خبر
أخبار ساخنة

ست نساء وستة رجال | يوسف السباعي | رجل آثم (1)


أربع ركاب يجلسون في ديوان قطار منتصف الليل وأحدهم معه مسدس

رجل آثم (1)



بدأَ القِطارُ سيْرَه، وأخذتُ أُلوِّحُ لبضعة الأصدقاء الذين حضروا لتوْديعي حتى اختفوا عن ناظري وسط الزِحام.. وغادرتُ النافذةَ عائداً إلى مِقعَدي. 

وكانَ أوّلُ ما فعلتُ هوَ أن ألقيْتُ نظرةً عَجلي (عاجلة) على رِفاقى في السفر.. وبؤتُ (رجعتُ) من النظرة بخيْبة رَجاء.. فما رأيْتُ بيْنَ الوجوهِ المُرافِقةِ التي سأُكرَهُ على صُحبتِها ثماني ساعاتٍ مُتوالية وجهاً يغري بالنظر، ويُزيلُ وَحشةَ السفر، ويُقصِّرُ طولَ الرحلة، ومع ذلك فلم أشعُر بكثير أسف، أوّلاً لأني قد تعوَّدتُ على هذه الخيْبة في كل سفر.. وثانياً لأن الديوان (كانت عربة القطار قديماً يتم تقسيمها إلى عدّة دواوين مُراعاة للخصوصيّة) لم يكُن مُزدَحِماً بل كل من به لا يزيدون على أربعة: أنا وثلاثةٌ آخرون.. وهكذا اطمأننتُ إلى سَفَرةٍ (رحلةٍ) مُريحةٍ أستطيعُ خلالها أن أمِدَّ ساقيَّ على المقعد المُواجه وأن أستغرقَ في نوْمٍ عميق.

وبدأتُ أتصفَّحُ الجَرائدَ والمجلّات التي وضعتُها بجواري حتى أحسستُ بالخُمول يَدِبُّ في جسدي فألقيْتُها جانباً ثم أسندتُ رأسي في تكاسُلٍ إلى الوَراء وأغمضتُ عيْني في شِبه إغفاءة. 

وأخذتُ أُنصِتُ لطرقات القِطار المُنتظمة التي يُحدِثُها في أثناء سيْره، وشَرَدَ بي الذِهنُ في توافِهِ الحياة، فاستعرضتُ ما فعلتُ في يوْمي وما سأفعلُه في الغَد، ثم اختلطتْ الأفكارُ في رأسي حتى أنعدمتْ قُدرَتي على التفكيرِ ورُحتُ في سُباتٍ عميق. 

لم تكُن الساعةُ تزيدُ على الثامنة فالقِطار قد بدأَ تحرُّكَهُ في السابعةِ والنِصف.. ولا أظُنُّ تشاغُلي (انشغالي) بالنظر إلى رِفاقي في الديوان أو انهماكي في قراءةِ الصحيفة، قد استغرقَ أكثرَ من نصف ساعة، ومع ذلك فقد هاجمني النُعاسُ سريعاً من فرطِ ما أجهدتُ جسدي خلالَ اليوْم ولأني لم أجدْ حوْلي ما يستحِقُّ اليَقظة. 

وإذا نامَ المرءُ واستيقظَ فجأةً فإنه لا يكادُ يشعرُ أنه قد نامَ ولا يستطيعُ أن يُقدِّرَ طولَ الوَقت الذي استغرقَهُ في النوْم بل يُخيَّلُ إليه أنه لم ينَم، وهكذا أحسستُ عندما استيقظتُ فجأةً على صوْتِ طلقٍ ناريٍّ يُدوّي في أُذُنى.. فهببتُ من مقعدي فَزِعاً مُرتاعاً (مرعوباً) لأجِدَ الرجُلَ الجالسَ بجواري يفحصُ مُسدَّساً في يدِه ثم يضعه في جيْبه باطمئنانٍ وارتياح.. وأجدُ أحدَ الرجُليْن الجالسيْن في مواجهتي مُستغرقِاً في سُباته.. أمّا الرجُلُ الآخرُ فلم يكُن بأقلَّ مني دهشة.. إذ رأيْتُهُ يُحملِقُ في الرجُل صاحب المُسدَّس وقد بَدَتْ عليه سيماءُ مَن أوقِظَ فجأةً فَزِعاً مُرتاعاً. 

ونظرتُ إلى الساعة فإذا بها الحاديةُ عشرة.. وأدركتُ ببساطةٍ أني قد قضيْتُ في سُباتي ما لا يقلُّ عن ثلاثِ ساعات، وكان القِطارُ مُمعِناً (مُتمادٍ) في سيْره دونَ أن يبدوَ من النافذةِ أيُّ أثرٍ لأضواءٍ أو علاماتٍ مُميَّزةٍ تدُلُّ على المكان الذي نمُرُّ به، بل بدا لي كأن القِطارَ يطوي أكداساً (أكواماً) من الظُلُمات. 

وخَيَّمَ على ثلاثتِنا صمتٌ لم يكُن يشوبهُ سوى طرقاتِ عجلاتِ القِطارِ المُتتاليةِ المُنتظمةِ كأنها دقّاتُ الساعة.. وكانَ صمتُنا مشوباً (مخلوطاً) بقلقٍ وتساؤُلٍ وتوتُّرٍ في الأعصاب. 

وأخذتُ أُقلَّبُ البصرَ بيْنَ الرُكّابِ فرأيْتُ الرجُلَ الجالسَ قِبالتي (أمامي) يعودُ إلى تراخيه ويُمدَّدُ ساقيْه ويُلقي براسِه إلى الوَراء ثم يُغمِضُ عيْنيْهِ دونَ أن ينبَسَّ ببنتِ شَفةٍ وكأنما الأمرَ لا يعنيه في شيء أو كأنه مفروضٌ على رُكّاب القِطارِ أن يتسلّوا بإطلاقِ النارِ من مُسدَّساتِهم. 

ولم أستطِعْ أنا بالطبعِ أن أفعلَ كما فعلَ الآخرون، فأتمطّى في مقعدي بهدوءٍ وأعودُ إلى سُباتي.. فمَن يُدريني أن صاحبَ المُسدَّسِ ليْسَ مجنوناً؟.. وأن الطلقةً الآتية ستستقِرُّ في جوْفي بدلاً من أن تنطلِقَ طائشةً من النافِذة؟... لا.. يجبُ أن أكونَ حريصاً وألّا أترُكَ الرجُل يعبثُ بمُسدَّسه.. أو على الأقل أُطَمْئِنُ نفسي بالاستفسار عن سِر هذه الطَلقةِ التي أطلقها. 

وكأنما أحسَّ الرجُل بقلقي وبأن عيْني تُحملقان فيه وتطلُبان منه تفسيراً.. فقد التفَتَ إليَّ وهَزَّ رأسَه مُشيراً بالتحيّةِ ثم قالَ وهوَ يضِعُ يده على جيْبه: 

  • مُسدَّسٍ جيّد. 

ولم أعرفْ كيْفَ أُجيبه فأنا لم أفحصْ المُسدَّسَ حتى أعرفَ إذا كانَ جيّداً أم لا.. ولا أعرفُ كيْفَ ينوي استعمالَه.. ولا إذا كانَ من صالحي أن يكونَ جيّداً أم غيْرَ جيّد.. ولكني تجنُّباً لكل ما يُثيرُ الرجُل لم أستطِع إلّا أن أوافِقَهُ بهزّةٍ من رأسي وأنا أقول:

  • يبدو كذلك. 

  • لقد اشتريْتُه منذُ مُدّةٍ قَصيرةٍ لغرضٍ خاص.. إني لم أُمسِكْ في حياتي مُسدَّساً قبلَ الآن.. ولا كُنتُ أعرفُ كيْفيّةَ استعماله.. بل كُنتُ أخشى الاقترابَ منه.. ولكن الظروفَ أجبرتني على ابتياعه حتى أُنهي به مَهمَّتي. 

  • تُنهي به مَهمَّتك؟ 

  • سأقتلهما به.. لا أظُنُّ المَهمّة ستكونُ شاقّة.. حقيقةً إني لا أُجيدُ التنشين ولكن المسألةَ لن تحتاجَ إلى ذلك.. فلن أُحاوِلَ إصابةِ الهدفِ من بُعد.. لن يكونَ بيْننا أكثرُ ممّا بيْنى وبيْنك.. هكذا. 

ورأيْتُ الرجُلَ يُخرِجُ مُسدَّسَه من جيْبه ثم يضِعُ فوَّهتَه بمُنتهى البساطةِ مُلاصِقةً لمَعِدَتي.. ويواصلُ حديثَه:

  • أجل.. لن تكونَ المَسافةُ بيْننا أبعدَ من هذا.. هل تظُنُّني أُخطِئ؟ 

وأحسستُ برجفةٍ وأنا أُبصِرُ فوَّهةَ المُسدَّسِ تُلامِسُ جَسَدى، وخشيتُ إنْ أتيْتَ بحركةٍ بها شيءٌ من العُنفِ أو صِحتُ بالرجُلِ ناهِراً إيّاه أن تخرُجَ الطلقةُ من المُسدَّسِ وأُردي صريعاً.. ففَضَّلتُ أن آخُذَ الرجُلَ باللّلين وقُلت له مُؤكِّداً: 

  • لا.. لا.. إنك لن تُخطِئَه أبداً.. فقط أرجوكَ أن تُبعِدَ فوَّهةَ المُسدَّسِ عن مَعِدَتي لأنها تُسبِّبُ لي مَغَصاً. 

وصاحَ الرجُلُ مُقهقِهاً: 

  • لا تخف.. إن سُقاطةَ الأمانِ في موْضِعِها.. أُنظُر.. مَهما ضغطتُ على الزِنادِ فلن ينطلِق.



(يتبع)

google-playkhamsatmostaqltradentX