خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل منتقم (3)


رجل يختبئ بين أعواد القصب في القرية وتعثر عليه حبيبته وورائهما أبوها الشيخ تحت ضوء القمر

رجل منتقم (3)



ودَنَتْ الساعةُ الرهيبةُ التي طالَ به انتظارُها، وأقبلَ الليْلُ يَرخي (يُنزِلُ أو يُرسِلُ) سدولَه (ستره المُظلِم)  على الجَريمة التي توشِكُ أن تقع، وسارَ مُتسلِّلاً بيْنَ أعوادِ القصب وقد طافَتْ بذِهنِه كلَّ الذِكرياتِ الذاهبة، وتراءتْ له عيْنا أبيه الخابيتان (اللتان ضعف نورهما) وصوْتُه المُتهدِّج يدعو للثأر، وتراءت له بجوارهما الأعيُنُ النُجْلُ والصوْتُ الناعم يدعوه لأن يترفَّقَ بنفسه.. وأن يذكُرَ أن مصيرَه ليْسَ ملكَه.. واقترب من الساقية.. وخفقَ قلبُه.. وهوَ الشجاعُ القوي.. وارتجفتْ أطرافُه وهو الصَلبُ الجَريء، الثابتُ الجَنان (القلب)، وهبَّتْ الريحُ فبعثَ فحيحُها في نفسه نوْعاً من الهَلَعِ (الخوْف) لم يَدرِ عِلَّتَه، ولكنه تمالكَ وتماسكَ وهدَّأ من روْعه (فزعِه)، وأزالَ من رهبتِه. 

وجلسَ بين الأعواد الخُضْر يُرقُبُ وينتظر.. وزادَهُ الانتظارُ قلَقاً ورهبة، ولكنه عاد يُطمئِنُ نفسَه: بضعُ دقائقَ أُخرى ويستريحُ من عِبئهِ.. بِضْعُ دقائقَ ويفي بوعدِهِ لأبيه.. ويجعلُه يستريحُ في قَبْرِه.. بعدَ طولِ انتظار. 

لقد باتَ الطيْرُ في يدِه، ولم تعُد هُناكَ قُوّةٌ على الأرض تستطيعُ أن تجعلَهُ يُفلِتُ من مصيره المَحتوم. وأخذتْ الدقائقُ تمرُّ طويلةً مُمِلّة حتى خُيَّلَ إليه أن الرجل قد عَدَّلَ عن العوْدة أو غيَّر طريقَه. 

ومدَّ رأسه من خلال القصب يستطلِعُ الطَريق، ولكن الظُلمةَ كانتْ حالكة، وكان موقفه بجوار الساقية في مُنحنى الطريق، فهو لا يستطيعُ أن يُبصِرَ القادمَ إلّا بعد أن يلفَّ مع الطريق، ويُصبِحُ على قاب شِبريْن أو أدني.

وفجأة سَمَعَ وَقْعَ أقدامٍ تقترب فأخفي رأسَه بيْن الأعواد وأخلدَ (رَكَنَ) إلى الصَمْت حتى كادَ يوقِفُ أنفاسَه.. وازدادتْ الخُطواتُ اقتراباً، خطواتٌ مُتثاقِلةٌ تصحبُها عصا هي بلا شك عصا الشَيْخ.. أجل!.. أجل!.. إنه هوَ بعيْنه.. وأخيراً وصلَ الشيْخُ قِبالَتَه (أمامَه)، وتحقَّقَ هوَ من وجهه ومشيته.. وفي خِفّة الثَعلب مَدَّ يدَهُ فقبض بها على عُنُقِه ثم جذبَهُ إلى الداخل واضِعاً اليَد الأُخرى على فَمِه.. وقبلَ أن يبدأَ في الضغطِ على عُنُقِه، وَصَلَ إلى أُذُنه صوْتَ أقدامٍ أُخرى أسرعَ سيْراً وأخفَّ وَقْعاً، كان هُناكَ مَن يُريدُ اللَّحاقَ بالشيْخ.

ومضتْ لحظةٌ من التردُّدِ والخوْف وهو يقبضُ على عُنُق الشيْخ ويضع يده على فَمه، خشيةَ أن يكونَ العابرُ الجديدُ قد أبصرَه وهو يجذِبُ الشيْخ إلى داخل القصب.. ولكنه سُرعانَ ما تغلَّبَ على تردُّده وخوْفه، وصَمَّمَ على أن يُنجِزَ مَهمَّتَهُ في حَزْمٍ وسُرعة.. وبَدأَ في الضَغط والخُطواتُ تزدادُ اقتراباً، حتى بدا وكأنها اجتازتْ مُنحنى الطَريق وأنها قد شارَفتْ مكمنّها.. وفجأةً سمعَ صوْتاً نِسائيّاً ناعماً يشُق أجواز (طبقات) الفَضاء، ويصيحُ مُنادياً في لهفةٍ: 

  • آبا.. آبا! 

وبدا كأن صاحبةَ الصوْتِ كانت تسيرُ وراءَ الشيْخِ مُحاوِلةً اللَّحاقَ به، وأنها افتقدتْهُ فجأة، وتبيّنَتْ اختفاءَه بعد مُنحنى الطَريق، فصاحت تُناديه. 

ووقعَ الصوْتُ في مسمعِه وَقْعاً مُخيفاً مُروِّعاً، لا لمُجرَّدِ إحساسه بأنه صادرٌ من ابنةٍ تستدعي أباً يوشِكُ هوَ أن يُرديه صريعاً.. ولا لأن الصوْتَ كان مُفاجِئاً وَسْط ذلك السكونِ المُخيف.. بل لسببٍ أكبرَ من هذا.

لقد كانَ الصوْتُ صوْتاً مُميَّزاً عنده، صوْتاً لا يُخطِئه، كانَ صوْتُ الأعيُنِ النُجْل.. ذلك الصوْتُ الناعمُ الرقيق.. الذي كان يدعوه دائماً لأن يترفَّقَ بنفسِه ويُذكِّره أن مصيرَهُ لم يعُد مِلكه وحده! 

لقد كانَ الصوْتُ الآنَ يدعوه لأن يترفَّقَ بغريمه وأن يهبَه مصيرَه بعد أن أصبحَ في يده، ويتركُ الثأر الذي أمضى العُمْرَ في الجري وراءه!.. ومضتْ لَحظةٌ وهوَ قابضٌ على عُنُقِ الرجُل.. وروَيْداً روَيْداً بدأ ضغطُ أصابعِه يَخِف، واستطاعَ الرجُلُ أن يتنفَّسَ وأن يتكلَّم، فصرخَ مُستنجِداً بابنته.. واندفعتْ الابنةُ لتُنجِدَ أباها. 

ووقفَ الاثنان وجهاً لوجه.. وما زالتْ أصابعُهُ قابضةً على عُنُق الشيْخ.. وما زالَ ذِهنُه حائراً يتخبَّطُ بيْن ثأر أبيه، وبين الأعيُنِ النُجْلِ المُتوسِّلةِ إليه. 

لم يكُن في استطاعته التحدُّث.. فلقد بهرَهُ صوْتُها.. وسحرتْهُ عيْناها.. وتركَ الشيْخُ يفلِتُ من يَدِه.. ونظرَ إلى الفتاةِ وقالَ هامِساً:

  • كنتُ أعتقدُ أنه ما من قوّةٍ على الأرضِ تستطيعُ أن تُنجي قاتلَ أبي من قَبضةِ يدي.. أو أن تُثنيني عن أَخْذِ الثأر.. ولكني لم أكُن أعرفُُ قوّةَ تِلكَ الأعيُنِ النُجْل عندما تتوسَّل، ولم أكُن أظُن أنني سأُصبِحُ يوْماً من قوْمِ الشاعِرِ القائِل: "نحنُ قوْمٌ تُذيبُنا الأعيُنُ النُجْلُ .. على أننا نُذيبُ الحديدا". 

وهكذا جرفَ تيّارُ الحُبِّ صُخورَ البَغْضاء، وعفا صاحبُ الثأر عن غريمِه وعُنُقُهُ بيْن أصابعِه. 

وتزوّجَ الرجُل ابنةَ غريمه.. ووضعَ حَدّاً لخصومةِ دَهْرٍ وعَداوةِ عُمْر.



(تــــــــــمَّــــــــــــــــــــت)

google-playkhamsatmostaqltradentX