رجل منتقم (2)
ومرَّتْ السُنون، وهوَ يضربُ هُنا وهُناك، في المَشرِقِ تارةً وفي المَغربِ أُخرى.. مُقبلٍ مرّةً، مُدبرٍ مرّة.. وفي كل خُطوةٍ يخطوها وفِعلٍ يأتيه ليس له من هدفٍ سوى تعقُّبِ آثارِ غريمه والثأر منه.
ولم يكُن له من خطّةٍ أو تدبير، فقد كان كل ما يهدفُ إليه هوَ أن يعثرَ عليه.. أمّا طريقةُ الثأر فقد كانت عنده سهلةٌ هيّنة، لقد كانَ مُصمِّماً على أن يُرديهِ صريعاً أيْنما وحينما يجِده، بلا تفكيرٍ ولا تدبير.
أن كل ما يُريدُه هوَ أن يشفي غَليلَه بقتلِه، أمّا ما يحدُثُ له بعد ذلك، فكان أتفهَ من أن يُفكِّرَ فيه.. أن مصيرَ نفسِهِ لم يكُن يعنيه في شيء، أمّا مصيرُ غريمِه فكان هوَ كل شيء.. إن حياته لها قيمة، لأنها ستضِعُ حَدّاً لحياة خصمه.. أمّا بعد ذاكَ ولغيرِ ذاك، فإنها هباءٌ في هباء.
واستمرَّتْ المُطاردةُ يوْماً بعد يوْم، وشهراً بعد شهر وعاماً بعد عام، والحِقدُ مُستعِر، والضغينةُ مُتأجِّجة، لا هدوءَ ولا سكينةَ ولا نِسيان.. كل تعبٍ يهونُ ما دام يُقرِّبُه من هدفه، وكل شقاءٍ وشَظَفٍ في العيْش يُحتمَلُ ما دامَ يُدنيه من بُغيَتِه.
وأخيراً.. وبعد طولِ صبرٍ وأناة ورحيلٍ ومُهاجرةٍ بلغَ الهدف.. أوْ قُلْ أصبحَ منه قابَ (مِقدارَ) قَوْسيْن (مسافةٍ قريبة) أو أدنى.. لقد وجدَ الغريمَ في النهاية بعدَ مُضيِّ هذه السنين الطويلةِ شيْخاً واهِنَ العَظْمِ أشيبَ الشَعر.. ولكنه كان هوَ... هوَ الأُمنيةَ المَنشودة، والهدفَ المَقصود، الذي أجَّجَ الحِقد، وألهبَ البَغْضاء.. المُجرمَ القاتل، الذي أردى أباهُ صَريعاً مُضْرَجاً بدمائه، والذي أفقدَهُ يانعَ عُمْرِه وأرقدَهُ بلا ذنبٍ جُثّةً هامِدةً بيْن الثَرى.
لقد لقيهُ أخيراً بعد طول جهدٍ وكثيرِ مشقّةٍ وعناء، وكان قميناً (جديراً) - وهوَ المُتحرِّقُ (المُشتَد) شوْقاً إلى الثأر - بأن يُرديه (يُسقِطه) قتيلاً في ساعته.. ولكنه لم يفعل!.. لم يفعل، وهوَ المُتعجِّلُ المُتلهِّفُ الذي كان يأكلُ صدرَه الحِقد، والذي لم يكُن يبغي إلّا قتلَ غريمه بلا خُطةٍ ولا تدبيرٍ ولا تفكيرٍ في الهُروب.
لم يفعل.. وهوَ الذي كان لا يعنيه مصيرَه في شيء.. بل كان مصيرُ خصمه - أو إنهاء مصيره - هوَ كل شيء.
لم يفعل لسببٍ واحد، وهو أن مصيرَه هو قد أصبح يعنيه!.. لم يفعل من أجل الأعيُن النُجْل (جمع نجلاء).. الأعين النجل (الواسعة الجميلة) وجدائل (ضفائر) الليْل والوجه القمر.
كل ذلك قد جعله يعني (يهتم) بمصيره، وجعل لحياتِه قيمة.
لوْ لم يُصادِفْها قُبيْل النهاية لكان كل شيءٍ قد انتهي ولكان القاتلُ قد لقيَ حتفه.. ولكان هوَ يقفُ في شجاعةٍ وهدوءٍ ليقول للمَلأ: "أنا الذي قتلتُه لأنه قتلَ أبي.. لقد أخذتُه بذنبه، وأخذ هو أبي بلا ذنب.. افعلوا بي ما شِئتم، خُذوا حياتي، فقد فعلتُ بها ما أردت.. أمّا ما تبقّى فما عادَ يعنيني في شيء"
لقد كان حريّاً (جديراً) بأن يفعلَ ذلك، ويقولَ ذلك.. أمّا الآنَ وقد لقيَها.. أمّا الآنَ وقد أضحى ما تبقّى من حياته يعنيه كما عَناهُ ما سلفَ منها.. أمّا الآنَ ومصيرُه لم يعُد مِلكَه بل أضحى مِلكهما معاً، فقد كانَ أجبنَ - أو أعقلَ - من أن يفعل.. لقد كان عليه أن يتروّى ويتأنّى.
إن الثأر لا بُد منه، وقد باتَ في يده، ولكنه لم يكُن هُناك مبررٌ لأن يُلقي بنفسهِ إلى التَهْلُكة، إذا كان يستطيعُ أن يبلُغَ أُمنيتَه وهوَ في مأمنٍ، ويُردي خصمَه وهو بمَنجاةٍ من العِقاب.
كان الأمرُ سهلاً.. فقد كان يستطيعُ أن يتصيَّدَ غريمَه في حَلْكة الليْلِ وهوَ عائدٌ وحده إلى داره بعد أن عرفَ موْعدَه وعرفَ خَط سيْرِه وطريقَ مرورِه.
كان عليه أن يختبئَ بجوار الساقيةِ القديمةِ وَسْطَ أعوادِ القصبِ المُتكاثفة.. فإذا ما مرَّ به الرجُل في الطريقِ الضَيِّقِ الذي يَمُرُّ وَسْط حقلِ القصب، فليس عليه إلّا أن يَمِدَّ يَدَه فيُمسِكُ بعنقه ويضغطُ عليها حتى يكتِمَ أنفاسَهُ ثم يُلقي به في الساقيةِ القَديمة الخَرِبة وينطلِقُ بعدَ ذلك لينعمَ معها بحياةٍ هادئةٍ ناعمة.
