خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل مغرور (2)


رجل ناضج يتنزه مع فتاة صغيرة وسط جبال بيروت

رجل مغرور (2)

 

 

أجل.. إنني أقدرُ بلا شك على التفاهُم معها.. فأنا مخلوقٌ مَرِحٌ مِهزارٌ لا أعتبرُ كثيراً قيَم الأعمار والمراكز.. بل كثيراً ما أندَمِجُ في اللعب مع الأطفال حتى كأني واحدٌ منهم.. والطفلة نفسها لا تنفكُّ تدعوني إلى اللعب معهم مُناديةً لي مازِحةً بــ (أنكل جو) سائِلةً إيّايَّ أن أصنع لهم طيّارةً أو زُمّارة.

ولم أكُن أرفضُ اللعب أو أخجل منه.. رغم ما كنت أُتَّهَم به من الهيافة.. بل كنتُ أقضي الساعات لاهياً عادياً قافِزاً واثِباً مُستَمِعاً إلى شكواهم.. قاضياً في نزاعهم وهم يمسِكون بخِناقي ويتواثبون على كتفيَّ.

كنتُ أنا الذي أهبط إلى مُستوى الطُفولة التي ترتع فيه البُنَيّة.. وكانت هيَ التي تشدُّني إليها.. من أجل الضحك والمرح واللعب.

أفلا أستطيعُ - وأنا (أنكل جو) صديقها الحميم - أن أرفعها مرّةً إلى مُستوى الفهم والإدراك والتقدير من أجل مُستقبلها؟

دارَ كل هذا في رأسي خلالَ فترة الصمت التي أعقبت النِقاش.. ويبدو أن المُناقشة بين ثلاثتنا أنا والأب والأم كانت لا بُد مُؤديةً إلى نفس التفكير في الرؤوس الثلاثة.. وإن ما دار في ذِهني قد انعكست منه صورةٌ في كُلٍّ من ذِهنيْهما فقد سمعتُ الأُمَّ تضحكُ ضِحكةً خافِتةً ثم تقول:

-       لِمَ لا تُجَرِّبُ أنت؟.. فقد تستطيعُ أن تنجحَ فيما فشلنا فيه.. حاوِلْ أن تُخرِجَها عن ذلك اللعب الصِبياني.. فقد تفهمك وتستمعُ إليك.. ألستَ صديقَها الحَميم (أنكل جو)؟

وضحكت زوْجتي وقالت مازِحةً:

-       لا تنتظري منه خيْراً.. أنه لا يصلُحُ في أعمالِ الجَدِّ قَط.. أنه لا يُجيدُ سوى اللعب بالنحلة والطيّارة.. أنه هو نفسه في حاجةٍ إلى مَن يرفعه من مُستوى الطفولة.

وصَمَتُّ بُرهة.. وحلا لي أن أقبلَ التحدي.. وأن أُريهم أني - على مرحي وميْلي إلى المِزاح - قديرٌ على الجَد حَلّالٌ لمُستَعصي الأمور، وأني سآتي لهما بما لا يستطيعانه.

ورأيْتُ الثلاثةَ يرمِقونني وعلى شفاههم ابتسامة انتظار فقلتُ مُتحدياً:

-       دعوها لي.. إني كفيلٌ بها.. لن تعودَ من المصيف إلّا وقد قَبِلَتْ الخَطيب.. مَن يُراهِن؟

وأجابَ الأب ضاحكاً:

-       لا داعي للرهان.. فإنك لا شك خاسِرُه.. يكفي أنك ستضيعُ وَقتك عبثاً.

-       بل إني أقبلُ الرهان أيّاً كان.. خمسةُ جُنيْهاتٍ لخمسة.. ما رأيُكم؟

-       حسناً.. قبلت.

وغادرنا الشُرفة ضاحكين.. وفي اليوْم التالي بدأتُ العمل لكَسْبِ الرهان ولكسب مُستقبل الصبيّة وإنقاذها من تفاهةِ تفكيرها، وكنتُ أظُنُّ المسألةَ لن تستغرِقَ مني أكثرَ من جلسةٍ أو جلستيْن.. أُفهِمُ الصبيّة خلالها أنها قد كبرتْ وأنها لا بُد أن تتحمَّلَ مسئوليّتها في الحياة كزوْجةٍ وأُم.. وأشرحُ لها مُتعةَ الحياة التي توشِكُ أن تُقبِلَ عليها.. وكيف سيكونُ لها بيْتُها وكيانُها في المُستقبَل.. وكيف ستكونُ ربّةَ أُسرةٍ وسيّدةَ بيْت.

لقد أخذتُ أُحضِّرُ كُلَّ هذا في ذِهني كما يُعِدُّ المُحاضِرُ مُحاضرتَه.. وكنتُ أعتمدُ كثيراً على لباقةِ لِساني وقوّةِ إقناعي وعلى ثِقة الفتاة بي وعلى التفاهُم الذي نشأَ بيْننا في اللعب والمَرَح.

وصحبتُها في نُزهةٍ قصيرةٍ في الجَبَل في الصباح المُبكِّر.. زاعِماً لها أني أُريدُ أن أُريها عُشّاً للعصافيرَ مليئاً بالبيْض المُلوَّن.

وقالت لي وهي تُشيرُ بإصبعها مُهدِّدةً:

-       إيّاكَ أن تكونَ كاذباً.. إني لم أرَ من قبل بيْضاً مُلوَّناً للعصافير؟

-       سترين بعيْنكِ أني لا أكذب.

-       لم تأخذ معنا سامية ونادية وجمال.

-       إنهم ما زالوا نائمين ولوْ تأخَّرنا لفَقَسَ البَيْض.

وسِرتُ وإيّاها في الطريق الجبلي الضيّق، نهزُّ أيْدينا المُتشابِكة ونُصَفِّرُ في مرحٍ وجَذَلٍ (سرور) حتى بلغنا صخرةً صغيرةً أشبهَ بالمِقعَد تُشرِفُ على سفح الجبل المكسو بأشجار الصنوبَر.. فطلبتُ منها الجلوس.. ولكنها سألتني مُستفسِرةً:

-       أيْن العُش؟

وأخذتُ أتلفَّتُ حوْلي مُتصنِّعاً الدَهَش قائلاً:

-       عجباً.. كانَ هُنا بالأمس يا ليلي.. أيْنَ ذهب؟.. لقد كان فوْقَ هذه الشجرة بالذات.. لا بُد أن تكون الأُم قد نقلته.. على أيّة حال دَعينا نستريح ونتحدَّث بُرهة.

وجلسَتْ بجواري ونسيمُ الصُبح الرطب يهبُّ على وجهيْنا والشمسُ تُرسِلُ مُقدِّماتها الأُرجوانيّة من وراء الجبل.

وبدأتُ المُحاضرة.. كانت مُحاضرةً أُقسِمُ لكم أنها تُعتَبَر من روائع الكَلِم.. وأحسستُ خلالها بإعجابٍ بنفسي وبقوّة منطِقي وذَلاقة لِساني.. وتوقَّعتُ في نهايتها - أو حتّى قبل نهايتِها أن تترُكَني الصبيّة وتعودَ راجِعةً إلى أبويْها ثائِرةً عليهما لتَركِها حتى الآن بلا زواج.

ولكن المُحاضَرة بلغتْ نهايتَها والفتاةُ ما زالت جالسةً بجواري وقد أخذَتْ تتسلَّي بقَضْمِ أظافرها.. فقلتُ لها ناهِراً:

-       ليلي.. كُفّي عن قَضْمِ أظافرك.. لقد كبرتِ.. وكانَ مفروضاً عليكِ أن تترُكي أنامِلَكِ تنمو وتُطليها بالمانيكير بدلاً من أن تقضُميها حتى يبدو لحمُ أظافرك.

ثم صمتُّ بُرهةً تمالكتُ فيها نَفسي وقُلتُ مُتَرفِّقاً:

-       ما رأيُكِ يا ليلي بعدَ كُل ما قُلت.. ألا تُوافقينَ على الخِطبة؟

-       لا.. لا يا أنكل جو.. لا أُريدُ الزواج.

-       لِمَ يا ليلي يا حبيبتي؟ إنكِ لم تعودي بعد طِفلة؟

-       ولماذا أتزوَّجُ وأنا أشعُرُ بمُنتهي السعادةِ في حياتي هذه.. إن لديَّ ما أُريد.. وأبي وأُمّي لا يبخلان عليَّ بشيء وهُما يذهبان بي إلى السينما وقتَما أشاء.. وما من شيءٍ أطلُبُه إلّا ويُحضرانه لي.. ألا تعلمُ أنهما سيبتاعان لي دَرّاجة.. بمُجرَّد عوْدتي إلى مصر؟.. سأتعلَّم ركوبَها.. وسأُعلِّم نادية.. وإن لم تتعلَّم سأحملُها ورائي على المقعد الخًلفي وسأزورُكم بها.. هل تُجيدُ ركوبَ الدرّاجات يا أنكل جو؟

وأجبتُها بزَفرةٍ حارّة ونفخةٍ مليئةٍ باليأس ونظرتُ إليها شَزراً (نظرة غضب بطرف العيْن) وأنا أضغطُ على أسنأني، فسألتْني في سذاجةٍ وبراءة:

-       ماذا أغضبَك يا أنكل جو؟!.. ألا تعرفُ ركوبَ الدرّاجة؟.. إنني أستطيعُ أن أُعلِّمك بعد أن أتعلَّم أنا.

ولم أجدْ هُنا فائدةً من المُناقشة.. ماذا أقولُ لهذه الحمقاء الصغيرة.. وقد انتهت بها مُحاضرتي القَيّمة عن طبيعة أوْضاع الحياة وفوائد الزوْجيّة و.. و.. إلخ.. إلى أن تعرِضَ عليَّ أن تُعلِّمني ركوبَ الدرّاجات!

وسحبتُها من يدها وعُدنا أدراجنا.. وهي ما زالت تُحدِّثني عن الدرّاجة التي سيُحضِرها لها أبوها.

وخجلتُ بالطَبع أن أعرِضَ عليهم نتيجةَ مُحاولتي.. وصمَّمتُ على ألّا أيأس.. وعلى أن أُحاوِلَ مرّةً ثانية.

أجل.. لقد اقتنعتُ بخطأِ الطريقةِ التي اتبعتُها، وعزمتُ على أن أُحاولَ بطريقةٍ أخرى.. كان من الحُمْقِ أن أُحاولَ النجاحَ بسُرعةٍ فأتَّبعُ الطريقَ المُباشِر القَصير.. بدل أن أتبع الطريق الطويل غير المُباشِر الذي يحتاجُ إلى أناةٍ وجِدٍّ ورَويّة.. والذي لا تبدو نتيجته جَليّةً واضحة.. ولكنها ستأتي مع الزمن.. لقد فشلتْ طريقةُ الإقناع بالمُحاضرات.. فعليَّ أن أتَّبِعَ طريقة الإقناع العملي.

وفي اليوْم التالي صمَّمتُ على أن أسألَها الخروجَ معي في نُزهةٍ مُبكِّرة.. ولم أكُن في حاجةٍ إلى التعلُّل بعُش العصافير والبيْض المُلوَّن.. فقد عرضَتْ الخروجَ من تِلقاء نفسِها قائلةً أنها استمتعتْ بنُزهة الأمس.

وخرجنا في الفَجر نضربُ وحدنا في الجبل.. ولم أُحاولْ قَط أن أُحاضِرها.. أو أن أرفعَها إلى مُستوى التفكير والتبصُّر، بل رُحتُ أعدو وراءَها وتعدو ورائي، وعُدنا في النهاية وبي عددٌ من الخُدوش والجُروح التي أصابتني نتيجة تسلُّقي إحدى الأشجار لأُحضِرَ لها بعضَ الزُهور.

 

 

(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX