٍ ولا إرادة وجدتْ نفسَها تعودُ القَهْقَرى (إلى الخلف).. لتسألَ زوْجَها المَغفِرة وترجوه العَفو، وتُنبِّئُه أنها قد صمَّمتْ على أن تقهرَ قلبَها وتطلبُ منه أن يُساعِدَها على الخلاصِ من حُبِّها.

وكانت واثقةً أنه سيُقَدِّرُ وسيغفِر فهوَ طيّبٌ كريم، ومرّةً ثانيةً وقفتْ بباب المكتب، ووجدت أنها لم تُغلِقْهُ وراءها جيّداً فقد انفتحَ أمامَ دَفعَتِها.. ودخلت المكتبَ ولم تكَد تخطو بضعَ خُطواتٍ حتى وقفتْ مشدوهةً (مدهوشةً) ذاهِلة.. لقد وجدتْ الرجُلَ الطيّبَ الكريمَ اليائسَ المُنهار الذي أنزلتْ به الصدمةَ الكُبرى ولكنه كانَ في حالةٍ لا تُنبِئُ عن طيبته ولا كرمه.. ولا كانَ يائساً ولا مُنهاراً.. لا.. ولا كانَ هُناكَ أيُّ أثرٍ للصَدمةِ التي أنزلتْها به.. كل ما وجدتْه قد زادَ عليه هوَ امرأةٌ بيْن أحضانه.

حقاً.. إنها كانت مجنونة.. لقد أدلتْ إليه باعترافِها أوّل مرّة والمرأةُ مُختبئةٌ في إحدى الحُجرات.. لقد كان مكتبه مأوىً لرفيقته.. لعنةُ اللّٰهِ عليها.

كانَ خيْراً لها أن تفعلَ كما يفعل.. فلا تفضحُ نفسَها.. بل تبدو أمامه كما يبدو أمامَها طيّباً كريماً.

 

 

(تــــــــــمَّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX