خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل مغرور (3)


رجل كبير وفتاة صغيرة تمسك وردة يتنزهان بين أشجار الجبل في منطقة ضهور الشوير

رجل مغرور (3)

 

 

واستمرَّتْ نُزهاتُنا يوْماً بعد يوْم.. وفي كل يوْمٍ يَقِلُّ العَدْوُ واللعب.. ويزدادُ الهدوءُ والتأمُّلُ والتمعُّن.. لم أُحاولْ أن أفعلَ شيْئاً.. ولكن النسائمَ الرطبةَ الخَفّاقة والشمسَ المُتثائِبةَ وراءَ الأُفُق.. والورقَ الهتوفَ (الذي يُصدِرُ صوْتاً بسبب الرياح) والبلابلَ الصادِحة، والأوراقَ الخُضْرَ تترنَّحُ وتتمايلُ على سفح الجبل قد فعلت شيئاً كثيراً.. أكثرَ ممّا أتوقَّع.. وممّا أحتمل.

لقد بدأَتْ الصبيّةُ الطائِشةُ التافِهة.. ذات الطيّارة، والزُمّارة والدرّاجة.. تتمهَّلُ في سيرها وتكف عن عَدْوِها.. وأضحتْ تتوقَّفُ بيْن آوِنةٍ وأُخرى لتُشيرَ بإصبعِها إلى هُنا أو هُناك، ثم تهتفُ في لهجةٍ ليّنةٍ وصوْتٍ حنون:

-       أترى هذا الغُصنَ المُحَمَّلَ بالزهر؟!.. أنظُر كيْفَ يُحرِّكُه النَسيم.. إن القليلَ من الناس هم الذين يفطِنون إلى جمال الطبيعة.

-       نعم.

-       أرأيتَ أجملَ من شُروقِ الشَّمس يا أنكل جو؟

أجل.. لقد تبدَّلَ حديثُها إلى (أنكل جو)، من حديثٍ عن العَرائسَ والدرّاجاتِ إلى حديثٍ مليءٍ باستيعاب جَمالِ الكوْن وفِتنةِ الطبيعة.. وخفتَتْ صرخاتُها الجوْفاءُ الضاحكةُ فأضحتْ همساتٌ حنونةٌ أشبهُ بالزَفَرات.. و (أنكل جو) بين هدوئها وتأمُّلها وحديثها وهمسِها يرقُبُ التطوُّرَ حائراً وَجِلاً.. لقد كنتُ أستطيعُ أن أُجزِمَ من ذلك الهدوء إني قد كسبتُ الرهان.. أو على الأقل أوشِكُ أن أكسبه.

أن الفتاةَ قد تبدَّلتْ وخرجتْ عن سربال (ثوْب) الطفولة.. وكسرتْ البيْضةَ التي كانت تضمُّها وتحجبُ عنها كل ما يتفتَّحُ عليه ذِهن الفتاة وقلبها في هذه السِّن.. وكُشِفَ لها ما يجبُ أن تهفوَ إليه روحُها وتصبو إليه نَفسُها.. كانَ هدوءُ الفتاة وسكينةُ قلبِها بشائرَ انتصارى.

ولكني كنتُ أوجِسُ خيفةً.. خشية أن يكونَ هدوءاً يُنبئُ عن عاصفةٍ أو سكينةً تستبقُ ثوْرةً جامِحةً لا يعلمُ إلّا الله مَداها.. كنتُ أخشى الفتاة.. وشرٌ من هذا.. كُنتُ أخشى نَفسي.. كنتُ أخشى على كليْنا من الآخر.. وبيّنت الأيّامُ أني كُنتُ من خشيتي على حق.

أذاكَ أمرٌ غريب؟!.. قد يبدو كذلك.. ولكن لوْ حُلِّلَ كِلانا تحليلاً صادقاً لبَدا الأمرُ غيْرُ عجيب.. ولو كنتُ أكثرَ حِكمةً وتبصُّراً لما زجَجْتُ بنَفسي في هذا المأزق.. ولما نسيتُ نفسي فحمَّلتُها ما لا تحتمِل من الثِقة.

كيف كانت ليلي الصغيرة؟ وكيف كُنت؟ كيف كانت التجرُبة؟ وكيف واجهتُها؟.. وسط خَمائل (أشجار) الجبل، وبين الأوْراق الهاتِفة نسيرُ مُتجاوريْن في كل فجر.. فإذا ما جلسنا شردتِ الصغيرةُ في الأُفقِ البَعيد.. ومَدَّت يدَها في صمتٍ تتلمَّسُ يَدى.. فتُعانقُ أصابعُها أصابعي وتُلاصِقُ كتفَها كتفي.. وتظلُّ شاردةً لا تنبس ببنت شفة.. فإذا ما هَمَمْتُ بسَحْبِ يَدي ضغطت عليها مُستبقية.. وإذا هممتُ بالنهوضِ نظرتْ إليَّ نظرةَ استعطافٍ ثم سألتني:

-       أتضايقتَ سريعاً؟ أما نجلسُ هُنيْهةٍ أُخرى؟ أن الوقتَ ما زال مُبكِّراً.

وكنتُ لا أملكُ إلّا الجلوسَ واستبقاءَ يَدِها في يَدي.. وهكذا كُنّا نجلس.. صمتٌ في صمت.. ولا شيءَ سوى الصمتِ المُطبَقِ والأصابعَ المُتعانِقةِ والأكُفِّ الضاغطة.

وكنتُ أشعُرُ أنه يجبُ أن أوقِفَ هذه النزعات.. وأن أكُفَّ عن هذه الخُلوات رغم أنه لم يُشُبْها قَط شيءٌ ظاهر، أجل.. كنتُ في باطني أحسُّ أن ما لا يجبُ أن يحدُثَ يوشِكُ أن يحدُثَ إن لم يكُن حادثاً بالفِعل.. إن الظاهرَ صامِتٌ بريء.. ولكن الباطنَ صاخبٌ والحَشا تضِج (تُحدِث ضوضاء).

كانَ يجبُ أن أوقِفَ كل هذا.. وأن أضِعَ له حَدّاً.. ولكني كنتُ أفزعُ من أن أخدِشَ مشاعِرَها.. أو أُسبِّبَ لها ضيقاً أو حُزناً.

وكنتُ أنا نَفسي - رغمَ كل مُقاومة - قريراً بالجلسةِ الصامتة والأكُفِّ المُتشابكة.

لقد انتزعتني الصغيرة.. من كِبْري وتجارُبي وعقلي.. كما انتزعتُها أنا من طفولتِها وتفاهتِها ولعبها.. لقد انتزع كلانا صاحبَه ممّا كانَ فيه من الركود.. والتقيْنا في مُنتصَفِ الطَريق بمشاعرَ مُستعِرةٍ وأحاسيسَ مُتأجِّجة.

ولقد كبحتُ (قاومتُ) جِماحَ (تمرُّد) نَفسي جيّداً.. وبذلتُ المُستحيلَ حتى لا أنسى نَفسي ومَوْضِعي.. ولا أندفعُ وراءَ القَلْبِ الأحمق الخَفّاق.. فأُقدِمُ على أجنُّ حُبٍّ يُمكِنُ أن يُقدِمَ عليه إنسان.. حُبٌّ لا يمكن بأيّة حالٍ أن ينتهي إلى نتيجةٍ معقولة.

ولا أُنكِرُ أني أفلحتُ إلى أقصى حَد.. وأني لم أكُن أفعلُ سوى الجلوسِ بجوارها والشرودِ وتَرْكِ يَدها في كَفّي مُسترِقاً البَصَرَ من آنٍ لآخر إلى جانب وجهِها الحُلو، وأنفِها الدقيق وخصلةِ شَعرِها المُهتَزّة على جبينِها ثم أُحوِّلُ بصري سريعاً عندما أشعُرُ أنها قد أحسَّت بنظراتي وبدأَتْ تُحوِّلُ إليَّ عيْنيْها.. كنتُ أتجنَّبُ دائماً التقاءَ العيون.

لقد أفلحتُ في هذا.. حتى جلسنا ذاتَ فَجْرٍ كما تعوَّدنا أن نجلسَ وأحسستُ بيدِها تزدادُ ضغطاً على يَدى كأنها كانت تقولُ لي شيْئاً.. كنتُ أفهمُهُ جيّداً.. وأخذتُ أرقُبُ جانبَ وجهِها والخُصلةَ المُهتزّة على جبينِها حتّى وجدتُها تلتفتُ إليَّ.. ورأيتُها تضغطُ بأسنانها على شفتِها السُفلى كأنها تُقاوِمُ في باطنها ألماً شديداً.. وعندما التقتْ أبصارُنا اندفعَتْ في بُكاءٍ شَديد.. ولم أملكْ إلّا أن أضُمَّها إليَّ وأُخفي وجهَها في صدري وأُخفي وجهي في شعرِها.. وظللنا على ذلك حتى كَفَّتْ عن البُكاء ثم عُدنا أدراجَنا، وكان من الجُنون أن نستمرَّ على ذلك.. فما أظُنُّ نَفسيْنا كانتا تستطيعان أن تحتمِلا أكثر.

وكانَ عليَّ بعد ذلك أن أفعلَ شيْئاً.. فانتهزتُ فُرصة ذهابها هي وعائلتها إلى دعوة في بلدة صوفر، وحزمتُ أمتعتي وعدتُ وعائلتي إلى القاهرة في أوّل طائرة، لقد عُدتُ وأنا أشبَهُ بالهارب المَذعور.. الذي أطلق للريح ساقيْه فراراً من خطرٍ داهم.. أتُرى كنتُ في قراري جباناً؟.. كنتُه أو لم أكُنْه، لقد كان هذا هو الطريقُ الوحيد لوَضْع نهايةٍ للأمر.. لقد كان عليَّ أن أحتمل ألم الفُرقة مهما كان.. من أجلها.. ومن أجل نفسي.. لقد تركتُها بلا وداع.. فشَرُّ ما في الفُراقِ وداعُه.

لقد غادرتُها بلا إنذار.. إلّا من رسالةٍ قصيرة.. ووضعتُها تحت حجرٍ حيْثُ تعوَّدنا أن نجلسَ وحيْثُ كنتُ واثِقاً أنها وحدها التي تستطيعُ أن تعثُرَ عليها.. وما زِلتُ أذكُرُ ما كتبتُه واحفظُهُ عن ظهر قلب:

"أشعُرُ يا ليلي أننا قد وصلنا إلى حيثُ يجبُ أن نفترِق، إن لي سبيلي ولكِ سبيلكِ.. ولقد أشركتنا الأقدارُ الهوْجاءُ بُرهةً في سبيلٍ واحدٍ وكان ذلك منها تجرُبةً قاسيةً مريرة.. فقد كانَ من المُستحيلِ أن نستمرَّ في السَبيل المُشترك أو يُجذَبَ أحدُنا الآخرَ إلى سبيله.. ولذلك فقد آثرتُ أن أترُكَكِ مُلتاعاً محزوناً بلا عزاءٍ عن فُرقَتكِ سوى تلك المُتعة التي جَنيناها من لحظاتِ سيْرِنا في الطريقِ المُشترَك.

لقد بدأتْ المسألةُ بيننا بسبب رهان.. فلقد راهنتُ أباكِ أني سأُخرِجُكِ من طفولتكِ وسأجعلُكِ تَقْبلين خَطيبَك، وأرجو ألّا يخذلَكِ قوْلي.. وأن يُعزّيكِ عنه.. إنني - بكل حُمْقٍ - خرجتُ من كِبْري وحِدتُ عن غرضي وأحببتُكِ فِعلاً.. أرجو أن تُساعديني على كَسْبِ الرهان.. وأن تقبلي خَطيبَكِ وتسلكي سبيلَكِ الخاص بك.. فإن هذا سيكون لي خيْرَ عزاء.

ليسِر كُلٌّ مِنّا في سبيله، ولنجعلُ من حُبِّنا ذِكرى حُلوة تُعينُنا على تَحَمُّلِ مشاقِ الحياة.. وتُسعِدُنا عندما تُطْبِقُ علينا همومُنا.

أجل.. لنجعلُ حُبَّنا بارقةً نلتفتُ إليها كلما خُضنا ظُلُماتِ الحياة.. أليْسَ هذا خيْراً من أن نجعلَهُ ناراً تحرِقُ قلوبَنا وتُدمِّرُ كيانَنا؟

مَزِّقي رسالتي هذه، حتى لا يبقى بيْننا إلّا ما يستَتِرُ في القُلوب.. وإذا كُنتِ تنوينَ أن تُحقِّقي رجائي.. فخُذي الرهان من أبيكِ واجعليه هديّتي في عُرْسِك".

ولم أَلقَها بعد ذلك إلّا وفي يَدِها طِفلها، وأقبلتْ عليَّ تشدُّ على يدي في شوْقٍ وتقول ضاحكةً:

-       كيف حالُكَ يا (أنكل جو)؟.. هذا هو ابني (جو) الصغير.. لِمَ لم تسألْ عنّي؟!.. لقد جعلتُكَ تكسبُ الرهان ولكني لم أُمَزِّقْ الرسالة.. لأني جعلتُها كما قلتَ فيها: "ذِكرى حُلوة تُعينُنا على تحمُّل مشاقِ الحياة.. وتُسعِدُنا عندما تُطْبِقُ علينا الهُموم".

 

 

(تــــــــــمَّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX