خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل مغرور (1)


رجل يستدعي ذكريات عائلته وأصدقائه التي تدور المصيف

رجل مغرور (1)

 

 

كنتُ أظُنُّ نَفسي عاقلاً.. وكنت أظن التجارُب والسنين قد أحاطتني بسياجٍ منيعٍ من الحِكمة والتبصُّر.. كنتُ أظُن ذلك.. حتى حدث ما حدث فعلمتُ أني ما زِلتُ مغروراً مأفوناً (ناقص العقل ضعيف الرأي).. وأني سأظل إلى الأبد طِفلاً كبيراً، وأني خدعتُ نَفسي فحمَّلتها من الثِقة ما لا طاقة لها به.

بدأتْ القصّة بلقائنا في لبنان.. عائلتان مصريّتان تبتغيان الراحة والسكون في مصيفٍ هادئ، وكان للقائِنا فرحةٌ شديدة.. يعرفها الغُرباء الحائرون عندما يلتقون ببني أوْطانهم في أرضٍ غريبة.

ولم يكُن هذا أوّل لقاءٍ لنا.. فقد كانت بيننا معرفةٌ قديمةٌ نشأتْ عن زمالة الزوْجتيْن في أيّام الدراسة وعن صداقتي للزوْج صداقةَ اللِّقاء العابر والتحيّة الخاطفة، وجمعنا في ضهور الشوير (اسم المصيف) فُندقٌ واحد وسكنٌ مُتجاوِر وسُرعان ما توثَّقت عُرى (روابط) الصداقة حتى أضحيْنا عائلةً واحدة.

وكانت عائلتي مكوّنة مني ومن زوْجتي ومن ابنتي في السابعة وابني في الثالثة، أما العائلة الأُخرى فكانت تتكوّن من الزوْج والزوْجة وابنتهما الكبرى في السادسة عشرة وابنتهما الصُغرى في الثامنة، وكُنّا نُكوِّنُ في جلستنا شَلّتيْن.. الشِلّةُ الكُبرى مُكوّنةٌ من الأربعة الكبار: الزوْجيْن والزوْجتيْن.. والشِلّة الصُغرى مُكوّنةٌ من الأربعة الصِغار: الثلاثُ بنات والولد.

ورغم تفاوت الأعمار في الشِلّة الصُغرى فقد كان الانسجامُ بيْن أعضائِها تامّاً والاتصالُ وثيقاً، وكانت تتزعمّها ليلي الابنةُ الكُبرى لصاحبي، ولم تكُن تبدو في لهوِها أكثرَ من طِفلةٍ غريرةٍ لا فارق بيْنها وبيْن ابنتيَّ.

وفي ذاتِ ليْلةٍ وقد جلسنا - أعنى الشِلّة الكُبرى - نتسامرُ في إحدى شُرقات الفُندُق سمعنا صُراخاً صادراً من حُجرةِ الأوْلاد فصاحتْ زوْجةُ صاحبي تتساءل، وقد استطاعت أن تُميِّزَ في الصُراخ صوْتَ ابنتها الصُغرى:

-       ما بكِ يا كوْثَر؟

وسُرعان ما أطل علينا وجهُ ليلي وعليه سيماءُ الغضب وأجابت أُمَّها:

-       لقد ضربتُها يا ماما.. لأنها مَزَّقَتْ فُستان العَروس الذي صنعتُه لها.. ورسمَتْ بالقلم في إحدى كُرّاساتي.. وقد حذَّرتُها من ذلك مائة مرّة.

-       أسكِتيها يا ليلي وصالِحيها.. فلستُ أريدُ أن أسمعَ صوْتَ بُكائِها.. كوني عاقلةً يا ليلي فإنك أنتِ الكُبرى.

-       وماذا أفعلُ لها؟.. لقد أغاظتني.. ولا بُدَّ أن أؤدِّبَها.

وهزَّتْ ليلي كَتِفيْها ثم اختفتْ داخل الغُرفة، ووجدتُ الأبَ يهِزُّ رأسَه أَسَفاً ويضرب كفاً بكف ويقول:

-       لستُ أدرى متى ستكبر هذه البِنت.. فيما مضى كانت البنت لا تبلُغُ السادسةَ عشرة إلّا وقد صارت امرأةً لها ثلاثة أوْلاد.. واليوْم وقد بلغت السادسة عشرة فهي ما زالتْ تتعارك مع أختِها من أجل فستان العروسة.. تُرى متى تعقل وتكبر؟!

وضحكتُ.. إذ لم أرَ المسألةَ تستحِقُّ كل هذا الأسف من صاحبي.. وقُلتُ له مًهدِّئاً:

-       بُكرة تِعقَل وتِكبَر.. دَعْها تتدلَّلُ في كَنَفِك وفي عِزِّك.. عَلامَ العَجَلة؟

-       أظُنُّ ستةَ عشر عاماً كانت كافيةً لأن تعقل وتكبر وتُقَدِّر.. ولكنها للأسف لا تُقدِّرُ شيْئاً.

-       وماذا تُريدُ مِنها أن تُقدِّر؟

وأجابَتْ الأُمُّ ضاحكةً:

-       تُقدِّرُ طبيعةَ الأوْضاعِ في الحياة.. وتفهمُ أنها لا بُد أن تُصبِحَ عَمّا قريب زوْجةً مسئولةً عن بيْتِها وزوْجِها وأُمّاً مسئولةً عن أولادها.

-       هذه أشياءٌ ستفهمُها مع الزمن.

-       إنها لا تريدُ أن تفهمَها.. إنها لا تُريدُ أن تفهمَ سوى اللِّعَب والعرائس والمدرسة والتِلميذات.

-       ولكن ماذا يُقلِقكما من هذا؟.. وأيُّ شيْءٌ يدعوكما إلى التعجُّل فيه؟

-       يُقلِقُنا أنها مخطوبة.. ولكنها ترفُض الخُطوبة.. ترفُضُها وتثورُ عليها بطريقةٍ صِبيانيّةٍ جاهِلةٍ بَلهاء.. كأنها تظُنُّ أنها ستظلُّ طيلةَ عُمرها صبيةً تلعبُ في بيْتِ أبيها.

-       ولكنها على أيّةِ حالٍ صغيرة، وليْسَ هُناكَ خوْفٌ من أن تفلِتَ منكما فرصةُ خُطوبتها هذه.. إن الفُرَصَ ما زالت كثيرة.

وسادَ الصمتُ بُرهةً أشعلَ الأبُ فيها سيجارته ثم عادَ يُدلي بحُجَّته قائِلا:

-       أوّلاً.. هي ليْسَتْ صغيرةً بل كما قُلتُ لك فتاةٌ في السادسة عشرة يعني امرأةً ناضِجة.. وفترة الخُطوبة قد تستغرقُ سنةً أو سنتيْن.. فهي والحال كذلك لن تتزوَّجَ قبلَ الثامنة عشرة، ولا أظُنُّ أن هذه السن تعتَبر غيرَ مُلائِمةٍ للزواج.. أمّا من حَيْثُ أن الفُرَصَ ما زالتْ كثيرةً فأنا لا أرى هذا.. إن الخطيب شابٌّ مثاليٌّ لا عَيْبَ فيه ولا هَنّة (عيْباً بسيطاً).. إنه مُهندِّسٌ نابِغةٌ كريمُ الخُلُق طيِّبُ الأصل وافِرُ الثَراء حَسَنُ المَظهر.. كل شيءٍ فيه مُمتاز.. ولستُ أظُنُّ الإنسانَ يُصادِفُ مِثْلَه كثيراً في الحياة.. فمن الغَباءِ أن نرفُضَهُ لمُجرَّدِ أنها لا تفهمُ طبيعةَ الأوْضاعِ في الحياة.. إني أعتقدُ أن هذه الفُرَصَ لا تُقبِلُ على الإنسان إلّا مرّةً واحدة.. فمن الحُمْقِ أن نترُكَها تُفلِت.

ووجدتُه على حق.. فالفتاةُ ناضجةٌ شكلاً وجسداً.. وفُرَصُ الزواج الصالحة ليست مُتعدِّدةً في أيّامنا هذه، فإذا كان الخَطيبُ كما وَصَف، فمن الحُمْقِ فِعلاً رَفْضُه.. إن الفتاةَ الحَمقاءَ المُدلَّلة لا تُريدُ الزواج لأنها لا تعرف ما هو الزواج.. ولأنها تظُنُّ أنها يجب أن تظلَّ هكذا ترتعُ قى كَنَفِ أبيها.

وعجبتُ من ظروفِ الحياة!.. كيف يُبتَلى بعضُ الناس بالنِعَم.. لأن حالة هذه البنت يعتبرُها بعضُ الناسِ نِعمة، فأنا أعرفُ أُناساً يشكونَ من فجور بنات هذا الجيل ومن أن البنت أضحت وهي في الثانية عشرة تفهمُ كُلَّ شيء، وأنها عندما تبلغ الرابعة عشرة يُحطِّمُ قلبَها ما لا يقل عن عشر حوادث عِشْق، وفي السادسة عشرة تشكو من أنها أضحتْ عانِساً بائرة.

ولم أملك سوى الضحك وقلتُ لصاحبي وزوْجته:

-       يبدو لي أن الذَنبَ ذنبُكما.. فقد كان يجب عليكما أن تتفاهَما مع البنت وتُصادِقاها، وألّا تترُكاها هكذا تمضي جُلَّ وقتِها مع الأطفال الصِغار وألّا تُعامِلاها كما تُعامِلان أُختَها الصُغرى.. على أيّةِ حالٍ لستُ أرى المسألةَ مُستعصيةَ الحَل ويُخيَّلُ إليَّ أن حلَّها يحتاجُ إلى بعض الصبر في محاولة إقناعِها وإفهامِها.

-       لقد حاولتُ عَبَثاً أنا وأُمُّها.. إن عقلَها زاخِرٌ بالتفاهات، إنه لم ينضِجْ بَعد، بل هو ما زالَ عقلَ طِفلةٍ غريرة.

-       لا.. لا.. هذا كلامٌ لا أفهمه.. يَجِبُ أن تَبذُلا بعضَ الجَهد.

وأجابَتْ الأُمُّ يائسةً:

-       لقد بذلنا كل ما في وِسعنا لإقناعِها بقبول الخَطيب ولكن جُهدنا ذهب سُدى.

-       الجُهد لا يكونُ بإقناعها بقبول هذا الخطيب بالذّات.. بل يجب أن يُبذَلَ الجُهدُ لإفهامها طبيعة الحياة.. ولتوسيع مَدارِكها وإيقاظِ وَعيها ونقل تفكيرِها من تفكير طِفلةٍ إلى تفكير امرأةٍ يجب أن تخرُجَ من ذلك الرُكود الذِهني.

-       لا فائدة.. إنها مُصِرَّةٌ على أن تكونَ طِفلة.. ومُصِرَّةٌ على رَفْضِ الخَطيب.

ولكني - مع ذلك - لم أقتنِعْ بأن حالة الفَتاة مُستعصيةُ الحَل، بل بدا لي أنه يمكن علاج الفتاة بشيءٍ من الأناة (الصبر) والصراحة، وخُيِّلَ إليَّ أني أستطيعُ أن أمد يد المُساعدة وأني قد أكونُ أقدرَ منهما على تنمية تفكير الطِفلة لا سيّما وأنه لا يقومُ بيني وبينها ذلك الحِجابُ الثقيل من احترام الأبويْن وخشيَتِهما.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX