خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل منتقم (1)


رجل يمشي بين أعواد القصب في غيط إحدى القرى تحت ضي القمر

رجل منتقم (1)



الليْلُ حالك.. والظُلمةُ شاملة.. والسكونُ سائد.. والصَمْتُ مُخيِّم.

وما من صوْتٍ هناك إلّا فحيح الريح تدفعُ أمامَها أطرافَ أعواد القصب، فتميلُ أمامها في أمواجٍ مُتتابعةٍ مُتتالية.. وبيْن الأعواد الخُضْر المُتكاثِفة.. أخذَ شبحٌ يتسلَّلُ في الظُلمة كأنه ذئبٌ يسترِق الخُطى. 

ولوْ استطعنا أن نكشفَ حُجُبَ الظلام لنستبينَ ملامحه لراعَنا (لأخافنا) منه كثيرٌ من قَسوة، وكثيرٌ من عزم، وكثيرٌ من شرود.

كانَ الرجُلُ يوشِكُ أن يبلُغَ هدفَه، هدف العُمْر الذي طالما حثَّ (أسرع) الخُطى للوصول إليه.. والذي تركَّزتْ لبلوغِه جهودُه وجهودُ أهلِه من قبلِه، حتى أوْشَكَ هوَ أن يُتِمَّ سعيَه ولم يبقَ لتحقيقِ غرضه إلّا النَزْرُ (القليل) اليسير.

أجل!.. بعد طول السَعي والكَد والحِل والتِرحال.. قد وصلَ أخيراً ولم يعُد بيْنه وبيْن الثأر سوى خطواتٍ معدوداتٍ قِصار. 

الثأر!.. لِمَ يتحرَّقُ إليه؟ ويتلهَّفُ عليه؟ إنه يشعرُ بنشوةٍ من مُجرَّدِ الإحساسِ بأنه يوشِكُ أن يُقدِمَ على تنفيذه، والشعورُ بأن الساعةَ المُرتقِبةِ قد أزِفَتْ (اقتربَتْ)، والأملُ المرجو يوشِكُ أن يتحقَّق ٠ 

إن السنينَ المُتواليةَ لم تُطفِئْ في قلبه الحُرقةَ المُتأجِّجة، ولا استطاع الزمنُ أن يُبْرِئَ (يشفي) بالنسيان حُزناً دفيناً، ولوعةً كامنة. 

إنه يذكرُ أباه ومصرعَه كما لو كان قد حدث بالأمس القريب، يذكرُ رقدتَه على حافّة القناة بيْن كوْم الغاب والدماءَ الحارة القانية تنزفُ من جُرحٍ في جانبه وتُخضِّبُ (تُلطِّخ) ثيابَه وهو يئِنُّ أنيناً خافتاً، وأنفاسَه تخرُجُ من صدره، مُتحشرِجةً مُتقطِّعة. 

وفي صوْتٍ مُتهدِّج (مُتقَطِّع) .. سأله أباه ألّا يترُكَ الثأر.. وأن يقتصَّ من قاتله بيده، وألّا يَدَعَ دمَه يضيعُ هَدَراً. 

وكان يستمعُ إلى أبيه مشدوهاً مذهولاً لا يكادُ يُصدِّقُ عيْنيْه ولا أُذُنيْه، ولم يملكْ أن يُجيبَه بغيْر الانحناءِ عليه وضَمِّه إلى صدره مُحاولاً أن يبعِدَ عنه عاديةَ (مصيبة وجمعها عوادي) الموْت، سائلاً ايّاه ألّا يموتَ ويترُكَهُ وحده. 

ولكن بعد لحظاتٍ لم يجِدْ بيْن يديْه سوى أُذُنٍ صَمّاء وفَمٍ صامِتٍ مُطبَق (مُغلَق) وأطرافٍ مُتداعيةٍ (مُنهارةٍ) مُتراخية وجُثّةٍ مُسجاةٍ لا حِراكَ بها. 

كان وقتذاك صبيّاً غريراً (قليلَ التجربة جاهلَ بالأُمور)، ولم يكُن له بعد أن ماتَتْ أُمُّه سوى أبيه العطوفِ الحنون، ولم يكُن يطوفُ بذِهنه قَط أن أباه يُمكِنُ أن يذهبَ عنه هكذا - في مثل لمح البصر - ويتركَهُ وحده. 

وأحسَّ بالمرارةِ تفيضُ بنفسه.. لقد كان يعلمُ بالعداوة القائمة بينهم وبيْن أُسرةٍ مُجاورة، وكان يعلمُ أن بيْن الأُسرتيْن ثأرا قديماً، ولكنه لم يخطُرْ له على بالٍ قَط أن يذهبَ أبوه الطيّب الكريم ضحيّته! 

إن أباه لم يرتكِبْ إثماً حتى يقعَ عليه القَصاص.. ومن الظُلم أن يُحمَّلَ إنسانٌ جُرمَ إنسانٍ آخر. 

وجلسَ بجوار الجَسَدِ المُسجى (المُغطّى) يبكيه بُكاءً مُرّاً، ثم أفاقَ لنفسه أخيراً فوجدَ أن البُكاءَ لن يُجديَ نفعاً.. فما هو بمُعيدِ أبيه، وما هو بمُطفئِ حُرقته. 

شيءٌ واحدٌ يستخلِصُ لأبيه حقّه.. وهوَ الذي يُمكِنُ أن يهبَه العَزاء، وهو الثأر! 

إنه لن يظلِمَ أحداً كما ظُلِمَ أبوه، ولن يأخُذَ بجُرْمِ القاتِل إنساناً بريئاً، بل سيوقِعُ القَصاصَ على القاتل نفسه! 

ونهضَ من مكانه في عزمٍ وقوّة، ولم تُشرِقْ الشمسُ عليه إلّا وقد وارى أباه الثَرى.. وطوى في باطن الأرض كل أثرٍ لمصرعه. 

وأصبحَ أهلُ القرية، فإذا بثلاثةٍ منهم قد اختفوا من القرية وعَفَتْ (انمحت) آثارهم، القتيل والقاتل والآخذ بالثأر.. واحدٌ يثوى (يستقر) ببطن الأرض، واثنان يلاحق أحدُهما الآخر.. لقد خرجَ يقتفي أثَرَ غريمه. 

ومنذُ ذلك الحين وهو هائمٌ شارد، لا يهدأُ له بال ولا يُقِرُّ له قَرار.. وخرجَ بنفسه من زُمرة الأحياء.. حتى باتَ كالشبحِ الساري أو الروحِ الضالّةِ الهائمة.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX