رجل آثم (2)
وضغطَ الرجُل على الزِنادِ وهوَ ما زالَ مُصوِّباً الفُوَّهةَ إلى معدتي، ولم تكُن هُناكَ فائدةٌ من الصياحِ أو الهرب، وكُلُّ ما كُنتُ أستطيعُ فِعلَهُ هو الاستسلام.. أن الرجُلَ - لا شَك - مجنونٌ ولن تُجدي معه سوى السياسة.
وحَمِدتُ اللّٰهَ أن جَعَلَ الزِنادَ لا ينطلِقُ فِعلاً.. وحمدتُه كذلك أن جعلَ الرجُلَ يُعيدُ مُسدَّسَهُ أخيراً إلى جيْبه.. وتنفسَّتُ الصُعَداء (تنهَّدتُ بعُمق)، وقُلتُ للرجل:
أمُصَمَّمٌ أنتَ على قتلِهما؟
أجل.. كما قَتلا ابنتي.
قتلا ابنتك أنت؟
أجل ابنتي أنا.. لقد تآمَرا على قتلِها، وراحت المسكينةُ ضحيّةَ نذالتِهما وجُبنِهما.
وبدَتْ على وجهِ الرجُل علاماتُ الحِقْدِ والغَضَب.. ورأيْتُ مُقلتَيْهِ تغرورَقان (تمتلئان) بالدُموع، وبدا لي كأنما هوَ جادٌّ فيما يقول.
وسواءُ كان جادّاً أم لم يكُن، فما كُنتُ أملكُ إلّا موافقتَه فمددتُ يَدى وأخذتُ أُربَّتُ على كتفه وقلتُ له في عطفٍ ظاهر:
هَدَّئ نَفسك وحاوِل أن تنامَ واسترِح قليلاً.
أنام!.. لقد مضى عليَّ عشرةُ أيّامٍ وأنا لا أعرفُ طَعمَ النوْم.. منذ أن واريتُها الثَرى لم يغمض لي جفنٌ ولم يهدأ لي بال.
ولكن أواثقٌ أنتَ من أنهما قد قتلاها؟
أتظُنُّني كنتُ أُصِرُّ على قتلهما إذا لم أكُن واثقاً؟
ولكن إذا كانَ الأمرُ كذلك فلِمَ لا تُبلِغُ أمرَهما للقضاء وتترُكُه يقتَصُّ لك دونَ أن تُعرِّضَ نفسكَ لعقوبةٍ القتل؟
القضاء؟.. لا.. لا.. أنا لستُ أبله.. إن إبلاغَ القضاءِ لن يعنيَ سوى الفضيحةِ لي ولها.. أمّا هُما فلن يستطيعَ القضاءُ أن يُثبِتَ عليهما شيئاً، وإنْ أثبتْ فلن يكونَ لجريمتِهما عِقاب.
إذا ثبتَ أنهما قتلاها فلن يكونَ لجريمتِهما عِقاب!؟
أجل.. أمامَ القانون لا عِقابَ لهما.
لستُ أفهمُكَ جيّداً.
لكي تفهمَني جيّداً يجبُ أن تفهمَ الحادثةَ جيّداً.. كنتُ ذاتَ يوْمٍ أجلسُ في داري.. وأنا أقطُنُ فيها مع ابنتي وخادِمٍ عجوز تُدعى أم أحمد.. ترعى أمورَنا منذ أن تُوفّيَتْ زوْجتي.. وكنتُ أعلمُ أن ابنتي قد خرجتْ مع الخادمة منذُ الصَباح لقضاء بعض الحاجات.. وكنتُ أتوقَّعُ أن تعودَ إلى الدار قُبيْلَ الغَداء، ولكن موْعد الغداء حلَّ دونِ أن تعود.. وزاد بي القلقُ عندما انقضى اليوْم وهيَ ما زالت غائبة.. حتى دقَّتْ الساعةُ السادسة فإذا بي أسمعُ وَقْعَ أقدام أُم أحمد وحدِها وهي تصعدُ الدَرَجَ بطيئةً مُتثاقِلة، وأقبلتُ عليها أسالُها في لهفةٍ عن ابنتي فرأيْتُ وجهَها شاحباً وعيْنيْها مُحْمَرَّتيْن وأنبأتني في صوْتٍ مُتهدَّجٍ أنها قد أتت لأخذي إليها.. وكانت المرأةُ في حالة اعياءٍ شديد فلم أستطِع أن أستفسِرّ منها عن حقيقةِ ما حدث، ولكني توقَّعتُ أن يكونَ قد حدثَ لابنتي حادثَ تصادُم وأنهم حملوها إلى أحد المُستشفيات.. وانطلقتُ مع المرأةِ في إحدى عربات الأُجرة وسألتُها عن اسم المُستَشفى الذي وضعوها فيه، فأنبأتني أنها ستقودُني إلى هُناك.. وهكذا أخذتْ المرأةُ تقودَ السائقَ وتعرُجُ به يَمنةً ويَسرةً حتى وجدتُ نفسي في شارع محمد علي قُربَ القَلعة.. ثم عرجتْ بنا العربةُ في أحد المُنعطفات وظلَّتْ تتجوَّلُ بيْن الأزِقةِ والحارات وأنا حائرٌ دَهِش، حتى وقفتْ بنا أمامَ بيْتٍ حقيرٍ تفوحُ منه رائحةُ العفونةِ وتتراكمُ على بابه أكوامُ القِمامات.. وقالت المراة: "إنها هُنا.. تعالَ".. ولم أملكْ إلّا الانصياع.. فدخلتُ أتعثَّرُ وراءها، أخوضُ وسط القِمامات، وأتخبَّطُ في الدَرَجِ الحَجَري المُتآكِل.. ودفعَتْ المرأةُ باباً خشبيّاً ودلفنا إلى صالةٍ رَطْبةٍ مُعتَمةٍ لا يبدو فيها أثرٌ لأثاث.. ثم عبرناها إلى حُجرةٍ في الناحية المُقابلةِ للسُلَّم.. وهناك أبصرتُ ما صرعني وسلبني رُشدي وأفقدني صوابي.. وجدتُ ابنتي مُسجاةً على فراشٍ قَذِرٍ وقد أُغمِضَتْ عيْناها وشَحبَ وجهُها وبجوارها كوْمةٌ من المِلاءات مُغرقةٌ بالدِماءِ والفِراشُ نفسُه قد تناثرتْ فيه بُقَعُ الدمِ الأحمر.. كُلُّ شيءٍ في الحُجرةٍ كان مُلوَّثاً بالدماء.. وأحسستُ كأني أوشِكُ أن أهوى إلى الأرض.. فصرخت كالمجنون: "ما هذا؟ وما الذي أتى بها إلى هُنا؟".. وانبرَتْ (ظهرت) لي عجوزٌ شمطاءُ من أقصى الحُجرةِ تسعى كالحيّة الرقطاء وأنبأتني أنها هيَ التي أتت بقدميْها.. وأنها هي التي سألتْها الإجهاض.. وأنها غيْرُ مسئولةٍ عن شيء.. فهذا قضاءُ اللّٰه ولا رادَّ لقضائه.. إجهاض؟! كيف؟!.. ونظرتُ إلى أم أحمد مُتسائلاً وأنا أكادُ أُجَن.. فهمستْ المراةُ في صوْتٍ خافِت: "لا داعي لكل هذا الآن.. ليْسَ هذا وقتَه.. الأفضل أن نحملَها إلى البيْت.. ربّنا أمرَ بالسَتْر".. ولم يكُن أمامي سوى الرضوخ، فلا أقلَّ من السَتْر على البُنَيّةِ العزيزة!.. ولَفَفناها في ملاءةٍ نظيفةٍ وحملناها إلى التاكسي وأوْصلناها إلى البيْت.. وفي البيْتِ فاضتْ روحُها.
